سليمان ــ الأسد: السفارتان قريباً وملفّ الحدود مؤجّل

إبراهيم الأمين
حفلت زيارة الرئيسين ميشال سليمان وبشار الأسد إلى باريس، بالكثير من العناصر التي تعطي مؤشرات عن طبيعة المرحلة المقبلة، سواء في ما يتعلق بمستقبل العلاقات اللبنانية ـــــ السورية أو مستقبل علاقات فرنسا بكل من لبنان وسوريا. ولمس الوفدان اللبناني والسوري تغييراً جديّاً في السياسة التي كانت فرنسا تتبعها في عهد الرئيس السابق جاك شيراك أو في الفترة الأولى من ولاية الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي. ومع أن الاجتماعات التي عقدها الأخير مع سليمان والأسد تفاوتت لناحية الأهمية وموضوعات البحث، فإن الملف اللبناني كان الحاضر الأبرز، إضافة إلى ملف المفاوضات مع إسرائيل وسؤال العالم كله عن علاقة سوريا بإيران.
وحسب مصادر مشاركة في النشاط السياسي الذي تشهده باريس، ولا سيما محادثات سليمان والأسد في ما بينهما أو مع الآخرين من المشاركين في قمة الاتحاد، فإنه يمكن حصر الوقائع الآتية:
أولاً: كان ساركوزي مهتماً بأن يكثر من الكلام عن لبنان مع الرئيس السوري، ولكنه بدا عارضاً للأمر على شكل عناوين، من ضرورة إقامة العلاقات الدبلوماسية، إلى ملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والمحكمة الدولية الخاصة، إلى ملف المفاوضات مع إسرائيل. وكان الأسد حريصاً على إبلاغ ساركوزي، ومن ثم إطلاع سليمان على أنه صارح مضيفه الفرنسي بأن سوريا سبق أن تعرّضت خلال الأعوام الماضية لضغوط غير مسبوقة، وهي تريد أن يفهم العالم أن الضغوط لا تغيّر ثوابتها ولا موقفها، وأنها تفضّل بحث أية نقطة اختلافية من خلال الحوار والتواصل المباشر، ومن خلال إبراز ما هو منطقي. وعندما جرت الإشارة إلى ملف المفاوضات، قال الأسد صراحة إن سوريا تنطلق في ما تجريه من بحث غير مباشر مع إسرائيل من المبادرة العربية، ومن أهمية حفظ الحقوق العربية كلها وعدم التفرّد ولا بخطوة، وإن المفاوضين السوريين يلاحظون سلوكاً إسرائيلياً مختلفاً عن السابق، وربما يكون رئيس الحكومة في تل أبيب إيهود أولمرت معنياً بالتوصل إلى نتيجة معينة، ولكن الواضح أنه ليس الآن في موقع القادر على اتخاذ القرار. كما أوضح الأسد أن الإدارة الأميركية الحالية لا تعطي أية إشارة إلى أنها راغبة بتحقيق السلام في وقت قريب. وبدا من حديث الأسد أن هناك فرصة جدية لتطوير العلاقة مع فرنسا وأوروبا، ولكن لم يظهر أن هناك تقديراً بتحقيق نتائج خاصة من المفاوضات الجارية مع إسرائيل في تركيا.
ثانياً: حرص الرئيس السوري على إظهار رغبته في تقديم كل الدعم للرئيس سليمان، وقال له مراراً إنه وحكومته على استعداد لتقديم أي دعم وفي أي مجال. وعندما أثار سليمان مجموعة من النقاط كانت أجوبة الأسد مباشرة، من ملف المفقودين اللبنانيين في سوريا حيث قال الأسد إنه سيطلب مجدداً من كل الأجهزة المعنية في سوريا تقريراً يقدم الإجابات، وإنه سيتابع هذا الملف، وفي ملف ترسيم الحدود اتفق الرجلان على أن المهم الآن هو تحرير مزارع شبعا، وبعد إنجاز التحرير يمكن القيام بكل الأمور الأخرى ولا سيما ترسيم الحدود، ولم يتطرق الرئيسان إلى ملف مراقبة الحدود بين البلدين، بل شددا في المقابل على وضع آلية تنطلق قريباً بتولي وزير الخارجية السوري وليد المعلم نقل دعوة شخصية إلى سليمان لزيارة دمشق، وهي التي يفترض أن تتم بعد نيل الحكومة الثقة من المجلس النيابي وتباشر عملها، وسوف تلي هذه الزيارة زيارة يقوم بها الأسد إلى لبنان، على أن يصار خلال الزيارتين إلى الإعلان عن إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ثم يصار في وقت لاحق إلى تنظيم الآلية القانونية للإعلان الرسمي عن هذه العلاقات، كذلك إطلاق آلية بحث حول مستقبل المجلس الأعلى اللبناني ـــــ السوري في ضوء إقامة العلاقات الدبلوماسية.
ثالثاً: جرى التطرق إلى الأوضاع في لبنان وملف العلاقات العربية ـــــ العربية. وإذ شرح الأسد وجهة نظره التي تشير إلى توتر كبير في العلاقات بين دمشق وكل من السعودية ومصر، عارضاً لكثير من التفاصيل التي تعكس الأزمة القائمة، جرى التشديد على أهمية دعم اتفاق الدوحة، والاستمرار في تطبيقه. وتحدث سليمان عن وجود مؤشرات كثيرة تساعد، من تأليف الحكومة إلى تثبيت إقامة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، إلى عملية إطلاق الأسرى التي هي إنجاز جديد للمقاومة وللبنان، وأوضح أن البيان الوزاري سوف يثبت نقاط التوافق، ويكون نسخة منقحة عن البيان الوزاري السابق، آخذاً في الاعتبار مجموعة مواقف، منها خطاب القسم وبيان اتفاق الدوحة، إضافة إلى بيانات القمم العربية. وشدد الأسد على أهمية تحقيق مزيد من الاستقرار الداخلي وعلى أن سوريا مستعدة للمساعدة في هذا الأمر. ولم يتطرق الرئيسان في هذا السياق إلى ملف التحقيق في جريمة اغتيال الحريري.
رابعاً: كان للرئيس سليمان جولة من البحث مع الرئيس الفرنسي ومع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وقد وجّه إلى الأول دعوة لزيارة لبنان فوعد ساركوزي بتلبيتها، علماً بأنه وجّه إلى سليمان دعوة للقيام بزيارة دولة إلى فرنسا، ومع بان كي مون كان استعراض للوضع في لبنان على صعيد تطبيق القرار 1701 واستمرار الخروق الإسرائيلية، وعملية تبادل الأسرى، كما أثار بان كي مون ملف المحكمة الدولية، قائلاً إنه ينتظر من رئيس لجنة التحقيق دانيال بلمار المزيد من العناصر والأدلة، قبل أن يصار إلى اتفاق بين لبنان والأمم المتحدة على برنامج إطلاق المحكمة الدولية الذي لن يحصل قبل السنة الجديدة.


عدد الاثنين ١٤ تموز ٢٠٠٨