العدد ٧١٧ الجمعة ٩ كانون الثاني ٢٠٠٩

سليمان في طهران: احتشام المواقف بلا حماسة وصفحة جديدة في العلاقات

نقولا ناصيف
تتبّع دبلوماسيون أوروبيون نتائج زيارة الرئيس ميشال سليمان لإيران، وأبرزوا انطباعات أولى حيال الطريقة التي قارب بها الرئيس اللبناني فتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية ـــــ الإيرانية، كالآتي:
1 ـــــ أن سليمان لم يبالغ في تحديد نظرته إلى علاقات البلدين، وحافظ على مسافة من التحفّظ على نحو لم يجعله يطلق، كالرئيس ميشال عون عندما زار طهران أخيراً، مواقف أكثر حماسة. بدت مواقف سليمان، بحسب هؤلاء الدبلوماسيين، أقرب إلى «الاحتشام»، آخذاً في الاعتبار أنه يمثّل الدولة اللبنانية في محاولة جديدة لفتح حوار هو الأول بين رئيس للجمهورية والجمهورية الإسلامية، يقف في الوقت نفسه على مسافة متساوية من الموالاة والمعارضة، ويتمتع بأوسع هامش لإدارة السياسة الخارجية بسبب استمرار التوافق على دوره. الأمر الذي لم تخبره الجمهورية الإسلامية مع علاقتها بالرئيس السابق إميل لحود في السنوات التسع من عهده، إذ عدّته، بسبب تحالفه مع سوريا ودعمه غير المشروط للمقاومة، حليفاً لها هي أيضاً.
بذلك رمت الزيارة، وهي تختبر أسلوباً جديداً في التعامل، إلى تجاوز المشكلات التي طبعت العلاقات اللبنانية ـــــ الإيرانية في السنوات الثلاث المنصرمة، وخصوصاً بعد انتهاء ولاية لحود وشغور الرئاسة اللبنانية وانقطاع الحوار الرسمي بين البلدين على مستوى رفيع كهذا.
2 ـــــ تكرّس الزيارة موقع إيران في المعادلة السياسية اللبنانية، وإن رمى الرئيس ـــــ وهو يطلب الحوار من دولة إلى دولة ـــــ إلى إخراج لبنان من التجاذب الإقليمي والنزاعات الثنائية بين الدول المجاورة لهذا البلد وتتخذ من أرضه ساحة لصراعاتها. كان واضحاً تشديد الرئيس اللبناني، يقول الدبلوماسيون أنفسهم، على أن الوضع اللبناني في الوقت الحاضر تخطّى الانقسامات السياسية السابقة، وكانت إيران قد دخلت على خطها على أثر استقالة الوزراء الشيعة الخمسة عام 2006 عندما قاطع سفيرها في بيروت محمد رضا شيباني حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لأشهر، واتخذ موقف الانحياز إلى المعارضة عندما عدّها حكومة غير شرعية، ولم تتردّد طهران بعد ذلك في تبرير ما حدث في 7 أيار.
إلا أن زيارة الرئيس اللبناني تمثّل كذلك اعترافاً بالدور الإيجابي لطهران في الأشهر الأخيرة. وعكست الزيارة إلى حدّ بعيد تسليماً بأن الجمهورية الإسلامية ساهمت في إنجاح اتفاق الدوحة وتطبيق قراراته وإطفاء الصدام السنّي ـــــ الشيعي وإطلاق المصالحات بين أفرقاء هذا الصدام.
3 ـــــ على غرار زيارة سليمان لدمشق التي شقّت الطريق أمام وزراء للتوجّه إليها واستعادة تعاون البلدين، تعكس زيارة طهران منحى مماثلاً، وخصوصاً أن الطابع الذي رافقها تخطّى بعده الدبلوماسي إلى آخر عسكري عندما عبّرت الجمهورية الإسلامية ـــــ من غير أن تتزحزح قيد أنملة عن تمسّكها بالمقاومة ـــــ عن استعدادها لتسليح الجيش اللبناني. وهو عامل إضافي من شأنه توجيه الانتباه إلى رغبة طهران في تعزيز نفوذها السياسي في لبنان، بحيث يتجاوز التحالف مع حزب الله وتيارات سياسية وإسلامية أخرى إلى الدولة اللبنانية نفسها. وهي بذلك تقتدي بتجربة دمشق في عقود الحقبة السورية في لبنان وبعد انسحابها، ثم التقاطها الأنفاس مجدّداً في لبنان في الأشهر الستة الأخيرة، وهي مزاوجة إيران علاقتها بحزب الله وحلفائه بعلاقتها بالدولة اللبنانية، من غير أن تقصر هذه العلاقة على مرجعية السلطة اللبنانية دون سواها.
4 ـــــ كما يلاحظ الدبلوماسيون الأوروبيون، لم يتردّد المسؤولون الإيرانيون، وأخصّهم الرئيس محمود أحمدي نجاد، في تأكيد البعد العقائدي للجمهورية الإسلامية، فأطلقوا أمام الرئيس اللبناني المواقف نفسها التي يطلقونها أمام حلفائهم اللبنانيين، وكذلك من على منابر المجتمع الدولي، وهو أن الصراع الإيراني ـــــ الإسرائيلي مستمر إلى حين إلغاء دولة إسرائيل. وسواء اتسم هذا الموقف بالبعد الديني الذي يوجّهه، أو افتقر إلى الواقعية التي تجعله قابلاً للتحقيق، فإن وجهة نظر لبنان، كما عبّر عنها رئيسه، لم تذهب إلى مثل هذا الحدّ من المغالاة في النظرة إلى الصراع الإقليمي. وخلافاً للجمهورية الإسلامية، يظلّ لبنان جزءاً من المجتمع الدولي ويمتثل لقرارات الأمم المتحدة التي باتت، وخصوصاً بعد القرار 1701، المظلة الفعلية لحماية سيادة لبنان واستقلاله، وفي ذلك مغزى كلام سليمان في أن للبنان حقه في استخدام الوسائل المشروعة والمتاحة لاستعادة أراضيه.
5 ـــــ أن الرئيس اللبناني قدّم سبباً إضافياً لتبرير إمساكه بملف السياسة الخارجية، بالتزامن مع إدارته وحيداً ملف العلاقات اللبنانية ـــــ السورية وإشرافه المباشر على الملفين الأمني والعسكري. ومن غير أن يفضي ذلك إلى تجاهل موقع رئيس الحكومة الذي يتمتع بدوره بهامش تحرّك دبلوماسي مستقل، ومن غير أن يكون الأخير قد رافق رئيس الجمهورية حتى الآن في أيّ من جولاته العربية والدولية، بدا واضحاً أن سليمان يضع الخطوط العريضة للدبلوماسية اللبنانية، ويتوجّه مباشرة إلى رؤساء الدول وملوكها لتحديد ثوابت الموقف اللبناني، ويعيد التفاوض إلى رئيس الجمهورية، واضعاً بذلك حداً لأي سجال داخلي بين الموالاة والمعارضة على السياسة الخارجية للبنان، بعدما انتزع منهما أيضاً الملفين الأكثر مدعاة للانقسام والتجاذب، وهما العلاقات مع سوريا وإدارة الأمن.


عدد الخميس ٢٧ تشرين ثاني ٢٠٠٨