باريس تتفهّم تشدُّد عون ودمشق تعدّه معرقلاً
باريس ــ بسّام الطيارة
منذ خمسة أشهر غاب مديح سعد الحريري عن ألسن الدبلوماسية الفرنسية (أرشيف)يصف بعض المسؤولين الفرنسيين عدم القدرة على تأليف حكومة في لبنان بأنه نوع من «الحمق السياسي». ولا يتردد بعضهم في التساؤل: «ماذا ينتظرون؟». ووصف مصدر كبير «الخلافات التي تحول دون تأليف الحكومة بأنها صبيانية»، وتنمّ عن نوع من «الغيرة الرجولية». ولا يتردد في القول إن مسعى التوازن الذي يتذرعون به «هو حثالة». وقد سألت «الأخبار» المصدر الكبير عمن يقف عقبة دون تأليف الحكومة العتيدة، فجاء الجواب من شقين يشيران إلى لبّ الأزمة اللبنانية: الشق الأول فيه مديح لرئيس الحكومة المكلّف الذي وصف بأنه «رجل يتمتع بمواصفات الرجل القوي» الذي، بحسب انطباع المتحدث، «هو ما يحتاج إليه الشرق»، وكلّه يقين بأن «الحريري ينبئ برجل دولة». وفي حديث المصدر الكبير «شيء جديد»، حسب أكثر من متابع، إذ منذ خمسة أشهر غاب مديح سعد الحريري عن ألسن الدبلوماسية الفرنسية إلا في «أقل ما يمكن». أما الشق الثاني فقد «حمل جديداً أيضاً»، إذ إنه رغم وضع الملامة في تأخير تأليف الحكومة على الجنرال عون، فهو يحمل في ثناياه، للمرة الأولى، تفهّماً لمواقفه. ورداً على سؤال لـ«الأخبار» عما إذا كانت العرقلة بسبب النائب عون؟ قال المصدر الكبير إن «الرجل كان مرناً ومستعداً لتقديم تنازلات وإن كان حذراً» كي لا «يُلسع»، وأعلن «تفهّمه» موقف عون بقوله «إنه تعرّضَ للخداع طيلة حياته من قبل السياسيين»، واستطرد: «إلا أنه اليوم وقد قرر أن يصبح سياسياً مثلهم فقد تجاوزهم»، مشدداً في الوقت نفسه على أن «مسألة تخصيص الخلوي ليس لها أي اعتبار في العرقلة».
من جهة أخرى، أكد مصدر مطّلع على تقارير زيارات وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير لسوريا أن «(الرئيس) بشار الأسد قال للوزير ثلاث مرات» وهو يحدق إليه (العين بالعين) «إن سوريا لن تتدخل ولن تعرقل». أضاف المصدر أن باريس ترى في التقارب السوري السعودي وزيارة الملك عبد الله إلى دمشق عوامل مساعدة للمضي في تأليف حكومة، ما دفع المصدر الكبير إلى تحميل القوى السياسية الداخلية مسؤولية العرقلة بقوله: «المسؤولية تقع على اللبنانيين».
وبالرغم من تكاثر الحديث عن «عودة مسألة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية» إلى واجهة الإعلام، يشير المصدر الكبير إلى أن «المفاوضات ليست على مدار البحث حالياً». ويذكّر بأن باريس طرحت هذا الأمر عندما كانت مسألة شبعا على بساط البحث، إلا أن (الرئيس فؤاد) «السنيورة رفض آنذاك»، ولو قبل لكانوا دخلوا في مفاوضات «ولباتت المزارع لبنانية اليوم»، بغض النظر عن موقف دمشق، حتى قبل أن تأخذ العلاقات مع باريس مسارها «التطبيعي».
من جهة أخرى، كشفت مصادر مطلعة أن أحد أبرز أسباب إلغاء زيارة كوشنير إلى دمشق، رغم «التوجه الإيجابي لمسار العلاقات هذا، هو سجن الناشط في حقوق الإنسان هيثم المالح». إلا أن هذه المصادر أكدت زيارة الأسد إلى باريس في ١٢ الشهر الحالي، ووصفت الزيارة بأنها «غير استثنائية وستركز على العلاقات الثنائية»، وأشارت إلى أنها مناسبة لـ«تقويم ما أُحرز خلال عملية التقارب، مشيرة في هذا الصدد (أيضاً) إلى الملف اللبناني بقولها: «طلبنا من سوريا عدم التدخل فلم تتدخل». وفي هذا السياق، أشار مصدر آخر مطّلع على ملف لبنان إلى أنه «يستحسن» أن تؤلف الحكومة «قبل مجيء الأسد إلى باريس، حسماً لما يمكن أن يقال». فيما يرى أحد الدبلوماسيين الكبار أن تأليف الحكومة بعد زيارة الأسد يمكن أن يفسّر «بتدخل مزدوج سوري ـــــ فرنسي»، فيما تصبّ توقعات المحيطين بالملف على إشارات قوية عن إمكان أن تؤلف الحكومة قبل الزيارة، علماً بأن بعض المراقبين يرون في واقع «قراءة ما يحصل منذ الزيارة الماضية لكوشنير إلى بيروت» تغيّراً في «أدوار الدعم المعنوي». فبحسب هؤلاء، بدأت باريس تتفهّم «تشدّد موقف عون بينما ترى فيه دمشق عاملاً معرقلاً»، رغم توافق العاصمتين على ضرورة الإسراع في إنهاء التأليف. ويرى أحد المتابعين، في هذا الصدد، أن «التبديل هذا في الأدوار يلتقي مع القطيعة الساركوزية»، ويشير إلى أنه كان متوقعاً منذ مدة، في ظل «غياب زيارات سياسيي الأكثرية عن باريس»، دون أن تعني «برودة علاقات الإليزيه مع الأكثرية انفتاحاً ساركوزياً على المعارضة»، مستطرداً أنها «مسألة مزاج غير متناسق بين قاطن الإليزيه والأكثرية التي خرجت من صناديق الاقتراع».







