نقولا ناصيف
تتأكد يوماً بعد آخر المغازي المضمرة التي انطوت عليها تسوية الدوحة وأفضت إلى قلب التوازنات السياسية رأساً على عقب، ودفع الوضع الداخلي إلى تطورات غير محسوبة بالنسبة إلى قوى 14 آذار. أو في أبسط الأحوال لم تقدّر تماماً الثمن الفعلي لتلك التسوية في مقابل تراجع حزب الله عن استخدام سلاحه في الداخل، وهو تسارع التنازلات الموجعة، قطعة بعد أخرى. لم تقتصر التنازلات على تأليف حكومة وحدة وطنية فقدت فيها الغالبية قوة الترجيح، ولا على إقرار قانون انتخاب يفكّك ربط دوائر الحلفاء بعضها ببعض، ولا التخلي عن تجريد حزب الله من سلاحه والالتهاء بالاستراتيجيا الدفاعية، وإنما أيضاً في الملف الأكثر إحراجاً للموالاة، وهو العلاقات اللبنانية ـــ السورية. وبعدما كان مركز ثقل في السياسة الخارجية لقوى 14 آذار في الحكومة السابقة ومصدر قوتها لمناوأة النظام السوري، أضحى نقطة ضعفها، وهي بالكاد تقوى على إبطاء تسارع التطبيع. في هذا النطاق تقع زيارة العماد جان قهوجي لدمشق وسلسلة المآخذ التي تلتها. واقع الأمر أن اجتماع قائد الجيش بالرئيس بشار الأسد وكبار ضباط القيادة العسكرية السورية أبرَزَ معطيات سترخي بثقلها داخلياً، كما على الموالاة على أبواب انتخابات ربيع 2009، وتعزّز في الوقت نفسه مراحل التطبيع بدل تجميدها:
1 ـ إخراج المؤسسة العسكرية من التجاذب الحاد بين قوى 14 آذار والمعارضة على نحو ما راحت تعكسه نزاعاتهما في النقابات والجمعيات والجامعات بغية تكريس الانقسام بين فريقين لا يمكن أحدهما التعايش مع الآخر، الأمر الذي لم يسرِ على المؤسسة العسكرية، كما لم يسرِ من قبل على السياستين الخارجية والأمنية اللتين رسم رئيس الجمهورية ميشال سليمان إطارهما وأيّده فيهما مجلس الوزراء. وهو ضرورة النأي بمثلث السياسات الخارجية والأمنية والعسكرية عن صراع الموالين والمعارضين، ووضع ملفاته في يد الرئيس مباشرة، ومقاربة السياسات الثلاث تلك على أنها تقع في صلب المصلحة العليا للدولة التي يمثّلها سليمان في الداخل ومع الخارج، لا جزءاً من النزاع المحلي.
وهكذا لا يسع أيّاً من الطرفين التصرّف مع الجيش، كما مع السياستين الخارجية والأمنية، على أنه في صلب أحد مشروعي الموالاة والمعارضة، الأمر الذي سيؤكده مجدّداً موقف الجيش من انتخابات 2009 إذ يقف على مسافة متساوية منهما، في الوقت الذي يتخذ فيه ـــ بالتعاون مع سوريا ـــ موقع المواجهة والصدام مع الإرهاب. وقد تكون هذه أولى عِبر زيارة دمشق.
2 ـ مع تصاعد نبرة ردود الفعل على نتائج زيارة قهوجي لدمشق والمطالبة بإخضاعها لقرار مجلس الوزراء قبل حصولها ومن ثمّ بعده، تقع المسؤولية الحصرية عن هذا الاختصاص على وزير الدفاع الوطني إلياس المرّ الذي يستعد بدوره لزيارة دمشق انسجاماً مع نصائح رئيس الجمهورية، واستكمالاً للتنسيق العسكري. والواضح أن ما واجهه وزير الداخلية زياد بارود غداة زيارته دمشق حيال ردود فعل الموالين، سيخبره المرّ بدوره في مجلس الوزراء قبل أن يكسب الجولة أيضاً من خلال تمسّك الرئيس بخطة الانفتاح على سوريا وفق معايير توافق والأسد عليها لإعادة تصويب العلاقات، ولم يعترض مجلس الوزراء عليها لاحقاً. ذلك أن نتائج زيارتي قهوجي وبارود أكدت التزام سقف قمة دمشق في آب الماضي عندما أقرّت التعاون لمكافحة الإرهاب ومراقبة الحدود. بذلك بدت قوى 14 آذار من فوق، في مجلس الوزراء، غيرها من تحت، في الأمانة العامة. الأولى تدعم خيارات الرئيس، والثانية تتوخى المناورة وحماسة الناخبين.
3 ـ خلافاً لزيارة بارود التي طبعتها محادثات أمنية تحت عباءة محادثات سياسية بامتياز، اقتصرت زيارة قائد الجيش على مناقشة جدول أعمال عسكري محوره الاطلاع عن كثب على الوضع الميداني بعد نشر سوريا جيشها على الجانب الآخر من الحدود وسبل مراقبتها. في لقاء التعارف مع الأسد لم تناقش مواضيع سياسية، ولا خاضت القيادة السورية في الموضوع مع قائد الجيش، في وقت أكدت فيه تعزيز تعاونها مع المؤسسة العسكرية اللبنانية. كذلك في اللقاءين مع وزير الدفاع السوري العماد حسن تركماني ورئيس الأركان العامة العماد علي حبيب لم يستطرد المتحاورون إلى أحاديث سياسية، ولم يثيروا القرار 1701. وللسبب نفسه لم يسمع قهوجي ما كان سمعه بارود من نظيره من إشادة بالرئيس اللبناني ترجمة للمقاربة السياسية لحوارهما، بل تركّز الحوار مع قهوجي على سبل تعاون الجيشين انطلاقاً من توافقهما على تعريف واحد للإرهاب، وهو «التيارات التكفيرية».
في المقابل، كان مغزى إستقبال الأسد قهوجي أن دمشق تنظر إلى الجيش كصديق وحليف. وهو ما انطوى عليه أيضاً من قبل استقبال سليمان والوزراء اللبنانيين لحصر الخلاف بالموالاة.
4 ـ على وفرة المآخذ التي قيلت في البيانات الرسمية اللبنانية والسورية على أثر زيارة دمشق، واعتمادها خصوصاً تراكيب وصيغاً استعادت كل ما كان يرد على لسان الجيشين إبان حقبة الوصاية عن التعاون ومواجهة العدو والعقيدة القتالية، لا تختلف الطريقة التي يتبعها قهوجي في قيادة الجيش عن قيادة سلفه الرئيس الحالي للجمهورية الذي كان قد ذهب ـــ في ظروف داخلية أكثر عداءً لسوريا قبل أكثر من سنة، إلى أبعد من خلفه عندما برأ سليمان الاستخبارات السورية من علاقتها بتنظيم فتح الإسلام، وعندما أشاد بتزويدها الجيش اللبناني ذخائر وإصلاح عتاد كان قد تزوّده من سوريا من أسلحة أوروبية شرقية تضرّرت في أحداث نهر البارد.