ماذا قصد الرئيس بتوازن الصلاحيات والمسؤوليات؟
جان عزيز
للمرة الثانية في أربع إطلالات، يكرر رئيس الجمهورية ميشال سليمان كلاماً دستورياً ميثاقياً بالغ الدلالة والأهمية. للمرة الثانية، في الكلمتين الاثنتين اللتين تتسمان بالطابع اللبناني الكياني:
في خطاب القسم، وفي عيد الجيش، هذا إذا ما عُدّت كلمتا الرئيس في باريس وفي مناسبة تحرير الأسرى خارج هذا الإطار البحت.
في المرتين حرص سليمان على تأكيد الآتي: «إن مراجعة الإشكاليات التي حصلت في المؤسسات الدستورية تتطلب منا حسن تطبيق الطائف، كي يستقيم عمل هذه المؤسسات، (...) كما تتطلب العمل على تحقيق التوازن المطلوب بين الصلاحيات والمسؤوليات. مما يمكّن المؤسسات، بما فيها رئاسة الجمهورية، من تأدية الدور المنوط بها».
ماذا يعني هذا الكلام، في الواقعين السياسي العملي، والنظامي الدستوري؟ يبدو أنه يعني الكثير.
فرئيس البلاد، الآتي إلى موقعه نتيجة توافق كل الأفرقاء وإجماعهم، يعلن اليوم أمام الجميع، وخصوصاً أمام «السلطة الدستورية الأم» في مجلس النواب، «والسلطة الوطنية الأب» في المؤسسة العسكرية، أن ثمة أمراً في نظامنا ودستورنا ليس على ما يرام، ولا يتمتع بالسوية المطلوبة لحسن سير الوطن وسلطاته.
وفي تدقيق أكثر في مكمن الخلل، يقول الرئيس بوضوح، إن هناك عدم توازن بين الصلاحيات المعطاة لبعض السلطات والمسؤوليات الملقاة على عاتقها. ولا يخفي الكلام الرئاسي التحديد أن رئاسة الجمهورية هي من السلطات التي تعاني عدم التوازن المذكور.
أي ترجمة تبسيطية ممكنة لهذا الخلل؟ يصف الدستور اللبناني، في المادة 49 منه الشهيرة، رئيس الجمهورية، بأنه «رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه». ويؤكد أن الرئيس «يرأس المجلس الأعلى للدفاع، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة». وفي المادة 50 من الدستور نفسه، يوصّف تسلّم رئيس الجمهورية لمهماته بالقول: «عندما يقبض رئيس الجمهورية على أزمة الحكم...». هذه هي «مسؤوليات» الرئيس. فما هي «الصلاحيات» المعطاة له بما يمكّنه من «تأدية الدور المنوط» به؟ عملياً وفعلياً، لا شيء.
وفي الواقع، ليس ميشال سليمان أول من طرح الإشكالية. يذكر الجميع أن صلاحيات الرئاسة في اتفاق الطائف سبّبت منذ 18 عاماً ونيف أزمة سجالية ذات بعدين: ميثاقي من جهة، وتنظيمي عملي من جهة أخرى. حتى إلياس الهراوي كان مدركاً لهذه الثغرة، فحرص لحظة توقيعه على القانون الدستوري الذي أقرّ تعديلات الطائف في 20 أيلول 1990، على القول، إن الدستور ليس في نصوصه، بل في أشخاصه، في إشارة تطمين إلى أن شخصه يعوّض خلل الصلاحية في النص. بعدها ثبت خطأ تلك المقولة وخطرها في آن.
الخطأ، لأن الشخص لم يعوّض النص، والخطر لأن اعتقاداً كهذا أدى إلى شخصنة المؤسسات والسلطات.
مع الهراوي وبعده، ظلت معادلة «التوازن بين الصلاحيات والمؤسسات» هاجساً لدى الجميع، حتى سلطة الوصاية السورية كانت تعرف الخلل وتعترف به تورية ومواربة. بدليل، أنها عند كل فقز فوق الدستور، كانت تفتح لبكركي بازار «سلة التعديلات الدستورية».
تماماً كما حصل عند التمديدَين الرئاسيَين، عامي 1995 و2004.
ميشال عون أدرك باكراً هذا الخلل، فطرح منذ عامين ونيف البحث في نقل مرجعية هيئات الرقابة إلى الرئاسة الأولى، لكن اقتراحه الإصلاحي جوبه مذهبياً، فيما العلة تنظيمية.
اليوم يعود رئيس التوافق والإجماع ليطرح المعضلة نفسها، وسط حديث عن دراسة أعدّتها مجموعة عمل خاصة للبحث في تثبيت مبدأ «الثلث الرئاسي الضامن» داخل مجلس الوزراء.
المهم أنه بمعزل عن الصيغ، الموضوع سيكون مطروحاً على الحوار الوطني في مقر الرئاسة، وبرعاية الرئيس الشاكي من الخلل، والمتحصّن بالإجماع على دوره و«صلاحياته» و«مسؤولياته».
كتبت هآرتس، أمس، أن ميشال سليمان فاجأ واشنطن وتل أبيب في مسألة المقاومة. يبدو أنه سيفاجئ آخرين أيضاً، في مسائل أخرى، من أجل «تحقيق التوازن».




