كيف تنتهي المدينة أو كيف يجتاح المول وعينا؟



غالباً ما تضمّ الأحزمة المحيطة بالمدينة سكاناً (أرشيف ــ هيثم الموسوي)

لا أذكر كيف حصل هذا بالضبط، لكن أذكر أنه كان بعد انتهاء الحرب الأهلية. قالت أمّي: «صار في «سبينيز» بلبنان بدّي آخدكن عليه». حدّقت طويلاً ثم سألت ما هو هذا؟ فردت «محل كبير». لم أفهم هذه الحماسة لـ«محلّ». لكن هذا «المحل» كان مختلفاً. بعدها، بدأت «محالّ» أخرى بالظهور وتغيّرت شيئاً فشيئاً «الضهرة عالسوق»

جنى نخال

ننظر إلى مفهومنا للمدينة الآن ومقومات تركيبتها، فنرى المول (Mall) أو المجمع التجاري من أساسياتها. و«المول»، تتبعه نظم أخرى من الضرورات الوظيفية والاستهلاكية والمعمارية والاجتماعية والمالية. فثقافة المول تطرح علينا شكلاً جديداً للمدينة ومفهوماً آخر لدورنا فيها. تبدأ أوّلاً بواجب الاستهلاك، وجعله ديناً للعصر المابعد حداثي.
و«المول» هو مكان مفصول عن المدينة، يفرض قواعده الخاصة. تتجمّع فتيات في الرابعة عشرة من العمر وتتساءلن بحماسة: «وين منروح؟ آ بي سي ولّا سيتي مول؟». تقرّر الفتيات الذهاب إذاً إلى أحد المولات، ولا يُلمن على خيارهن هذا، لأن الفسحات العامة قليلة في بيروت،
ومفهوم استعمالها محدود وغالباً ما يعكس تركيبة طبقية. لا أقصد بعبارتي الأخيرة الشابات والشبان بالضرورة، بل الأهل غالباً، حيث تسبق عبارة «عيب يا ماما، شو بدّك تقعدي ع الطريق؟» قرار المراهقات والمراهقين لاختيار المول. يؤدي هذا الخيار إلى تبسيط (إلى حدّ الاختزال) علاقتنا بالمدينة وتسطيحها. تسخيف وجودها بما هي كائن قائم بذاته نتعامل معه ونؤثر بالضرورة على شكله. والمدينة محصلة أحداث ومعارك (بالسلاح أو من دونه) وصور وطفولة وأماكن للهو والعمل والمشي والقيادة. عالم بذاته يقدّم لنا رؤيته للحياة، ونتفاعل معه: نكرهه فنغيّره، ونحبّه فنحتفظ به، ونزوره بذاكرتنا كلّما أحببنا.
لكن «لنذهب إلى المول». مبنى جامد عال حديدي/ حجري/ باطوني متسمّر في منتصف «باركينغ» فارغ ميت يذكّر بالمستشفيات، او ممتلئ بالسيارات نصل إليه لنتركه. ندخل الى المول، فتتلقّانا المحفّزات ونمشي مبهورين تحت تـأثير الأصوات والأضواء والحركة المستمرة فيه. كلّ شيء هنا مبرمج ومحسوب ومصمم لكي نقع في الفخ: «اشتر، اشتر، اشتر». وتشترين أو لا تشترين. هو مكان فاشيّ بامتياز، ندخله لا لنتواصل، لنتعلّم، لنلهو، بل لنتبع أوامر بصرية، سمعية ومكانيّة. هل لاحظتم/ لاحظتنّ يوماً مثلاً كيف أنه لا يمكن الوصول الى الدرج الكهربائي في مبنى «سيتي مول» مثلاً، إلّا بالمرور عبر كلّ الطبقات؟ فإذا أردت مثلاً الصعود من الطبقة الأرضية إلى الثانية، عليّ أن أصل الى الطبقة الأولى، ثم أمشي الى الجهة المقابلة لكي أستطيع أن أجد الدرج المتحرك الآخر الذي يوصلني إلى الطبقة الثانية، فأكون حينها قد مررت أمام محال الطبقة الأولى وربّما شدّني شيء فيها (غالباً ما لا أكون بحاجته) فأشتريه. إنّها ديكتاتوريّة المكان.
وبما أن «المول» لا يأتي وحده، بل يحمل معه فروعاً للعديد من الماركات الضخمة المنتشرة في العالم، فإنه بذلك أيضاً، يقتل الدكاكين الصغيرة والمتوسطة. وبما أن هذه الماركات غالباً ما تكون أجنبية، فإن التأثير الأول والمباشر هو الاختناق التدرجي لكل ما هو محلي مجاور للمول، لكونه لا يستطيع حتّى المنافسة. وإذا «تهوّر» أحد أصحاب المؤسسات الصغيرة واستأجر مساحة في المول، فسيكون عليه أن يدفع ما يقارب 72%(*) أكثر من المحال الكبرى فيه، لأن اسم هذه الشركات كفيل باستقطاب مستهلكين سيستفيد هو منهم.
أما ما هو أبعد من ذلك، فهو قطع الصلة بين المدينة والمحيط. في لبنان، ثمة منطقة انتقالية بين المدينة والقرية، هي محيط المدينة الزراعي والصناعي، في بيروت مثلاً هي ما اصبح الآن التمدّد العمراني كالشويفات والناعمة من جهة، وأنطلياس والدورة والدكوانة من جهة أخرى. وسواء أكنّا من سكّان القرى، المدن، الضواحي أم هذه التجمعات، فإننا لا بد أحسسنا بتغيّر ما يعطي تعريفاً جديداً لعلاقتنا بالمدينة.
منذ منتصف التسعينيات ونحن نفقد شيئاً ما والمدينة تتغيّر. المحيط المباشر للمدينة كان يضخّها باليد العاملة والمنتجات الزراعية والصناعات الخفيفة. وهو غالباً ما كان يتيح ارتباطاً بين المدينة والواقع الجغرافي والاجتماعي ـــــ الاقتصادي للمنطقة، فيأكل سكّان المدينة ممّا تنتجه الطبيعة المجاورة، وتكون عائلات المدن على علاقة بعائلات المحيط، من نسب ومصاهرة، إلخ... الآن غالباً ما تضمّ الأحزمة المحيطة بالمدينة سكاناً إما من العمال الأجانب أو من ذوي الدخل المحدود، والفارق يتّسع بينهم وبين سكّان المدن، لكنّهم خفيّون بالنسبة إلى الكثيرين. أما الأراضي الزراعية القريبة من التمدّد العمراني للمدن، فتنقرض شيئاً فشيئاً. يساهم «المول» في التغطية على هذه التغييرات ورسم واقع غير صحيح.
فالمنتجات التي كانت توفّرها هذه المساحة ما عادت موجودة، والمساحة بحدّ ذاتها تختفي، لكنّ المستهلكة والمستهلك، لا يحسّان بذلك لأن المنتجات ما زالت في «المول» والعرض ما زال على حاله.
ويساهم «المول» بفرض شكل مديني غريب. أتكلم هنا عن مجمعين جديدين في صيدا يبعد واحدهما عن الآخر 50 متراً. الترحيب فائق بهذين المبنيين، فالواجهات لمّاعة والمجمعان يقدمان المأكولات والملابس (لا شيء آخر تقريباً) وتبدو الحياة من داخلهما أجمل. لكنّني أسأل إن كان أي من «جيران» هذه المحال يستطيع أن ينزل نهار الأحد ليتغدّى فيهما مع عائلته؟ فرحُنا بهما يعبّر عن انبهارنا بجماليّة العمارة وإلهائنا عن تأثيرها المباشر على المجتمع. نسمع الكثير من نوع «شو حلو المبنى» أو «خيّ ليك كيف صارت المنطقة مرتّبة». صحيح، ربّما يبدو المبنيان على قدر عال من الجمال (والجمال غالباً ما يكون نسبياً)، خاصة بالمقارنة مع المباني المحيطة. وربّما نسعى إلى قدر ولو صغيراً من «الترتيب» في ما نراه في منتهى الفوضى. لكنّني أتكلّم هنا عن قتل المؤسسات المتوسطة الحجم، مثل محال الثياب والمقاهي حول المبنيين، إضافة إلى تأليه ثقافة الاستهلاك واستبعاد الفقراء أكثر فأكثر من المدينة.
للمدينة ومحيطها علاقات كانت متينة، تربط الحاجات بإمكانات الإنتاج، والعمل بالترفيه، والعائلات بعضها ببعض بالتزاور. كانت المدينة تأكل ممّا تنتجه المناطق الزراعية القريبة منها والتي هي الأخرى تعتاش على حاجات المدينة.
لكن المدينة اليوم، بينما تنمو وتتمدد، تنتهي علاقتها بما يحيط بها وتختزل هذه العلاقة بمفهوم جديد: المول. مبنى وحيد ذو وظيفة واحدة، في مدينة ملوّنة، متغيّرة وناطقة تبعث على التساؤل كلّ يوم.

* (Gould, Eric & Pashigian, Peter. “Internalizing externalities: the pricing of space in shopping malls” Journal of Law and Economics, vol. XLI April 1998.)


كولاس، المول ورؤية الغرب للمدينة

يُعد المعماري ريم كولاس، الذي دُعيَ للمشاركة في مسابقة تشييد البناء الجديد المنوي إنشاؤه بعد انهيار برجي مركز التجارة العالمي في أيلول 2001، من أشدّ المعجبين بثقافة المول لدرجة أنه «أعلن» أن «المول حلّ رسميّاً عام 1994 محلّ الوظائف المدينية لوسط المدينة». المشكلة أن كولاس نفسه رأى في مرحلة معيّنة أن المول آفة وانتقل لمعالجتها بوصفها واقعاً.
قال: «فلنستفد منه». ومشروعه لمقر «برادا» نيويورك أفضل مثال على ذلك. لا نريد مناقشة مشاريع في أميركا هنا، بل اتّباعنا لرؤية الغرب للمدينة. فبينما يتكلّم كولاس عن «المدينة المابعد حداثية» وغياب التاريخ، نجد أن الكثير من مدننا تعاطى بنحو مختلف مع الحداثة وربّما لم يتخطّها بعد. تغرق مدننا في أماكن الذاكرة والتاريخ والزمن. فما أبعد نيويورك، التي ساهم كولاس بجدّية وحماسة في تدمير بعض أحيائها الفقيرة، عن طرابلس أو المدينة القديمة في صور! كذلك فإن «ما بعد حداثيتنا» محدود بالعمارة وبعض المساحات التي تربط ما بين المدن كالأوتوسترادات والأنفاق

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com