الحقائب السياديّة: أوّلها توقيع الشيعي على المرسوم وآخرها أزمة حكوميّة

نقولا ناصيف
باتت الحقائب السياديّة أحد وجوه أيّ أزمة عند تأليف حكومة، بصفتها هذه أو بسبب رفعها سعر حقائب موازية صارت بدورها تُعرف بحقائب خدماتية يتزاحم السياسيون للحصول عليها. منها حقائب الصحة والاتصالات والأشغال العامة والنقل والعدل والشؤون الاجتماعية والطاقة والعمل. هي في معظمها حقائب تدرّ مالاً وفيراً، أو نفوذاً سياسياً، أو جاذبية انتخابية. أصبحت الحقائب الخدماتية باباً على أزمات مذ مُيّزت الحقائب السيادية عنها، فمُيّزت هي عن حقائب أخرى يُنظر إليها الآن بدونية كالسياحة والبيئة والشباب والرياضة وشؤون المهجرين والصناعة والنفط والزراعة والثقافة والإعلام. صارت هذه إما حقائب مفلسة، أو غير مجدية في التنافس السياسي. كانت أصناف الحقائب هذه أحد أسباب تعثّر تأليف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة شهراً و14يوماً عام 2008، وهي الآن أحد أسباب إخفاق الرئيس المكلف سعد الحريري، منذ خمسة أشهر، في تأليف حكومته. وصار المخرج الأكثر ملاءمة لإخراج البلاد من مأزق تعذّر تأليف حكومة جديدة العودة إلى حكومة 2008: تثبيت النمط الأكثر انسجاماً لتأليف حكومة وحدة وطنية.
لم يتعرّف اللبنانيون قبل اتفاق الطائف إلى حقائب سيادية تميّزها عن سواها، عددها أربع هي الخارجية والدفاع والداخلية والمال، تناط بـ «طوائف سيادية» هي الموارنة والسنّة والشيعة والروم الأرثوذكس، لتمييزها عن طوائف ـــــ تبعاً للتصنيف نفسه ـــــ غير سيادية، كالدروز والروم الكاثوليك والأرمن والأقليات، مع ما في هذا التصنيف من اعتباطية وإجحاف، حتى لا نقول من عدم معرفة كانت حكومة الرئيس شفيق الوزان عام 1980 آخر حكومة لم تميّز بين الطوائف، ولا صنّفت سيادية خلافاً لسواها عند توزيع الحقائب في معرض تحديد توازن القوى في مجلس الوزراء. شغل فيها الأرثوذكسيان إيلي سالم وعصام خوري حقيبتين سياديتين هما الخارجية والدفاع،

الحقائب السيادية تولّد طوائف غير سياديّة

قبلها تطول السلسلة المشابهة: الرئيس حسين العويني رئيساً للحكومة ووزيراً لحقيبتين سياديتين هما الدفاع والداخلية مرتين، والرئيس رشيد كرامي رئيساً للحكومة مع حقيبتين سياديتين هما المال والدفاع مرتين، وقبله بسنوات طويلة والده الرئيس عبد الحميد كرامي رئيساً مع الحقيبتين إياهما، والرئيس عبد الله اليافي رئيساً للحكومة مع حقيبتي المال والدفاع، وعلى امتداد عقود الخمسينات حتى مطلع الثمانينات، كان وزير درزي في المال كعادل حميّة، وكاثوليكي في الدفاع كنصري معلوف وجوزف سكاف، وكاثوليكي في الخارجية كسليم تقلا ثم شقيقه فيليب تقلا وخليل أبو حمد، ودرزي في الدفاع كمجيد أرسلان، ودرزي في الداخلية ككمال جنبلاط وبهيج تقي الدين وصلاح سلمان وبشير الأعور. كان أيضاً الأرثوذكسي فؤاد بطرس يشغل في حكومة واحدة حقيبتين سياديتين هما الخارجية والدفاع، وماروني كبدري المعوشي في حقيبتي الدفاع والداخلية، وثلاثة وزراء سنّة في حكومة واحدة بحقائب الدفاع والداخلية والمال.
وهكذا الأمثلة أكثر من أن تحصى في حكومات ما قبل الطائف، حصلت فيها طائفة على أكثر من حقيبة، وحُرمت أخرى تُعدّ اليوم سيادية، حقيبة سيادية أو أعطيت طوائف غير سيادية.
أول جذور الحقيبة السيادية اقتراح طرحه في مؤتمري جنيف ولوزان للحوار الوطني عامي 1983 و1984 رئيس حركة أمل نبيه برّي، إبان مناقشة إصلاحات دستورية لإنهاء الحرب تحت شعار المشاركة، قضى بتعيين نائب لرئيس الجمهورية يكون شيعياً كي يوقّع معه ومع رئيس الحكومة المراسيم الصادرة عن مجلس الوزراء تعبيراً عن مشاركة فعلية للطائفة الشيعية في السلطة الإجرائية. لم يلقَ الاقتراح تأييداً لتعارضه مع قواعد النظام البرلماني، الذي يحيل صلاحيات الرئيس عند شغور المنصب على رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس الشيوخ أو الحكومة، والحال الأخيرة تقول بها المادة 62 من الدستور اللبناني. فيما يُعتمد منصب نائب الرئيس في النظام الرئاسي.
طُوي الموضوع بعد مؤتمري جنيف ولوزان كي يثار مجدّداً في مداولات اتفاق الطائف، عندما اقترح رئيس المجلس حسين الحسيني، تكراراً للموقف نفسه بضمان مشاركة الشيعة، توزير شيعي لحقيبة المال كونه الوزير الوحيد الذي يوقّع كل المراسيم، بما فيها تلك التي لا تصدر عن مجلس الوزراء، بل عن الوزراء المختصين، إلا أن وزير المال يوقّعها معه. بذلك يجانب التوقيع الشيعي التوقيعين الماروني والسنّي في المراسيم.
تبعاً لذلك حلّ وزير شيعي في حقيبة المال منذ أول حكومة بعد إقرار اتفاق الطائف هو علي الخليل. واستمر بعد حكومة الرئيس سليم الحص عام 1989، في حكومة الرئيس عمر كرامي عام 1990، ثم خلفه شيعي آخر في الحقيبة هو أسعد دياب في حكومة الرئيس رشيد الصلح عام 1992، في حكومة الحص شغل الكاثوليكي ألبر منصور حقيبة الدفاع.
كانت حكومة كرامي أول مَن وزّع ما عُدّ في ما بعد حقائب سيادية على الطوائف الأربع من غير أن تُنعت بحقائب كذلك، إلّا أن الثابتة فيها كانت وضع حقيبة المال في عهدة الشيعة تثبيتاً لقاعدة المشاركة التي لم ينصّ عليها اتفاق الطائف ولا في ما بعد الدستور، وكانت مدار مناقشة بين النواب في اجتماعات الطائف انتهوا فيها بالتوافق على عُرف، ما لبث أن سقط مع أولى حكومات الرئيس رفيق الحريري عام 1992 عندما ناط بنفسه، كسنّي، وزارة المال وعيّن سنّياً آخر هو فؤاد السنيورة وزير دولة مكلّفاً الشؤون المالية. كان الحريري في واقع الحال وزير المال الفعلي، ولم يكن في الإمكان الإخلال آنذاك بعُرف درج قبل ثلاثة أعوام، إلّا مع رجل كالحريري احتفظ بوزارة المال في كل حكوماته التالية.
وفي ظلّ الحقائب السيادية الأربع، لم يعد التوقيع الشيعي مشكلة.


عدد السبت ٣١ تشرين الأول ٢٠٠٩