أنا من هناك ولي ذكريات
بعد نحو نصف قرن من الاحتلال، جاءني صديق أوروبي دبلوماسي بصور البيت، فقرأت الرقم الجديد على الباب الخارجي للبستان: (رقم 19)، أمّا اسم الشارع فصار بالعبرية «هراكيفت»، وقرأت أسماء السكان على المدخل الخارجي لبستاننا...
بيان نويهض الحوت*
في الذكرى الستّين لنكبة فلسطين، ولقيام الكيان الصهيوني، أقيمت الندوات والمعارض والاحتفالات في مختلف العواصم والمدن والقرى والمخيمات، شرقاً وغرباً، كما لم يحدث في أي عام مضى. وكل فريق يحتفل وفق قناعاته، وتاريخه، وذكرياته، وأهدافه.
أجمل الدعوات التي وصلتني للمشاركة في هذه الذكرى اثنتان، وكلتاهما من أكثر الدعوات التي تلقيتها في حياتي غرابة، وابتكاراً، وأصالة، غير أنه لم يكن في وسعي تلبية أي منهما، على الرغم من أن مصدرهما القدس، مدينتي الغالية. صحيح أن المسافة بين بيتي في بيروت وبيتي في القدس الذي تسكنه اليوم عائلات إسرائيلية، ليست أكثر من ساعات بالسيارة عبر الناقورة، غير أن المسافة بين حدود البلدين: لبنان وفلسطين المحتلة، لا تقاس بعشرات الأمتار كما تقاس الحدود بين البلدين المتجاورين، ذلك أن اجتيازها ما زال بحاجة إلى أعوام وأعوام، فالقدس ما زالت بعيدة عنا بعد تحرير الأرض من احتلالها.
الدعوة الأولى جاءتني من «لجنة أبناء النكبة المقدسيين»، وهي موجهة إلى سكان القدس، مالكي البيوت الفلسطينيين العرب في القدس الغربية، وإلى أولادهم وأحفادهم وأصدقائهم، للمشاركة في مسيرة صامتة، وهم يرتدون ثياباً سوداء، لكنهم لن يرفعوا أعلاماً أو لافتات أو «بوسترات»، لا شيء سوف يرتفع بأيدي المتظاهرين الصامتين سوى صور البيوت التي يملكونها، وصكوك الملكية.
موعد المسيرة يوم الأحد في الحادي عشر من أيار، 2008، ما بين الرابعة والسادسة من بعد الظهر. وانطلاقتها من دوار سلامة في حي الطالبية، أمّا توجّهها فنحو حيّ البقعة التحتا (هذان من الأحياء التي ما زال فيها سكان عرب).
تصدّرت الدعوة التي وصلتني بالبريد الإلكتروني صورة قديمة لمجموعة من السيدات والرجال أمام مبنى عربي مقدسي أثري، ومع الصورة كلمات محمود دوريش التي يرددها كل فلسطيني: «أنا من هناك ولي ذكريات».
عشت يوم الأحد مع المسيرة، وأنا أتخيّلها من بدايتها حتى نهايتها، عشت مع خرائط القدس التي جمعتها طوال العمر. وكنت أتساءل: هل يسلكون هذه الطريق؟ أم تلك؟ يا إلهي، لو توقفت المسيرة وهي متجهة من الغرب نحو الشرق عند منتصف المسافة، ثم اتجهت جنوباً نحو حي البقعة الفوقا، لكان عليها حكماً أن تتوقف أمام سكة الحديد والشارع الرئيسي للبقعة الفوقا، أي مقابل مبنى بيتنا، وهو يتألف من دورين، نحن كنا نسكن الدور الثاني، وكان جارنا في الدور الأول الأستاذ عادل جبر، أحد علماء فلسطين باللغة العربية. لكنني تذكرت ما قاله لي مراراً الأصدقاء الذين بإمكانهم زيارة القدس، فهؤلاء أخبروني أن عدد السكان العرب في حيّنا قليل جداً. تذكرت هذا، فعلمت لماذا لم تقترب المسيرة من البقعة الفوقا.
أمّا إذا تمّت المعجزة، وتمكنت يوماً من المشاركة الفعلية في مسيرة كهذه، فليس لديّ صك ملكية لأرفعه. والدي ما اشترى عقاراً في القدس، كان بيتنا بالإيجار، وصاحب البيت جار لنا من عائلة بركات، نسيت حتى اسمه الكامل.
لكنني لن أحزن، فصكّ ملكية البيت، أو «الكوشان» باللغة الفلسطينية، ليس البرهان الوحيد على ملكيّتي لوجودي وذكرياتي وطفولتي في القدس، فهؤلاء لم يسرقوا البيت فحسب، بل سرقوا كل ما ملكناه من صور وكتب وأوراق وأحلام، وما زال بإمكاني أن أثبت ملكيتي لهذه الأشياء كلها.
بإمكاني أن أحمل صوراً لبيتنا قبل أن يسرقوه، وبعد أن سرقوه، فبعد نحو نصف قرن من الاحتلال، جاءني صديق أوروبي دبلوماسي بصور البيت، فقرأت الرقم الجديد على الباب الخارجي للبستان: (رقم 19)، أمّا اسم الشارع ـــــ كما أطلقوا عليه بالعبرية، فهو: شارع هراكيفت (معناها شارع القطار)؛ وقرأت أسماء السكان على المدخل الخارجي لبستاننا: فيليبس بورن؛ ماكينز (تاريخ الصورة: 1996).
وبإمكاني أيضاً أن أحمل معي ما ليس بإمكانهم تجاهله:
جواز سفر والدي، عجاج نويهض، الصادر عن حكومة الانتداب، ورقمه (139354)، وتاريخ انتهاء صلاحيته 12 آب 1949، وآخر مرة غادر فيها القدس عن طريق جسر اللنبي مع ابنه خلدون كانت بتاريخ 12 أيار 1948 (ذهب لتسليم رسائل من أحمد حلمي باشا المسؤول عن مكتب الهيئة العربية بالقدس عن أوضاع القدس لكل من الملك عبد الله والمفتي الحاج أمين).
رقم هاتف منزلنا: (4702).
رقم هاتف مكتب والدي، مكتب المحاماة: (5155).
رقم البريد: (425).
أمّا سجلّي المدرسي فما زال موجوداً في كلية شميدت للبنات (وهي مدرسة ألمانية ما زالت في القدس، لكنها انتقلت إلى القسم العربي بعد 1948).
وأمّا كتب والدي وأوراقه التي استولوا عليها من مكتبته في المنزل، ومن مكتب المحاماة، فهي بالآلاف، ولم تنكر إسرائيل يوماً استيلاءها على المكتبة، لكنها تدّعي أنها «حافظت على المكتبات الخاصة، وأنها صرفت أموالاً كبيرة للمحافظة على هذه المكتبات!!»
والدي، رحمه الله، كتب في وصيّته بأنه في حال استرداد مكتبته في القدس، فهو يهبها للثورة الفلسطينية! وما زلت أبحث عن جواب: لماذا لم يقل سوى كلمتين اثنتين: «الثورة الفلسطينية»؟ كم كان متفائلاً، سنة 1981، باستمرار الثورة، وكم أرجو أن يكون لنا بعض إيمانه، سنة 2008.
أنا أكتب في هذه اللحظات، قبيل الغروب من يوم المسيرة، أي بعد انتهائها. وما يؤلمني حقاً سؤال واحد: إلى متى يبقى أهل القدس «وحدهم»؟ إلى متى؟
ليس موضوعنا في هذه الذكرى تعداد المؤسسات العربية والإسلامية العاملة من أجل القدس، وسرد نشاطاتها، ونجاحاتها، وإخفاقاتها، فموضوعنا هو الذكرى الستون، لذلك لا يسعني إلا أن أقول بصدق وألم: إنه في يوم الأحد، 11 أيار 2008، وعلى الطريق ما بين الطالبية والبقعة التحتا، كان المقدسيّون ـــــ حقاً ـــــ وحدهم.
أمّا الدعوة الثانية التي تلقّيتها، فعنوانها: «البالونات السوداء»، والدعوة رد على الاحتفالات الصاخبة التي تقيمها إسرائيل في الذكرى الستين.
إسرائيل وحلفاؤها استعدوا للاحتفالات في هذه الذكرى بشكل غير مسبوق في العديد من البلدان. وفي القدس بالذات، ينعقد المؤتمر الذي تعدّ له من زمن، ما بين الثالث عشر والخامس عشر من أيار، وقد دعت إليه عدداً من مشاهير العالم، يتقدمهم الرئيس الأميركي بوش، والرئيس الفرنسي ساركوزي، كما يحضره من عالم هوليوود باربرا سترايساند وستيفن سبيلبيرغ.
فكيف يحتفل المقدسيّون والفلسطينيون في أجواء كهذه؟ صحيح أنهم وحدهم، لكنهم تمكنوا من اختراع احتفال غريب من نوعه لعله يلفت أنظار المدعوّين إلى الاحتفالات الإسرائيلية، بل وأنظار العالم.
اتخذ الفلسطينيون قرارهم بأن يملأوا سماء القدس بالبالونات السوداء، فالذكرى التي يحملونها هي ذكرى الألم وضياع الوطن. أمّا وقد مر من عمر الاحتلال ستون عاماً، وهي في حساب الأيام (21،915) يوماً، لذلك هم يستعدون لإطلاق بالونات بعدد الأيام، ويناشدون الأصدقاء والمحبّين أن يشتري كل منهم ما استطاع من البالونات.
وطالب منظّمو حملة «البالونات السوداء» بارتداء اللون الأسود في الخامس عشر من أيار، وطالبوا الأهالي والأصدقاء في الداخل والخارج بأن يطلبوا من صغارهم أن يكتب كل منهم رسالة، على أن ترسل بالبريد الإلكتروني، وهم، بدورهم، سوف يربطون رسائل الصغار بالبالونات السوداء.
هل تنجح فكرة «البالونات السوداء»؟ وكم بالوناً أسود سوف يطير فعلاً في سماء القدس؟ وكم رسالة سوف تصل إلى ضمائر الضيوف المحتفلين بأمجاد إسرائيل التي قامت على اغتصاب أرض فلسطين، سنة 1948، وسنة 1967، والتي ما زالت تعمل يومياً على اغتصاب فلسطين تاريخاً ومستقبلاً ومياهاً وزيتوناً وحقوق شعب بأسره، من غير أن توجّه لها تهمة «الإرهاب»؟
أجمل ما في هذه الدعوة أن الفلسطينيين ناشدوا الأهل في الخارج، كما ناشدوا الأصدقاء المساهمة معهم، لكنه من الواضح أنهم مستمرون حتى لو بقوا لوحدهم.
حقاً إنها بالونات سوداء، لكنها تحمل الأمل.
* كاتبة ومؤرّخة فلسطينية







