معارضون: لا يمكننا كسر الآخرين نهائياً
ابراهيم الأمين
بين وجهات النظر التي ترد في مناقشات المعارضة، واحدة تبرر ما يسمّى اليوم «الاستعجال» من جانب بعض أقطاب المعارضة في إنجاز ملف الحكومة سريعاً. وهي وجهة نظر تقوم على قاعدة مراجعة الواقع السياسي الذي نشأ في البلاد منذ انتهاء الانتخابات النيابية في حزيران الفائت. وهو أمر يردده مشاركون في المفاوضات والاتصالات القائمة حالياً. ويرد ذلك وفق لائحة «معطيات صلبة» تجيز التقدم خطوات باتجاه الرئيس المكلف سعد الحريري. لكن أصحاب هذا الرأي يحذّرون من أن النقاش لم يكن يوماً على قاعدة تسهيل أمر الحريري على حساب المعارضة، وتحديداً التيار الوطني الحر.
ووفق أصحاب الوجهة نفسها، فإن «المعطيات الصلبة» يمكن إيرادها وفق الآتي:
أولاً: إن فريق الحريري ربح الانتخابات النيابية مقابل خسارة واضحة للمعارضة، وهذا الأمر أعطى دفعاً معنوياً، لكنه لم يستمر لفترة طويلة عندما أقرّ الأكثريون بأنه ليس بمقدورهم تأليف حكومة تقود البلاد إلى استقرار سياسي إلا بالتفاهم مع قوى المعارضة. وهو تراجع جدي واجه المطالب الأميركية أو تلك التي قادها البطريرك الماروني نصر الله صفير الذي لم يتوقف عن الدعوة إلى تأليف حكومة من قوى 14 آذار وحدها. وقد اضطرّ الحريري نفسه إلى الرد على البطريرك صفير في آخر تصريحاته الأسبوع الماضي. وهو أمر يجب أن تأخذه المعارضة بالحسبان على أساس أنه إنجاز.
ثانياً: لقد سعت عواصم عربية ودولية إلى استغلال نتائج الانتخابات النيابية لاحتكار الملف اللبناني من دون التوقف عند حسابات ومصالح أطراف أخرى في المنطقة. وقد لاحظ المتابعون هذا الأمر في الجولات الأولى من الاتصالات السعودية ـــــ السورية ومن المواقف المصرية والأميركية، التي ركزت على أنه إذا تقررت مشاركة قوى المعارضة فهذا لا يمكن أن يتم وفق صيغة تربك قوى 14 آذار. وخلال أسابيع قليلة تراجع هذا المحور عن اقتناعاته، وبدت السعودية مستعدة لتفاهم مع دمشق عطّله الأميركيون من خلال رفضهم صيغة الـ15/10/5، وسرعان ما شعرت الولايات المتحدة نفسها بأنه لا يمكن السير بالحكومة من دون هذه الصيغة.
ثالثاً: إن الرئيس الحريري وجميع الأطراف يعرفون أن المعارضة حصلت على الثلث المعطل، سواء جاء بصيغة مموّهة أو صريحة. وهو كسر كبير لإرادة فريق 14 آذار، ولا سيما الرئيس الحريري. واضطر هو أيضاً إلى الأخذ بآلية تفاوض، قادته من جديد ولو على مضض إلى الاتصال مباشرة بالعماد ميشال عون، بعدما حاول تسويق تسوية مع حركة أمل وحزب الله وحدهما. واضطر إلى إعداد الأثمان المطلوبة لمثل هذه الخطوة.
رابعاً: اضطر الحريري ومعه البطريرك الماروني وقائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، إلى التراجع عن لاءات بدت في لحظة ولادتها حاسمة، مثل: لا لتوزير الراسبين، والمقصود هنا الوزير جبران باسيل. ومن ثم رفض إعطاء حقيبتي الاتصالات والطاقة للتيار الوطني أو للمعارضة، ثم الحديث عن عدد محصور من الحقائب وعن شروط على الأسماء وطريقة العمل. وهذه اللاءات كلها سقطت دفعة واحدة عندما أدرك الحريري وفريقه أنه لا مجال للذهاب نحو حكومة وحدة وطنية من دون الإقرار بهذه الحقوق للعماد عون.
خامساً: إن الإطار التفاوضي يجعل، بنتائجه الحالية، الحريري وفريقه، ومسيحيّي 14 آذار خصوصاً، في حالة تراجع مقابل تقدم جدي للآخرين. فالنائب وليد جنبلاط انطلق في مسار الابتعاد عن تحالف 14 آذار وموجباته السياسية، والكل يعرف أنه لن يتقدم خطوات نوعية إلى الأمام قبل تأليف الحكومة. ثم إن الحريري بات محرجاً إزاء مستقبل علاقاته الشخصية أو السياسية مع سوريا، وخصوصاً بعدما قلّد الملك عبد الله الرئيس بشار الأسد وسام الملك عبد العزيز. ويعرف الحريري أنه مضطر إلى زيارة دمشق، ما سيفتح الباب أمام جنبلاط وآخرين من قيادات 14 آذار، سنية على وجه الخصوص، لاستئناف علاقاتها مع سوريا. وهو ما سوف يسقط من يد فريق 14 آذار ورقة كبيرة كانت تستخدم ضد المعارضة، كما أن مصير هذا التحالف سيكون عرضة لاهتزاز عنيف بعد تأليف الحكومة وظهور الأحجام الفعلية للقوى على مستوى تمثيلها داخل الحكومة.
بناءً على ذلك، فإن أصحاب وجهة النظر هذه، يتوجهون مباشرة أو غير مباشرة إلى العماد عون لمطالبته بتسهيل الأمور، وربما هذا ما يمثّل خلفية ما قام به النائب سليمان فرنجية عندما أعرب عن عدم ممانعته لاقتراح إسناد حقائب الاتصالات والطاقة والسياحة والمهجرين إلى تكتل الإصلاح والتغيير، وهو ما رفضه عون، وشعر فرنجية بأنه محرج، علماً بأن الحريري نفسه لجأ إلى استخدام هذا الأمر إضافة إلى ما سبق، للقول إنه «تنازل أكثر مما يجب، وإنه لم يعد يحتمل المزيد من الضغط، وإنه لا يعرف الحد النهائي للشروط عليه». وبحسب مصدر واسع الاطّلاع، فإن الحريري حظي بقدر من تفهم قوى بارزة في المعارضة، ما تطلّب تدخلاً من الرئيس نبيه بري وتأكيداً من العماد عون على أن المفاوضات تستوجب صبراً وقدرة أكبر على المناورة، وخصوصاً عندما تصل إلى آخر جولاتها.







