جان عزيز
مشهدان سياسيان يتقاطعان لقراءة التطورات اللبنانية المقبلة، على وقع ما ترتسم ملامحه في المنطقة، وفي العواصم الدولية المعنية بها.
المشهد الأول، ينقله بعض زوار عين التينة. يروي هؤلاء أنّ رئيس المجلس النيابي نبيه بري غالباً ما يرسم علامة تعجّب كبيرة بيديه إزاء الخطاب السياسي المستنفر والمتوتر، السائد في البلاد. ويرفق بري تعجّبه بسؤال استيضاحي بالغ الدلالة: هل ثمة من يعتقد أنه ذاهب إلى اكتساح الانتخابات النيابية المقبلة؟ هل هناك من يتوهم أنه قادر على الفوز بثلثي المقاعد النيابية للمجلس المقبل بعد بضعة أشهر؟
ليتابع زوار عين التينة نقلاً عن سيدها، كلنا ندرك أن الموازين متقاربة، وبالتالي، أياً كان الفائز، فهو لا قدرة لديه على حكم البلاد بمفرده أو وحده، مهما كانت الرغبة والنية والخلفيات. لذلك، نحن ذاهبون إلى ما يشبه الوضع الراهن، لا بل إلى استمراره واستدامته فترة زمنية غير قصيرة. ولكن يصبح السؤال مشروعاً: لماذا كل هذا الصراخ؟
المشهد الثاني، مسرحه بعض السفارات الغربية المهتمة بالوضع اللبناني، وخصوصاً الأميركية والفرنسية. فالأخيرتان كانتا في الأسبوعين الماضيين مربط خيل العديد من الشخصيات المعارضة التي التقت على موائدهما، لمناسبة زيارات عدة قام بها مسؤولون من الدولتين، آتون من واشنطن أو من باريس.
والملاحظة الأولى على هذا المشهد هي عودة الحرص اللافت، في عوكر وفي قصر الصنوبر، على استضافة معارضين إلى موائدهما. والملاحظة الثانية، تأكّد ضيوفهما من أن هذه الضيافة المستعادة والمتجددة ليست غير تنفيذ لرغبة المسؤولين الأميركيين والفرنسيين من زوار بيروت أخيراً في لقاء وجوه معارضة، والاستماع، حتى الإنصات إلى وجهات نظرها. أما الملاحظة الثالثة التي يبديها ضيوف تلك الموائد، فهي حركات الرؤوس المومئة إيجاباً من وجوه مضيفيهم، إزاء القسم الأكبر من كلامهم.
ماذا تعني تلك الملاحظات؟ يقول زوار عوكر وقصر الصنوبر إن المكانين باتا يسلّمان أولاً بأن ثمة توازناً داخلياً في البلاد لا يمكن كسره بأي خطوة أو تحرك أو موقف أو تدخّل من الخارج،
وأنّ هذا التوازن مرشح للاستمرار، لا بل للاستقرار، في الاستحقاقات المقبلة، والنيابية منها خصوصاً، وفي ما سيليها من الأيام، حتى لو تبدّلت أرقام الأكثرية والأقلية، فالتوازن قائم، والاستقرار الناتج منه مستمر.
لا بل أكثر من ذلك، بات الأميركيون والفرنسيون يدركون أنّ أيّ محاولة للقفز فوق هذا التوازن ستؤدي إلى الصدام المباشر، حتى إن بعضهم بات يقرُّ ضمناً أو تلميحاً، بأن أحداث 7 أيار الماضي، إنما كانت نتيجة لمحاولة كهذه لا غير. والأهم أن الزوار الآتين من واشنطن وباريس باتوا يعرفون أنّ ثمة أجندة لبنانية داخلية للصراع، لا مجرد حرب سورية ـــــ سعودية على أرض بيروت، أو حلبة ملاكمة أميركية ـــــ إيرانية، لا حبال لبنانية فيها. وهؤلاء اكتشفوا، ولو متأخرين، أن سلاح حزب الله مجرد بند واحد من هذه الأجندة المحلية، أو حتى «البلدية»، وإلى جانبه هناك بنود كثيرة، منها الشراكة في إدارة البلاد، ومستقبل الجماعات اللبنانية وحاضرها، وكيفية تكيّف النظام المن عمر الثمانينات وسياقاتها وظروفها، مع عهد الألفية الثالثة ومتغيّراتها. حتى إن مقاربة سلاح حزب الله ليست غير دلالة على هذه البنود الداخلية، لا مجرّد «لعبة» إقليمية دولية.
كيف لهذه الخلاصات الجديدة أن تتبلور وتتطور؟ يجيب «الحاضرون» على هذا المشهد الثاني بأنّ ثمة اقتناعاً لدى زوار بيروت من الغربيين بأن «التوازن الاعتدالي» الذي فرض في بيروت، ستلاقيه توازنات مماثلة في كل المنطقة. ففي طهران ثمة انتخابات آتية، قد تفتح الباب لاعتدال أميركي إيراني. وفي تل أبيب انتخابات مماثلة مقبلة، قد تولّد توازناً داخلياً، لا بد أن يلاقي «الاعتدال» السوري، بوساطته التركية. تبقى الرياض التي لا بد أن تلتحق، ولو على مضض، على وقع كل ما يحصل في واشنطن ووول ستريت وبغداد، وصولاً إلى مومباي ووزيرستان.
«التوازن الاعتدالي» آتٍ، وسؤال نبيه بري في مكانه: لماذا كل هذا الصراخ؟