جولة في الكواليس: كيف تُصنع المهرجانات اللبنانــية؟
دايفيد فرايهل يختلف وضع مهرجانات الصيف في لبنان هذه السنة؟ وماذا عن ميزانيتها ودور الدولة في تقديم الدعم المالي؟ وأخيراً، ما هو الموقع الذي تحتلّه هذه التظاهرات ـــ ثقافياً ـــ في المشهد العربي؟
ليال حداد
في عام 2006، جاء عدوان تموز. وفي عام 2007 كانت معارك مخيّم نهر البارد. ثمّ جاء 2008 ولم يكن على مستوى التوقّعات... فهل يختلف وضع مهرجانات الصيف في لبنان هذه السنة؟ لعلّ الجواب عن هذا السؤال ينتظر الأيام المقبلة. لكنّ الأكيد أنّ كل اللجان تراهن على المهرجانات لتعويض خساراتها المتتالية في السنوات الأخيرة.
وإذا كانت عملية التحضير تختلف من مهرجان إلى آخر، فإنّ القاسم المشترك الوحيد بينها هو أنّ عملها لا يهدأ طوال السنة. «ما إن ينتهي المهرجان، حتى نبدأ التحضير للعام المقبل» تقول أسمى فريحة من لجنة «مهرجانات بعلبك الدولية». الوضع مشابه في«بيت الدين» و«بيبلوس» و«صور». يشرح المنتج ناجي باز من «مهرجانات بيبلوس» أنّه يعيش في حالة بحث مستمرّ، وتواصل مع الفنانين في العالم، طوال أيام السنة، «ومن لا يستطع الحضور هذا العام فقد نتفاوض معه في العام المقبل أو الذي يليه».
عملية التفاوض هذه تبدأ بعد رأس السنة في «بيت الدين»، كما تؤكّد عضو لجنة المهرجان وفا صعب. غير أنّ عملية البحث عن فنانين وتحضير كل تفاصيل المهرجان لا تمرّ من دون مشاكل، أبرزها مالية طبعاً، إضافة إلى بعض العقبات اللوجستية والفنية. عملية البحث عن تمويل تمثّل الخطوة الأصعب في كلّ هذه التظاهرات الفنية والثقافية. وكما هي الحال كلّ عام، تقدّم الدولة ممثّلة بوزارة السياحة مساعدةً تبلغ قيمتها ثلث ميزانية كلّ مهرجان، لكن بعد سنة أو سنتين أو حتى ثلاث سنوات، وهو ما يدفع بلجان المهرجانات إلى الاقتراض من البنوك الخاصة، «وبالتالي ندفع فوائد لهذه المصارف طوال ثلاث سنوات بانتظار الحصول على مساهمة الدولة» تقول وفا صعب. وتشير إلى أنّ القسم الأكبر من ميزانية المهرجان ـــــ الذي تراوح بين مليون و800 ألف دولار وثلاثة ملايين ـــــ يعوّضه بيع البطاقات. هكذا تستعين بأرقام العام الماضي التي تظهر أنّ مساعدة الدولة تمثّل 12في المئة من الميزانية في مقابل 15 في المئة للرعاة وما يقارب 23 في المئة للشركاء و50 في المئة من بيع البطاقات.
هذا التقسيم ليس قابلاً للتعميم على كلّ المهرجانات، حيث تمثّل مساعدة الدولة القسم الأكبر من ميزانية «مهرجان صور» مثلاً، كما توضح رولا عاصي. وقد وجد هذا المهرجان طريقته الخاصة في التمويل. إلى جانب الدولة وبيع البطاقات ومساهمات الرعاة، تصدر كلّ سنة مجلة تحتوي على إعلانات تسهم في دعم ميزانية المهرجان «الكبيرة جداً» بحسب عاصي التي فضّلت عدم الدخول في لعبة الأرقام.
الميزانية ليست ثابتة. يتّفق الجميع على ذلك. إذ إنّ عملية اختيار الفنانين هي التي تحدّد بشكل كبير هذه الميزانية. وإذا كان بعض الفنانين لا يكلّفون المهرجان مبالغ طائلة، فإنّ بعضهم الآخر، يرفض الحضور إلى لبنان إلا إذا دُفع المبلغ كاملاً وقبل حضور الفنان إلى البلاد. مثلاً، في «بيبلوس» يختلف «سعر» كلّ فنان باختلاف شهرته. هكذا كلّف استقدام بعض الفرق والفنانين في المهرجان مبلغاً لم يتخطّ عشرين ألف دولار، فيما كان إحضار فرقة Grease (من 14 إلى 18 تموز/ يوليو) مكلفاً جداً إذ تخطى 700 ألف دولار. ولعلّ هذا الفارق الكبير بين فنان وآخر، ينسحب على كلّ المهرجانات.
لكن ماذا عن دور هذه المهرجانات الثقافي؟ وهل تسعى اللجان المختلفة إلى إطلاق نجوم من على مسارحها، أم أنها تكتفي بتقديم عروض لفنانين وفرق معروفة عالمياً وعربياً ولبنانياً؟ لا تتردّد أسمى فريحة بالاستعانة بأمثلة عدّة لتأكيد أنّ المهرجان عرّف اللبنانيين والعرب على عدد كبير من النجوم الذين كانوا مجهولين بالنسبة إلى هذا الجمهور. وأحد أبرز هذه الأمثلة بحسب فريحة هو دايفيد فراي (11/ 7) الذي سيقدّم عرضاً واحداً هذا العام، «هو مشهور في العالم الغربي لكننا نحن سنقدّمه للجمهور العربي الذي لا يعرفه». تطمح إذاً، كل المهرجانات إلى لعب دور فعّال في الحياة الثقافية وقد نجحت في كثير من الأحيان بذلك. «أندريا بوتشيللي مثلاً، أحضرناه إلى بيت الدين عام 1998 في وقت لم يكن فيه الجمهور اللبنانية قد تعرّف إليه بعد. وهل من أحد يجهله اليوم؟».
من جهته، لا يزال مهرجان صور ـــــ الذي بدأ يدخل حلبة المنافسات مع المهرجانات الثلاثة الرئيسية ـــــ يفضل الاستعانة بفنانين عرب ولبنانيين، وإن خصّص سهرة واحدة للموسيقى الغربية «الأقرباء أولى بالمعروف» تقول رولا عاصي، مشيرة إلى أنّه على كلّ مهرجان أن يتمتّع بخصوصية معيّنة، «ونحن نركّز على الفنّ العربي واللبناني بالدرجة الأولى».
هذا الأسبوع إذاً تفتح كلّ المهرجانات صيفها الطويل، معوِّلةً على المغتربين والعرب والسيّاح، وطبعاً اللبنانيين، لتعويض ما فاتها في السنوات الثلاث السابقة. وحتى الساعة، يبدو بيع البطاقات ممتازاً كما يؤكّد الجميع، لكن يبقى الحذر سيّد الموقف. في بلدٍ مثل لبنان قد تحدث مفاجآت غير متوقعة ــــ وقد بدأت بالفعل مع البلبلة التي أثيرت حول حضور جاد المليح إلى «بيت الدين» بعدما بيعت بطاقات حفلاته الثلاث كلّها ــــ كما قد يمرّ الصيف على ما يرام.





