الانتخابات محت 7 أيّار لكنّ الحكومة تمحو 7 حزيران
ابراهيم الأمين
أقطاب 14 آذار يتمثّلون في السياسة عندنا بدور لاعب كرة المضرب. يعتمدون مبدأ إنهاك الخصم بضربات متلاحقة اعتقاداً منهم بأن المباراة تنتهي لمرة واحدة وأخيرة. ليسوا في مباراة ملاكمة، هم أصلاً لا يملكون من مواصفات اللاعبين فيها سوى «الرأس الجامد». لكن مشكلة فريق 14 آذار أنهم لا يقبلون، ولو لمرة واحدة، الاقتناع بأن السياسة عموماً، وفي لبنان خصوصاً، تحتاج إلى لاعب شطرنج، وفي أحسن الأحوال إلى لاعب بلياردو. ليس المهم الخطوة الأولى، بل الأهم هو تحديد الخطوة المقبلة.
أساساً، يعرف «الأكثريون» أنه لولا الألعاب التي استُخدمت نتيجة قرار خارجي وتنفيذ نصفه خارجي، لما كان في الإمكان الوصول إلى أكثرية نيابية، لا بل إن النتائج التفصيلية التي بدأ المعنيون احتسابها بدقة تشير إلى أن قوى المعارضة لم تتراجع على صعيد قوتها التجييرية، بل هي زادت لدى المسلمين، وحافظت على نفسها عند المسيحيين، وتحديداً عند التيار الوطني الحر وتيار المردة. وإذا كان فريق 14 آذار قد نجح في تعزيز قوته الاستقطابية في فترة الانتخابات، فذلك بفعل مداخلة العالم كله، ومداخلة الكنيسة، ومداخلة مواقع ومؤسسات رسمية لبنانية، إضافةً إلى الإنفاق الذي تورط فيه مصرفيون سيلاحظون مع الوقت الانعكاس السلبي لتورطهم في هذه اللعبة على أعمالهم.
على أي حال، انتهت حفلة السابع من حزيران سريعاً، وخلال أيام قليلة عاد المعنيون إلى التفكير في الأوضاع. ظن البعض، منهم سمير جعجع وسامي الجميل وحتّى مقرّبون من جهابذة قريطم، أنّ بالإمكان إدارة اللعبة اللبنانية بقواعد جديدة: فلننتخب نحن رئيساً للمجلس النيابي، ولنؤلف حكومة دون الحاجة إلى شراكتهم، وسيعترف العالم بسلطتنا ويكون إلى جانبنا، ونحن حاجة لكل العالم، وها هم الإيرانيون يتمثلون بثورة الأرز ويأخذون منها اللون الأخضر... إلى آخر التخريفات المسيطرة.
لكن الأمر لا يستوي على هذا النحو. نبيه بري عاد إلى رئاسة المجلس، وتسلية الأصوات الناقصة لا تقدّم ولا تؤخّر، وهو صاحب صندوق الثعالب، لا ينام على ضيم، لكنه لفت خصومه إلى أنه سيمنحهم فرصة الاعتذار وتصحيح الخطأ في الانتخابات المقبلة، وقد يفعلون. عندها بدأ التمايز. لوليد جنبلاط حسابات خاصة، من داخل اللعبة الضيقة إلى حسابات البيدر الكبير. أما سعد الحريري، فحسناً فعل عندما استمع إلى أصوات تبيّن أنها ليست لبنانية، دعته إلى التمهل في الخطوات، وإلى عدم الذهاب بعيداً في قراءة نتائج الانتخابات. ولم تمرّ أيام قليلة على تكليفه تأليف الحكومة الجديدة، حتى تبدّت الأمور على صورة مواقف من نوع آخر. السعودية نفسها تريد منه أن يتصالح مع سوريا. هي سعت إلى أن يكون الأمر لمصلحته في الشكل والمضمون، لكنها لم تقدر على ذلك. وكيف تقدر وهي التي تطلب معروفاً وتريده من دون مقابل.. ثم منذ متى لم تعد السعودية تدفع المقابل، أم هل علينا أن نسأل سكرتيرة الوزير المفوّه؟
وبمعزل عمّا ستؤول إليه نتائج الاتصالات في لبنان ودمشق والرياض وباريس، فإن حقيقة الأمر تقود إلى خلاصات، أبرزها:
أولاًَ: كانت نتائج الانتخابات النيابية في السابع من حزيران مناسبة فعلية لأن يتمكن فريق 14 آذار من محو الآثار السياسية لأحداث 7 أيار. لكن ثمة من يبالغ حتى في هذا الأمر، ومن المفيد إعادة الأمور على الأرض إلى وضع مختلف عمّا يفكر فيه من يريدون إقامة مربع في عائشة بكار على غرار مربع الطريق الجديدة.
ثانياً: حسناً، خسرت المعارضة على قاعدة أن بعض الأمور تحتاج إلى قراءة على مسافة من المكان ومن الزمان أيضاً، وكان من المفيد للمعارضة أو لقسم أساسي منها، عدم التورط في لعبة إدارة بلاد محكومة بسقوف طائفية مخيفة، وبقواعد إقليمية لا تنفع معها الانتخابات ولا ما يحزنون.
ثالثاً: إن الخطأ في تقدير حجم ما حققته قوى 14 آذار قد يسبب أخطاءً كبيرة. إذ إن الانتخابات حافظت على قوة 14 آذار ولم تزد منها، وبالتالي فإن هذا الفريق يمكنه الفوز بما كان بيده عشية الانتخابات، وهذا يعني في السياسة اللبنانية أن الأمور لا تحتمل العودة إلى ما كنا عليه قبل أربعة أعوام. فلا أميركا هي أميركا، ولا السعودية هي السعودية، ولا سوريا هي سوريا. وأكثر من ذلك، إن قوى المعارضة الرئيسية في لبنان خرجت من معموديتين بأقل قدر من الخسائر: معمودية النار في تموز 2006 ومعمودية المال في حزيران 2009.
رابعاً: إن سياق الاتصالات التي تقودها السعودية بتغطية أميركية ـــــ فرنسية ستقود إلى أحد أمرين: إما خلاف يجعل لبنان يعيش سنوات من الفوضى والمشاكل، وإما تفاهم يعني عملياً إنهاء ما ظنّ سمير جعجع أنها نتائج مختلفة للانتخابات الأخيرة.
يقول الفلاحون عندنا إن «الواوي بلع المنجل... بكرا بنسمع صريخو»... هذه مع الأسف نتيجة من بالغ في تقدير نتائج الانتخابات النيابية.







