هل يكون المجلس الدستوري مقدّمة للتسوية الكبرى؟

غسان سعود
وزير العدل ابراهيم نجار متوجّهاً نحو مجلس النواب (أرشيف ــ هيثم الموسوي)وزير العدل ابراهيم نجار متوجّهاً نحو مجلس النواب (أرشيف ــ هيثم الموسوي)اختتم المجلس النيابي جلسته الأولى بعد استئناف عقده العادي بما يشبه الانقسام النيابي، بين من يعتقد أن المجلس، بتحويله ملف المجلس الدستوري على لجنة الإدارة والعدل، إنما يهرب من المشكلة ويؤجل الانفجار ريثما تتوافر الأدوات اللازمة، ومن يراهن على الوصول، عبر الإيجابية التي اتّسم بها معظم أهل المجلس، أمس، إلى شاطئ الأمان التشريعي. المجموعتان تقرّان بأن ممارسة المجلس لدوره، وبدءه التشريع السليم، مستحيلان قبل عام من الانتخابات، لأن كل مشترع إنما يريد تشريع ما يؤمّن استمراره في كرسيه، في ظل استمرار التجاذب الذي يدفع إلى اعتبار أي تراجع عن قرار اتخذ في العامين الماضيين بمثابة انتصار لهذا وهزيمة لذاك.
جلسة الأمس التي قيل إن عنوانها سيكون «المجلس الدستوري» سبقها لقاء ثنائي بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري وأمين سر تكتل التغيير والإصلاح النائب إبراهيم كنعان، نوقش خلاله اقتراح النائب روبير غانم بشأن تمديد المهل لاختيار أعضاء المجلس الدستوري المعجل والمكرر، شرح بري خلاله لكنعان أن وزير العدل إبراهيم نجار يريد إلغاء القانون الذي أصدره المجلس النيابي عام 2006 ونشر في الجريدة الرسميّة دون توقيع رئيس الجمهورية. وقد فضّل نجار تقديم اقتراحه مباشرة إلى المجلس النيابي بدل تقديم مشروع إلى مجلس الوزراء يحول لاحقاً على المجلس النيابي، وذلك ادّخاراً للوقت. وأكد بري أن تنسيقه مع نجار اختتم بالاتفاق على تحويل اقتراح غانم، مع أخذ ملاحظات نجار في الاعتبار، على لجنة الإدارة والعدل لتبحث فيه خلال مهلة زمنيّة محددة. فوافق كنعان، بالنيابة عن تكتل التغيير والإصلاح. وسرعان ما انضم إليه النائب غسان مخيبر في اجتماع مع نجار، كان خلاله الأخير إيجابياً في التعامل مع اقتراحات «التغيير والإصلاح» بشأن طلب الملف الشخصي كاملاً من المرشحين، ووضع سقف لسنّ الأعضاء المفترضين، إضافة إلى مبدأ عدم سريان مهل الطعون حتى تاريخ إنشاء المجلس الجديد.
وهكذا دخل النواب إلى المجلس لتذهب نصف الساعة الأولى من اجتماعهم في نقاش الأوراق الواردة، حيث يطرح كل نائب قضايا تتعلق بمنطقته. وكان لافتاً هنا تحميل النائب عباس هاشم الحكومات المتعاقبة مسؤولية وصول الأمور إلى حالة التشنّج التي بلغتها أخيراً نتيجة عدم تطبيقها المادة «ز» من مقدمة الدستور التي تنص على توازن الإنماء في المناطق، تربوياً واجتماعياً واقتصادياً، كركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام. ثم نوقشت مشاريع القوانين، وأقرّ مبدأ إعادة تنظيم الواقع الضريبي، فأعفيت الغرامات على ميكانيك السيارات والبلديات وغيرها. وعند طرح قانون إعادة تنظيم وزارة الثقافة، كاد القانون يمر دون نقاش، لو لم يعترض النائب هاشم الذي شرح أن القانون المقترح اليوم هو نفسه، دون أي تعديل تقريباً، الذي قُدّم عام 2001، وهو عبارة عن نسخة غير معدّلة عن قانون وزارة الثقافة الفرنسيّة الذي صدر عام 2000 ثم عدّل مباشرة لاستحالة تطبيقه. ويقول هاشم إن القانون، في صيغته الحاليّة، ينشئ 3 مديريات لها الصلاحيات ذاتها، ولا يشرح ماذا سيحصل إن تضاربت نظرتا المؤسسة العامة والمديريّة العامة، متخوّفاً من أن يكون القانون الذي أقرّ ضمن خطة مبرمجة «للقضاء على ما بقي من ثقافة في لبنان». (يبقى أن نعرف كيف يمكن القضاء على «ثقافة» في مكان بسبب خلافات بيروقراطية)... ثم شرّع المجلس انضمام لبنان إلى اتفاق مكافحة الفساد الصادر عن الأمم المتحدة، مع أخذ ملاحظة عدم تجاوز السرية المصرفية في الاعتبار.
وفي ما يتعلق بالمجلس الدستوري، رحّب النائب غانم باقتراح نجار، مطالباً بتحويله على لجنة الإدارة والعدل لنقاشه، وهكذا كان، ضمن المهلة التي أصرّ الرئيس بري على عدم تجاوزها عشرة أيام.
وفي رأي عضو المجلس الدستوري السابق، سليم جريصاتي، حسناً فعل بري ومعه تكتل التغيير والإصلاح بالدفع في اتجاه مناقشة القانون في لجنة الإدارة والعدل، حيث سيكون أمام مصيرين: إما الاتفاق على إعادة دسترة المؤسسات والتأسيس لجعل الانتخابات النيابية مقدمة لبناء الدولة، وإمّا تحوّل «الدستوري» مرة أخرى مادة تفجير للمجلس النيابي من داخله، فتكرر الأكثرية محاولتها السابقة المجيء بمجلس دستوري أكثري.
وفي رأي جريصاتي، ستكون أولى مهمات المجلس، إذا أبصر النور، النظر في الطعن بقانون الانتخاب. ويفترض وفق جريصاتي، زميل نجار في الجامعة اليسوعيّة، أن يبادر رئيس الجمهورية إلى الطعن بالقانون لا في شق التقسيمات المتفق عليها سلفاً، بل في موضوع الإصلاحات. على صعيد آخر، يستغرب جريصاتي حجة المهل التي توافق التشريعيون عليها لإسقاط اقتراح غانم، وخاصة أن المهل المعطاة في قانون 2006 في شأن المجلس الدستوري هي مهل حثّ لا مهل إسقاط، «والتحدي الأساسي أمام الإدارة والعدل هو منع مثول المرشحين لعضوية المجلس الدستوري أمام النواب».
الخاتمة، على لسان مرجع جبيلي: تسوية المجلس الدستوري بصفته عرّاباً للانتخابات هي المقدمة لتسوية الانتخابات. يصح استنتاجه أو لا؟ الجواب بحاجة إلى وقت، ومقارنة كلام روبير غانم وسواه بين الأمس واليوم قد تحدد الوجهة.


عدد الخميس ٩ تشرين أول ٢٠٠٨