طارق الربعة: إسرائيل تصنع شبكة الخـلوي في لبنان



جهاز إسرائيلي ضبط مع أحد العملاء عام 2009 ولم تكشف ماهيته بعد (أرشيف)

ليس طارق الربعة كغيره من العملاء. تميّز عنهم بالكثير، بدءاً بطريقة التجنيد وطريقة التعامل معه، وصولاً إلى الأموال التي تقاضاها لقاء عمله مع الإسرائيليين. لكن أبرز ما فيه أنه حوّل شبكة الهاتف الخلوي في لبنان إلى خريطة سهلة القراءة بين أيدي الإسرائيليين. وفي ما يأتي، أبرز ما ورد في محاضر التحقيق التي أجرتها معه مديرية استخبارات الجيش

حسن عليق

مع طارق الربعة، لم تعد العلاقة بين الاستخبارات الإسرائيلية وعميلها تقتصر على اتصال هاتفي وتحديد إحداثيات موقع تابع للمقاومة أو تصوير جسر، بل تعدّتها إلى أبعد من ذلك بأشواط. كانت الاستخبارات الإسرائيلية ترسُم خططاً لشبكة الاتصالات، فيسعى طارق أقصى جهده لتنفيذها. وعند الحديث عن شبكة الاتصالات مع طارق الربعة، يعني ذلك أن المهندس اللامع يقترح على شركته تثبيت «عمود فقري» للشبكة الخلوية، وينال من الإدارة موافقة على تركيبه. أضف إلى ذلك أنه يتحكم في دفق الاتصالات، (من الضاحية الجنوبية مثلاً)، ليجبره على المرور عبر هذا العمود الجديد الذي طلبت الاستخبارات الإسرائيلية تركيبه في منطقة الحازمية.
ما تقدم ليس افتراضاً، بل حدث على أرض الواقع. كان ذلك في أيار 2009. كان ثمة موعد مسبق بين ضابط الاستخبارات الإسرائيلية «ليونيل مارتينيز» وطارق الربعة في فرنسا. اتصل الثاني بالأول، وأبلغه موعد السفر واسم الفندق الذي ينزل فيه. وصل طارق إلى فندقه الباريسي. بعد ساعات، وصلت سيارة أجرة أقله سائقها إلى فندق آخر. ومن الفندق الثاني، سائق آخر إلى فندق ثالث، حيث كان ليونيل ينتظر طارق، مع مهندس اتصالات. طرح الضابط على عميله تنفيذ «مشروع كبير في لبنان»، على أن تكون حصة طارق منه مبلغ 100 ألف دولار أميركي. سأل طارق عن تفاصيل المشروع، ففتح المهندس خريطة جوية للبنان. أظهر لطارق موقعاً في منطقة الحازمية، وبالتحديد في منطقة مار تقلا، طالباً منه زرع «عمود فقري» (back bone) فوق واحد من مباني هذه المنطقة. تحدث طارق والمهندس في التفاصيل التقنية للمشروع، فطلب الأخير أن تركّب أجهزة قديمة فوق هذا العمود الذي يجب أن يكون متصلاً بسنترال ليباتيل في ألفا وسنترال سن الفيل ونقطة ثالثة في موقع لم يحدده. قال طارق إن من الصعب عليه أن يجهّز العمود بمعدات قديمة، لكنّ المهندس أصرّ على ذلك، فوعده طارق خيراً.
عاد طارق إلى بيروت، وقصد منطقة مار تقلا. سعى جهده مع عدد من أصحاب المباني في المنطقة، إلا أنه جوبه بالرفض. أبلغ طارق مشغّليه بالنتيجة. إلا أن ذلك لم يحبط من عزيمته. وجد حلاً بديلاً. قصد المنطقة المحيطة بمدرسة «الكرمليت» (الحازمية، يبعد 800 متر عن الموقع الأول)، حيث عثر سريعاً على مالك يقبل تركيب العمود فوق مبناه.
هذا عام 2009. أما الطلب الأخير الذي سبق توقيف طارق (يوم 12/7/2010)، فكان البحث عن «عمود فقري» يمكن وصله «بموقع بثّ الهاتف الخلوي الذي يصل ضهر البيدر ببيروت، بهدف التنصّت على المكالمات في البقاع». لم يتمكن طارق من البدء بدراسة هذا المشروع، لأن ليونيل تقاعد. وقبل اللقاء ببديله، أوقفت استخبارات الجيش اللبناني شربل قزي (24/6/2010)، فخاف طارق أن يلقى المصير ذاته، ما دفعه إلى إتلاف أجهزة الاتصال بمشغليه، قبل أن يقبض الجيش عليه.

من هو طارق الربعة، وكيف جُنّد؟

وُلِد طارق في بيروت عام 1970. كان مجدّاً في تحصيله العلمي. في الثالثة والعشرين من عمره تخرّج من الجامعة العربية مهندساً للاتصالات. عقب تخرّجه، عمل في شركة إنتاج تلفزيوني، قبل الانتقال إلى شركة سيليس لتشغيل الشبكة الخلوية عام 1995. بعد خمس سنوات، تولّى مسؤولية القسم الذي يضع تصاميم شبكة «العمود الفقري» في شركة سيليس. وهذه الشبكة اسم على مسمّى. فهي التي تتلقى (وترسل) الاتصالات من (وإلى) محطات الإرسال، فضلاً عن الربط بين المحطات وسنترالات الشركة.
عام 2001، تلقّى طارق اتصالاً من خارج لبنان، من شخص عرّف عن نفسه بأنه يدعى ميشال مانيو. قال الأخير إنه مدير شركة توظيف يعمل لحساب شركات عالمية كبيرة، وإنه يريد توظيفه في شركة مهمة جداً. وختم مانيو المكالمة بالقول إن مديرة شؤون الموظفين في الشركة طالبة التوظيف ستتصل به للتحدث معه في التفاصيل. بعد مدة قصيرة، اتصلت به سيدة شرحت له أنها من شركة اتصالات فنلندية، وأنها تريد الاستعانة به في مجال تصميم الشبكات. وعدها طارق خيراً.
مرّت أيام قليلة، قبل أن يعاود مانيو الاتصال بطارق، داعياً إياه إلى قبرص، حيث سيلتقيان في فندق حجز له فيه غرفة. جرى ذلك قبل نهاية عام 2001. سافر طارق إلى لارنكا، ونزل في الفندق الذي حدّده مانيو. طلب الأخير منه الانتقال إلى فندق آخر بسيارة أجرة. التقيا في المكان المحدد، فسأل مانيو طارق عن طبيعة عمله في شركة سيليس، ثم عرّفه إلى مديره «ميغيل أيدو». عرّف الأخير طارق على شركته، ثم أجرى مقابلة توظيف معه. زوّده بالموقع الإلكتروني للشركة، ثم طلب منه إعداد دراسة عن نوع محدد من شبكات الاتصالات. أخذ طارق من الرجلين تكاليف إقامته في الفندق، وثمن تذكرة السفر. وعندما عاد إلى لبنان، صار يتباهى أمام أصدقائه بكونه سيتوظف في شركة مهمة في أوروبا. عمل بجدّ لإنجاز الدراسة التي كان يعطيها من وقته ساعتين كل يوم، مدة شهرين. ولما فرغ من إعدادها، بعث برسالة عبر بريده الإلكتروني إلى أيدو الذي طلب من طارق ملاقاته إلى فرنسا، محدداً له اسم الفندق الذي سينزل فيه.
نحن في عام 2002. سافر طارق إلى باريس. وفي اليوم التالي، أرسل له أيدو سيارة تاكسي أقلته إلى فندق غير الذي ينزل فيه. التقى بأيدو، وسلمه الدراسة، فأعطاه أيدو مقابلها مبلغ 1500 دولار، فضلاً عن تكاليف السفر والإقامة. عبّر طارق عن امتعاضه من ضآلة المبلغ الذي تقاضاه مقابل الدراسة، وقفل عائداً إلى بيروت.
راسله ميشال مانيو بعد أيام قائلاً إن أيدو بهر به وأعجب بعمله. فقال له طارق إنه لا يريد العمل في الشركة. أصرّوا على تجنيده، إذ عاود أيدو الاتصال به معتذراً، طالباً لقاءه في هولندا لحل سوء التفاهم الذ وقع في اللقاء السابق بشأن أتعاب طارق. حجز أيدو لطارق في فندق بالعاصمة الهولندية أمستردام التي قصدها الربعة أواخر عام 2002. تقابل مع «مديره» الذي أعطاه 5000 دولار أميركي لقاء الدراسة، واتفقا على التواصل الدائم. اللقاء التالي بينهما حصل في تايلاند. وكالعادة، حجز الفندق وتذكرة السفر على حساب أيدو. عندما التقيا، صعدا في باص عمومي، وصار أيدو يسأل طارق عن وضع شركة سيليس، مع التركيز على تفاصيل إضافية عن عمله، قبل أن يطرح عليه سؤالاً عن الصعوبات التي يواجهها والخلافات التي تدور داخل الشركة. ردّ طارق بأنه «مغبون ولا يحصل على ترقيات»، وأنه يريد ترك عمله، فأصرّ عليه أيدو أن يبقى فيها، ثم أعطاه مبلغ ألفي دولار أميركي، طالباً منه عدم إخبار أحد بأنهما يتقابلان.

حلف شمالي الأطلسي

لم يفهم طارق سبب هذا الطلب، إلا أن ذلك لم يدفعه إلى الارتياب إلى حدّ قطع العلاقة. وما يثير الاستغراب في إفادته التي أدلى بها أمام محقّقي استخبارات الجيش أنه لم يتوقف أبداً عن تكرار اللقاءات التي لم يطلب منه خلالها أيدو تنفيذ أي مهمات، ونقده خلالها مبالغ مالية لا بأس بها. وعلى سبيل المثال، استدعاه أيدو للقاء في تركيا عام 2003، ودفع له تكاليف السفر والإقامة، ثم أعطاه مبلغ ستة آلاف دولار. ويؤكد الربعة أن اللقاء اقتصر على «التنزّه»، وأنّهما لم يتحدثا في أمر جدّي سوى أن أيدو لمّح له إلى أنه يُخضع من يعملون معه لاختبار كشف الكذب.
في العام ذاته، التقيا في فرنسا. لكن هذه الرحلة كانت أكثر جديّة، إذ عرّفه خلالها أيدو على «ليونيل مارتينيز»، قائلاً إن الأخير هو مدقّق الحسابات في الشركة.
في العام التالي، حصل اللقاء في فرنسا، لكنه هذه المرة اقتصر على مارتينيز الذي أبلغ طارق أن أيدو قُتل في حادث دراجة نارية، وأنه هو (مارتينيز) من سيتولى التواصل معه. أكثر من عامين، ولم يشك طارق، حسب زعمه في إفادته. لكن هذا اللقاء لم يدع مجالاً للشك. اصطحبه مارتينيز إلى فندق حيث كان في انتظارهما فريق من عدة أشخاص.
قال ليونيل لطارق إنه سيخضع لفحص على آلة كشف الكذب. وافق طارق، فسئل عمّا إذا كان قد أخبر أحداً عن لقاءاته بأيدو، وعمّا إذا كان يتعامل مع أحد الأجهزة الأمنية اللبنانية أو مع المقاومة. في نهاية الاختبار، قال ليونيل لطارق: لقد رسبتَ. وللأسف، كنت أريدك أن تعمل معنا. نحن جهاز استخبارات حلف شمالي الأطلسي. لكنك فشلت، ولم نعد بحاجة إليك.
قبض طارق تكاليف السفر والإقامة، وعاد إلى بيروت. مجدداً، انقطع تواصله معهم، بحسب زعمه، إلى أن حان شهر آذار 2005. اتصل به ليونيل مارتينيز مجدداً، طالباً ملاقاته إلى العاصمة اليونانية أثينا. لبّى طارق الدعوة. وبعد وصوله إلى الفندق بخمس ساعات، أخبره بأنه سيرسل له سيارة أجرة.
الإجراءات ذاتها التي تنفذها الاستخبارات الإسرائيلية مع عملائها: من الفندق بسيارة تاكسي إلى فندق ثان، ومن الفندق الثاني بسيارة أجرة ثانية إلى فندق ثالث. تدابير تهدف في الدرجة الأولى إلى كشف الرصد والتعقّب.
كان اللقاء يهدف إلى إعادة إحياء العلاقة مع الربعة. سأله ليونيل، ومهندس كان معه، عن أحوال الشركة (ألفا التي حلّت مكان سيليس)، وعن المناقصة التي تجريها لشراء أجهزة ومعدّات جديدة. أجاب طارق عن الأسئلة، مشيراً إلى أنه سيسعى جهده لترسو المناقصة على شركة «ألكاتيل». عقدت ثلاثة اجتماعات بين الطرفين، قبل أن يسلم ليونيل طارق مبلغ 10 آلاف دولار أميركي، محدّداً له موعداً للقاء لاحق في كوبنهاغن بعد شهرين، معرباً عن أمله أن يُحضر الربعة معه مزيداً من المعلومات.
في شهر آب 2005، التقى طارق بليونيل في العاصمة الدنمركية. إجراءات اللقاء الاعتيادية سبقت اصطحاب المشغّل عميلَه للقاء مديره في وكالة الاستخبارات. والأخير، رجل ستيني يستخدم اسم «باتريك انطونيلي». أراد ليونيل طمأنة طارق، طالباً منه بثّ ما يريد من شكوى إلى «مدير الوكالة».
أبدى طارق انزعاجه من اختبارات كشف الكذب، طالباً زيادة المخصصات المالية التي يتلقّاها. خفف باتريك من المشاعر السلبية لدى طارق، واعداً إياه خيراً بالنسبة إلى المخصّصات المالية، قائلاً له: «مستقبلك بالعمل معنا».
رحل «المدير»، وبقي طارق مع ليونيل والمهندس. أخبرهما أنه عندما عاد من أثينا إلى بيروت، فوجئ بأن شركة ألفا تتجه للتعاقد مع شركة سيمنز التي قدّمت عرض أسعار أدنى من أسعار شركة ألكاتيل.
وقال طارق للرجلين إنه واجه مديره، فيليكس واس، طالباً الكشف على أجهزة سيمنز لمعرفة مدّة فعاليتها وقدرتها على تلبية حاجات الشركة. شدّد ليونيل والمهندس على طارق ألّا يقوم بأي عمل يجعله في حالة صدام مع إدارة شركة ألفا، وأن ينفذ كل ما يُطلب منه، قبل أن يعطيه ليونيل 10 آلاف دولار.
التقيا بعد شهرين في تايلاند، ثم في ألمانيا. كانا يتحدثان عن أوضاع الشركة وتفاصيل عمله. وفي كل لقاء، كان ليونيل يذكّره بضرورة إبقاء علاقته ممتازة بإدارة الشركة. وفي ألمانيا، علم ليونيل بحصول خلاف بين طارق ومديره، فوجّه له لوماً شديداً.
بقيت اللقاءات بينهما تحصل كل شهرين، يتخللها إفراغ ما فيه جعبته عن الشركة وأوضاعها. وفي كل لقاء، كان طارق يحصل على مبلغ لا يقل عن 8000 دولار أميركي.
في شباط 2006، التقيا في تشيكيا. أبلغ طارق مشغّله أن الصفقة ألغيت مع شركة سيمنز، وأن الشركة قررت نهائياً الاتفاق مع ألكاتيل. نال عشرة آلاف دولار، وعاد إلى بيروت بعدما قدم شرحاً تفصيلياً عن معدات وأنظمة معتمدة داخل ألفا. بعد شهرين (أيار 2006)، حطّ طارق رحاله في باريس.
الغلة هذه المرة 12 ألف دولار أميركي، يقابلها شرح مفصّل عن بنية «العمود الفقري» لشركة ألفا، وخريطة تفصيلية للمحطات وكل المعلومات المتوافرة عنها. التوجيهات ذاتها: ابتعد عن أي خلاف مع الإدارة، وأبلغنا كل جديد يتوافر لديك.
خلال حرب تموز 2006، يقول طارق في محضر التحقيق معه، اتصل به ليونيل، ولم يطلب منه سوى التردّد إلى الشركة، لكي «لا تظن الإدارة أنك غير مهتم». نفّذ طارق ما طُلِب منه، فقصد الشركة منتصف الحرب، «لكنني لم أجد أحداً تقريباً، فلم أعد إليها إلا بعدما وضعت الحرب أوزارها».
استمرت اللقاءات بوتيرة لقاء واحد كل شهرين. وفي كل مرة دولة جديدة وتبديل فنادق وسيارات. معلومات تقابلها عشرة آلاف دولار أو أكثر. بعد حرب تموز، لم يكن ليونيل مرتاحاً. يصفه طارق بأنه كان متشدداً جداً، وحذراً إلى أقصى الحدود. سأله عن وضع الشركة بعد الحرب، فرد طارق متحدثاً عن الأضرار التي لحقت بالشبكة، فسأله ليونيل بالتفصيل عن المواقع التي تعرّضت للقصف.
وكان اللافت في هذا الاجتماع أن المشغل طلب من طارق تزويده برقم تسجيل سيارته التي يستخدمها في لبنان، ففعل ذلك.
وفي لقاء لاحق، طلب من طارق أسماء كل الموظفين العاملين في الشركة، والمعلومات المتوافرة كلها عنهم. حصل عليها طارق بعد عودته إلى بيروت، ووضعها على شريحة (USB) سلّمه إياها في اللقاء التالي.


كان يخبرهم عما يجري داخل ألفا لحظة بلحظة (أرشيف)

عام 2007، بدأ طارق بوضع دراسة لتوسيع شبكة ألفا. وضع مخططاً تفصيلياً حمله معه إلى ليونيل في لقائهما في هنغاريا. أخذ مبلغ 12 ألف دولار وجهاز هاتف مع شريحة فرنسية. عاد طارق إلى بيروت، وقدم دراسة للشركة عن توزيع أعمدة الشبكة في الجنوب. رسم خطاً يصل بين دردغيا وصفاريه وعبيه. أجرى مناقصة رست هذه المرّة أيضاً على ألكاتيل. قبل نهاية عام 2007، التقى مشغّليه في تايوان. عقد أكثر من جلسة عمل مع ليونيل والمهندس. زوّدهما بالتفاصيل التقنية للمشروع الجديد. وقبل العودة إلى لبنان، حظي بثلاثة عشر ألف دولار، وأرجع الهاتف إلى ليونيل، طالباً حصر التواصل بالإنترنت لأنه أكثر أمناً.
كان طارق يسلّم دفاتر شروط المناقصات لمشغّليه. وبعد تنفيذ أي مشروع، يحيطهم علماً بالتفاصيل التقنية للتجهيزات الجديدة. وفي كل مرة، يطرحون عليه أسئلة عن معدات وتجهيزات أو أقسام في الشركة.
بعد اليونان والنمسا، كان الموعد في كانون الثاني 2009 في تركيا. ومع ليونيل حضر مهندس جديد يستخدم اسم «كولين». سأل الأخير طارق عن تفاصيل تتصل بأنظمة تشغيل الشركة. أخبره طارق عن مناقصة لتركيب أجهزة جديدة في الجنوب، وأن أمام الشركة خيارين: إما اللجوء إلى شركة ألكاتيل وإما الحصول على التجهيزات من شركة هواوي الصينية. شدد ليونيل على ضرورة رفض عرض الشركة الصينية، وإبقاء المعدات الموجودة في الجنوب على قدمها، وبالتجديد، معدات ألكاتيل. وتمّ للإسرائيليين ما أرادوه، إذ بقيت محطات الجنوب مجهّزة من شركة ألكاتيل التي زوّدت ألفا بمعدات لعشرات المواقع في بيروت وضواحيها.
وخلال أحد اللقاءات التي جمعتهما، شدّد ليونيل على ضرورة إبقاء شبكة الجنوب من دون إضافة أنظمة حماية إليها، لكي «تبقى لدينا القدرة على التنصّت».
ردّ طارق بالقول إن حزب الله لا يستخدم الشبكة الخلوية ولا الشبكة الثابتة، وأن لديه شبكته الخاصة، فردّ ليونيل بالقول: لدينا جنود منتشرون في الجنوب، ونريد حمايتهم.
استمر الوضع على ما هو عليه، ولم تتأثر وتيرة العمل بين طارق ومشغّليه بعمليات توقيف العملاء التي بدأ الكشف عنها قبل نهاية عام 2008. فقد استمر طارق بالسفر، وبتزويد مشغّليه كل المعلومات المتوافرة لديه. كان كل ما يعرفه عن شبكة الخلوي في لبنان يُنقل إليهم. في أيار 2009 طلبوا منه تركيب محطة في مار تقلا، ولمّا فشل في تركيب «العمود الفقري» في المكان الذي حدّدوه، أصرّوا على معرفة الأسباب. ولم يصدّقوا كل ما قاله. وفي لقاءات لاحقة، أخضعوه لأكثر من اختبار لكشف الكذب، ثم أبلغوه أنه لم ينجح في أي منها. لكنّ فشله لم يغيّر من واقع الحال شيئاً. استمرت العلاقة على المنوال ذاته، حتى نيسان 2010. اتصل ليونيل بطارق طالباً اللقاء به، فأخبره طارق أنه سيسافر إلى مدينة فرانكفورت الألمانية. حجز في فندق هناك، وأخبر ليونيل بالعنوان. أحضر الأخير معه مهندساً جديداً. طلب المهندس من طارق البحث عن عمود إرسال يمكن وصله بموقع ضهر البيدر ـــــ بيروت، بهدف استعماله للتنصّت على المكالمات في البقاع. «وإذا نفذتَ هذا المشروع، فستحصل على مئة ألف دولار». ردّ طارق بأن الأمر صعب، لكنه سيبذل ما في وسعه لتنفيذه. في اليوم التالي، التقى ليونيل وحيداً. أخبره الأخير بأنه سيتقاعد، وبأن شخصاً آخر سيتواصل معه عبر الإنترنت. أعطاه 20 ألف دولار، وودّعه للمرة الأخيرة، على أمل أن يستمر بالتواصل مع خلفه.
عاد إلى بيروت، فأوقفت استخبارات الجيش زميله شربل قزي بشبهة التعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية. تملّكه الرعب، فأتلف الأجهزة المسلّمة إليه من ليونيل. وبعد 18 يوماً، أوقف طارق الربعة. قبل ذلك، يقول طارق في محضر التحقيق معه إنه شك في أن مشغليه ليسوا من حلف شمالي الأطلسي، بل من الموساد الإسرائيلي. بحث عن أسمائهم على الإنترنت، فلم يجد أيّاً منهم. لكن هذه الشكوك لم تدفعه إلى قطع علاقته. يوم 12 تموز 2010، انقطعت إلى غير رجعة.


يوم شكّ طارق الربعة بشربل قزّي


شربل قزي وطارق الربعة

حتّى اليوم، لم يصدّق بعض أصدقاء طارق الربعة أن صديقهم عميل. الشاب ذكيّ جداً، و«جبان» لا يقدم على المغامرات. أضف إلى ذلك، يقول أحد عارفيه، لم يكن طارق يعاني ضائقة مالية تدفعه إلى التعامل مع جهاز استخبارات، «فأهله ميسورون، وراتبه لا بأس به. وحين كنا نحن نأتي إلى مركز العمل بالسرفيس، كان لدى طارق سائق يهتمّ بتنقلاته»، يقول صديق له بشيء من المبالغة.
يضيف أحد زملائه: «كان طارق طموحاً، والمستقبل الواعد ينتظره». لكن ثمة جانباً من شخصية طارق الربعة كشفته محاضر التحقيق، وكان مجهولاً من عارفيه، هو طلبه الدائم للمال. طلب من مشغّليه زيادة المبالغ التي يدفعونها له. ولم يتوقف يوماً عند عواقب ما يفعله، وبقي على تواصل معهم رغم اتهامهم الدائم له بالكذب.
خلاصة القول أن طارق الربعة لم يكن لديه أي سبب يدفعه للعمل جاسوساً، ورغم ذلك، فإنه تجنّد للعمل مع الإسرائيليين، سواء كان يعرف هويتهم أو يجهلها.
لم يكن طارق غبياً، وهو على سبيل المثال كان يشك في تعامل زميله، شربل قزي، مع جهاز الاستخبارات ذاته الذي يتجسس هو لحسابه. ففي اللقاء الذي جمعه بـ«ليونيل مارتينيز» في سويسرا في أيلول 2009، كان ليونيل والمهندس الذي يرافقه يؤكدان لشربل ضرورة منع تبديل أجهزة ألكاتيل المنشورة في شبكة الخلوي في الجنوب. فسأل طارق ليونيل: هل يعمل شربل قزي معكم؟ رد ليونيل بسؤال: لماذا تسأل؟ قال طارق الربعة: لأن شربل يصرّ على عدم تبديل أجهزة ألكاتيل أيضاً. بالتأكيد، لم يكشف ليونيل لطارق أن زميله في شركة ألفا هو زميله في التجسس أيضاً.
أضف إلى ذلك أن طارق هو أحد قلّة من الموقوفين الذين يتنبهون إلى أن الاتصالات الهاتفية هي طريق غير آمن للتواصل، ويطلب من مشغّليه حصر التواصل معه بالإنترنت.
منذ توقيفه، لم تتمكن وزارة الاتصالات ولا شركة ألفا من حصر الأضرار التي ألحقها بشبكة الخلوي، وإن كان بعض الأمور في المقدور تغييره، (كتفكيك محطة الإرسال التي وضعها شربل في منطقة الحازمية ـــــ مدرسة «الكرمليت»)، إلا أن تصويب بعض ما فعله لمصلحة الإسرائيليين لا يزال بعيد المنال. ففي الجنوب وبيروت الكبرى، ثمة حاجة إلى مسح المئات من الأجهزة التي كان الإسرائيليون يصرّون على عدم استبدالها. كذلك، فإن بعض «الأعمدة الفقرية» لشبكة الجنوب يحتاج إلى إعادة درس، وخصوصاً لناحية الموقع الجغرافي الذي اختير بطريقة تسهّل للإسرائيليين التنصّت، أو بناءً على طلبهم.


عميل «دلّوع» هو الأكثر تلقّياً للمال

ثمّة الكثير ممّا يميّز طارق الربعة عن غيره من العملاء. ليس الوحيد الذي تجنّده الاستخبارات الإسرائيلية، منتحلةّ صفة جهاز أمني آخر أو شركة تجارية. لكنه، حتى اليوم، من أكثر العملاء تلقّياً للمال، وخصوصاً إذا أُخذت في الحسبان الفترة الزمنية التي عمل فيها معهم حتى توقيفه. فقد فاق ما أقرّ بأنّه تلقّاه من مشغّليه الـ250 ألف دولار أميركي، وهو مبلغ كبير قياساً بما كان يحصل عليه «زملاؤه» الذين أوقفوا حتى اليوم.
ومن ميزات طارق الأخرى، أنه كان «مدلّعاً» من الإسرائيليين. فهو من القلّة الذين لم تتناقص الأموال التي يحصلون عليها يوماً بعد آخر، وكان مشغّلوه مهتمين جداً بالحفاظ على صلتهم به، وعلى وتيرة مرتفعة للّقاءات التي كانت تُعقد معه تقريباً كل شهرين. في بعض الأحيان، كان طارق يسافر للسياحة (في هونغ كونغ وتايلاند وألمانيا...). وما إن يبلَّغ مشغّله بذلك، حتى يلاقيه الأخير في الدولة التي يزورها.
أضف إلى ذلك أن طارق الربعة هو من القلّة النادرة التي كانت ترسب في اختبار كشف الكذب، وحافظت الاستخبارات الإسرائيلية على صلتها به رغم ذلك. فطارق الربعة خضع لأربعة اختبارات: في النمسا عام 2004، وفي هولندا عام 2005، وفي تشيكيا عامي 2009 و2010. وفي إحدى المرات، أعيد اختباره ثلاث مرات، من دون أن يتمكّن من النجاح في إحداها.
وثمّة رأيان لتفسير ذلك. الأول، أن يكون طارق قد فشل فعلاً، وأجرت الاستخبارات الإسرائيلية اختبارات عملية له، فأيقنت أن فشله عائد إلى مشكلات عصبية تمنع التثبت من صحة اختبار كشف الكذب (يحدث ذلك في حالات كثيرة)، وبالتالي، قررت الإبقاء على صلتها به لحاجتها إليه. الرأي الثاني، وهو الأضعف، مفاده أن طارق لم يكن يفشل في اختبار كشف الكذب، بل كان ينجح، وكان مشغّلوه يريدون إبقاءه عرضة لضغط يسمح لهم بالإمساك به دائماً.
وحتى اليوم، أظهرت التحقيقات التي أجريت مع موقوفين بجرم التجسس لحساب الإسرائيليين أنهم يخضعون دورياً لاختبارات كشف الكذب، للتحقق بالدرجة الأولى من كونهم ليسوا عملاء مزدوجين، أي أنهم لا يعملون في الوقت عينه لحساب جهاز أمني معاد لإسرائيل. ومعظم العملاء الذين أوقفوا وتحدّثوا عن اختبار كشف الكذب، قالوا إن مشغّليهم وجّهوا لهم أسئلة عما إذا كانوا قد أخبروا أحداً بعلاقتهم الأمنية، وعما إذا كانوا يعملون لحساب جهاز أمن المقاومة، أو استخبارات الجيش اللبناني، أو الاستخبارات السورية (خصوصاً قبل الانسحاب السوري من لبنان). واللافت في محضر التحقيق مع طارق الربعة، هو ما ذكره عن الاختبار الأخير الذي خضع له، إذ أضافت الاستخبارات الإسرائيلية سؤالاً جديداً إلى قائمة أسئلتها: هل تتعامل مع فرع المعلومات؟


مآثر وحكايات من لبنان إلى تايلاند

لم يكن طارق الربعة متحفظاً خلال التحقيق معه. من الجلسة الأولى (يوم 12/7/2010) أفاد المحققين اللبنانيين بملخّص عن علاقته بمشغّليه. إلا أنه كان يدلي بإفادته بـ«التقسيط». في المرحلة الأولى، لم يعترف بأنه استخدم هاتفاً أمنياً للتواصل معهم، لكنه، قبل نهاية الجلسة، «عاد وتذكّر» أن ليونيل زوده برقم هاتف ألماني أو بلجيكي، وبجهاز نوكيا للتواصل معه حصراً على خطه الفرنسي. وقال الربعة إن رقم الهاتف بقي معه لنحو عام، قبل أن يعيده إلى ليونيل.
وفي مرحلة لاحقة من التحقيق معه، قال طارق إن ليونيل أعطاه كومبيوتر محمولاً خلال عام 2005، مجهزاً بنظام تشفير خاص. فهو يعمل وفق أي جهاز آخر، إلا أن استخدام شريحة USB خاصة (حصل عليها من ليونيل أيضاً وتلقّى تدريباً على تشغليها) ووضع كلمة السر المطلوبة يفتح برنامجاً خاصاً (يطغى اللون الأحمر على رسومه) يمكّنه من إرسال المعلومات التي يطلبها مشغّلوه وتلقّي طلباتهم. وكانت الرسائل التي يبعث بها أو يتلقّاها تخضع للتشفير، إذ إنها تتحول إلى صورة عادية (صورة لهاتف أو لمنظر طبيعي...). وبعد التشفير، يرسل الربعة المعلومات مستخدماً بريداً إلكترونياً يملك طارق ومشغّله مفتاح المرور إليه.
ويقول الربعة إن الكومبيوتر «الأمني» المحمول تعطل بداية عام 2010، فأخذه معه إلى ألمانيا حيث ردّه لليونيل الذي أعطاه بديلاً عنه. ويقول طارق إن الكومبيوتر الأخير بقي معه هو والـUSB لغاية توقيف شربل قزي (حزيران 2010)، حين حطّمهما ورمى أجزاءهما في المرحاض وفي القمامة. وصرح الربعة بأن مشغّليه «أهدوا له» كاميرا تحوي حافظة معلومات كبيرة، كان يضع عليها الدراسات والخرائط التي يطلبونها منه.

■ ■ ■

- عندما طلب منه مشغّلوه تثبيت عمود إرسال في منطقة مار تقلا بالحازمية، قالوا له أن يقترح على إدارة الشركة بناء موقع خاص بها، إلا أن الإدارة رفضت عرض طارق، فكلفه مشغّلوه البحث عن بناء لتركيز العمود على سطحه، محددين له دائرة تضم أربعين مبنى. وقد سعى طارق مع مالكي هذه المباني، فرفضوا جميعاً وضع عمود إرسال فوق أسطح منازلهم. وفي إحدى مراحل التحقيق، قال طارق إن الإسرائيليين كانوا يريدون ربط محطة الحازمية ببيروت وضهر البيدر والباروك!

■ ■ ■

- عام 2008، قابل طارق الربعة مشغّله ليونيل ومهندساً في فرنسا، وأخبرهما أن «الشركة بصدد تغيير كل الأجهزة القديمة والانتقال من نظام SDH إلى نظام pacnet، وأن مديره طلب منه إجراء مناقصة لهذا المشروع»، فطلب ليونيل من الربعة أن يبذل جهده لعدم إجراء هذه المناقصة.

■ ■ ■

- ذكر طارق الربعة في إفادته التي أدلى بها لدى مديرية استخبارات الجيش أن قسم البث في شركة ألفا نظّم محاضرة بعد حرب تموز 2006 لتقويم حجم الأضرار التي لحقت بالشبكة التي تشغّلها الشركة في الجنوب. وكان المحاضر، زياد معلوف، يعرض صوراً لأعمدة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة موجّهة إلى لبنان. وكان المدير التقني السابق في الشركة، فيليكس واس، حاضراً مع طارق، فسأله عن ماهية هذه الأعمدة، فردّ طارق بالقول إنها للتنصّت.

■ ■ ■

- استخدم طارق الربعة في إفادته تعبير «جنّ جنونه» لوصف رد فعل مشغّله عندما سمع بأن شركة «هواوي» الصينية قد تفوز في مناقصة لتركيب أجهزة في الجنوب. يضيف الربعة أن مشغّله طلب السعي لإرساء المناقصة على شركة «ألكاتيل» الفرنسية.

■ ■ ■

- كان مشغّلو طارق الربعة يركّزون في بعض اللقاءات أسئلتهم حول جديد نظام الفوترة في شركة ألفا، إضافة إلى التشديد على الـOSS، أي نظام التشغيل الذي يربط غرفة التحكّم العائدة للشركة بالسنترالات. وشرح الربعة للمحققين أن الـOSS يسمح بمراقبة كل محطّات البث الخلوي على الأراضي اللبنانية، ويظهر الترددات والأعطال فوراً، إضافة إلى السماح بالتحكم بمسارات خطوط التوصيل بين السنترالات، ويتيح لمن يتحكمون به التحكم بالخدمات المتوفرة للزبائن، مثل توقيف الخط أو تشغيله. ويمكن من خلاله، حسب إفادة الربعة، تحديد مكان المتصل. وقال إن مراكز تشغيل الـOSS قائمة داخل مبنى شركة ألفا وفي مبنى ليباتيل ـــــ قسم الصيانة.

■ ■ ■

- ذكر طارق الربعة لمشغّليه خلال عام 2008 أن شركة ألفا بصدد تطوير أنظمة تشغيل الشبكة من خلال الاعتماد على نظام IP/MPLS. فسأله المهندس المرافق لمشغّله عن تفاصيل هذا الأمر المرتبط بالدرجة الأولى بتقنيات التعريف في الشبكة.

■ ■ ■

- أواخر عام 2006، وأثناء وجود طارق الربعة في تايلاند للقاء مشغّله ليونيل، وقع انفجار في مكان قريب من الفندق الذي كان ينزل فيه، فطلب منه ليونيل ملازمة الفندق، وحجز غرفة في فندق بمنطقة بعيدة عن العاصمة التايلاندية. ثم انتقل الرجلان إلى هذه المنطقة، حيث عقدا جلساتهما المعتادة.

■ ■ ■

- كثر حديث طارق الربعة خلال التحقيق معه عن لقاءات لم يكلفه خلالها مشغّلوه بأي مهمة، باستثناء الاستماع منه عن كل المعلومات التي في حوزته عن الشركة وشبكة الخلوي وأي تطوير يجري عليها. وذكر طارق أكثر من مرة أنه كان يتنزّه مع مشغّله الذي أهدى له في أحد اللقاءات ساعة يد ماركة TISSOT.