المصالحة المسيحيّة: اختلاف على الرؤية والشكل
نادر فوز
أطلق اللقاء النيابي الماروني ورشة مناقشات حول آلية تطبيق ما خرج به المجتمعون في الكرنتينا، فيما يأخذ موضوع مصالحة حزب القوات اللبنانية وتيار المردة، لآنيته، الحيّز الأكبر من الموضوع. تتابع الرابطة المارونية ملف هذه المصالحة وسط تأكيدات الطرفين المضيّ بالخطوة وفتح أبواب الحوار ووضع ثوابت وقواعد للاختلاف السياسي.
الآلية واضحة، بحسب مطّلعين، إذ اتّفق الطرفان على أنّ يجري اللقاء في قصر بعبدا بحضور الرئيس سليمان ومباركة البطريرك الماروني، والاتفاق سلفاً على البيان النهائي الذي سيصدر عن لجنة يتمثّلان بها.
بعيداً عن الآلية، يؤكد مطّلعون على الاتصالات القائمة بين القوى أنّ الطرفين لم يتّفقا بعد على رؤية واحدة لهذه المصالحة، إذ يسعى المردة من جهتهم إلى أن تكون مصالحة جامعة لكل القوى المارونية والمسيحية، فيما يريدها القواتيون ثنائية لا دخل لأي طرف سياسي خارجي فيها. ويستمر النقاش بين لجنة الرابطة المارونية، التي تضمّ الرئيس ونائبه والأمين العام، والطرفين المتمثلين بالوزير السابق سليمان فرنجية ونائب رئيس الهيئة التنفيذية النائب جورج عدوان.
يرى القواتيون أنّ البند الأول من البيان الختامي للقاء النواب الموارنة يشدّد على إجراء المصالحة بين الطرفين، أي إنّ هذه الخطوة يجب أن تكون ثنائية «والهدف الأساسي منها تطويق ذيول حادثة بصرما»، فالأمر لا يعني إلّا الطرفين.
سياسياً، تسعى القوات اللبنانية إلى حصر هذه المصالحة حتى يبقى رئيس هيئتها التنفيذية، سمير جعجع، في صدارة الصورة التذكارية التي ستؤخذ، والتي يمكن القواتيين استغلالها في الانتخابات. على أنّ ثوابت القوات تحصين الصف المسيحي، والماروني خاصةً. ويمكن أن تأتي ترجمة للخطاب الذي أطلقه جعجع في ذكرى شهداء القوات. وبدأ الحديث الإعلامي لعدد من المسؤولين القواتيين عن أنّ هذا الفريق نجح في تثبيت موقف 14 آذار، وأنّ المصالحة بين الطرفين «تنبثق من ثوابت 14 آذار» كما قال مسؤول العلاقات الخارجية في القوات، جوزف نعمة، خلال إحدى المقابلات الإعلامية في اليومين السابقين، وهو دلالة على بدء الاستثمار الإعلامي للمصالحة.
وحصر اللقاء التصالحي، يعني نقطة تكسبها القوات مسيحياً على حساب رئيس كتلة التغيير والإصلاح، العماد عون، عبر هذه الصورة التصالحية والإيجابية التي يقدّمها جعجع مع المردة أكثر القوى المسيحية التي يختلف معها منذ عقود، وهو ما يمكن أن يصوّر عزلاً لعون والاستفراد به مسيحياً، إذ يبقى وحيداً بين حلفائه المسيحيين الأقوياء.
ولا يشمل حصر المصالحة استبعاد عون وحده بل أيضاً الرئيس الأسبق أمين الجميّل، وهو ما نقله أحد مسؤولي القوات خلال لقاء يوم السبت الماضي، على اعتبار أنْ لا مصلحة للقوات في تقوية الجميّل على أبواب الانتخابات النيابية، فيما لا تزال العلاقة بين القوات والكتائب غير مستقرّة على صعيد خوض المعركة الانتخابية.
من جهته، يرى تيار المردة أنّ من شأن توسيع المصالحة إضفاء شرعية سياسية وشعبية وروحية، فلا يكفي أن يرعى رئيس الجمهورية لقاء جعجع ـــــ فرنجية وأن يباركه البطريرك، «بل من الواجب أن يحضره من يمتلك الشرعية المسيحية الشعبية (عون)» كما يقول أحد مسؤولي المردة.
وإذا كان حضور عون للقاء أمراً مفروغاً منه، يؤكد المسؤول الشمالي أنّ توسيع المشاركة في اللقاء يجب أن يكون متساوياً بين الطرفين، أي إنّ مطالبة القوات بحضور النائبة معوّض أو غيرها تقابلها مطالبة بحضور مجموعة من الشخصيات المارونية التي يترأس قوى سياسية منها حزب التضامن وحزب الوعد وجبهة الحرية وغيرها. ويقول مطّلعون على عمل الرابطة إنّ الهدف الرئيسي هو جمع الرباعي الماروني، أي التيار الوطني الحرّ وتيّار المردة من جهة، والقوات اللبنانية وحزب الكتائب من جهة أخرى. ويتعارض هذا الموضوع مع مطلب القوات في حصر التمثيل والمشاركة.
وفيما يصرّ المردة على حضور عون، لم يخرج أي موقف سلبي أو إيجابي من التيار الوطني الحرّ، إلا في مباركة أي لقاء تصالحي بغض النظر عن حضور عون أو عدمه، على اعتبار أنّ لقاء جعجع ـــ فرنجية يربط الطرفين بشكل أساسي، إضافة إلى ضرورة مناقشة العلاقات المسيحية ـــ المسيحية وتنظيمها.
يبدو أنّ المصالحة تسير في حقل من الأشواك، فيما يقدّر أن يؤدّي الرئيس سليمان الدور الحاسم في هذا المجال لبتّ الشكل والمضمون والآلية، كما يقول أحدهم، «فلا أحد سيقف في وجه سليمان الذي يستطيع إطلاق أية صيغة يرتئيها».
■ ردود الفعل
أكد الرئيس أمين الجميل: «نريد المصالحة، لا المصالحة المسيحية وحدها بل المصالحة اللبنانية»، مطالباً بعمل معمّق لتكون هذه المصالحة ثابتة تأتي بثمارها على الصعيد الوطني. وأشار الجميل إلى انتفاح حزبه على الحوار «أكان ثنائياً أم متعدداً، ولكن المهم أن يتناول المسائل الجوهرية الأساسية التي يمكنها أن ترسي سلاماً حقيقياً وتحل الأمن».
وأعاد الدكتور جعجع تأكيد استعداده للقاء فرنجية، مؤكداً أنّ «المصالحة المسيحية قائمة على الأرض رغم الاختلاف السياسي الكبير مع المشروع الذي يمثّله العماد عون»، مشيراً إلى أن «المشكلة الفعلية ميدانياً هي مع أنصار فرنجية».
ورأ أمين سر تكتل التغيير والإصلاح، النائب كنعان، أنّ المطلوب هو «الترفع عن إدخال الأمور المصيرية في بازار الانتخابات، فلا يجوز أن نبقى نفكر في الانتخابات قبل القضايا المصيرية كالاستقرار في الوطن»، مشيراً إلى ضرورة أن يكتمل موضوع المصالحة «في بحث الآلية التطبيقية للمصالحة بين القوات والمردة وبحث العلاقة المسيحية ـــ المسيحية».
من جهتها، أكدت عضو المكتب السياسي في تيار المردة، فيرا يمّين، أن ما يشاع عبر الإعلام عن لقاء قريب بين جعجع وفرنجية «هو في غير محله، ولن يحصل في الأسبوع المقبل على الأقل»، مشيرةً إلى أنّ الكرة في ملعب القوات من حيث القدرة والجرأة على اتخاذ القرار. فيما رأى عضو كتلة القوات اللبنانية النائب زهرا أن محاولة الإيحاء بوجود مانع للقاء جعجع ـــ فرنجية، «غير جدية وغير دقيقة»، لافتاً إلى ضرورة حصوله في أسرع وقت ممكن لوجود نيات حسنة لدى الفريقين.






