الملحق الاسبوعي: كلمات


في الجمالية عام 1988 يوم حصوله على «نوبل»

القاهرة | أي محاولة لفهم التاريخ المصري الحديث، ستكون ناقصة تماماً إذا تعاملنا فقط مع كتابات المؤرخين ومذكرات الساسة، وأخبار الصحف أو حتى الوثائق المعتمدة والمختومة بختم النسر. الفن وحده القادر على الإصغاء إلى الهمس، إلى الأنين، والغوص في ما لا تدركه العين وحدها. وهكذا لا يمكن فهم المجتمع المصري الحديث بدون قراءة روايات نجيب محفوظ (1911 ــ 2006).

كلمات | العدد ٣٣٨١

رغم مرور 30 عاماً على حصول نجيب محفوظ على جائزة «نوبل»، إلا أن قائمة الاتهامات لم تخفت يوماً. اختصر الإسلاميون الجائزة بأنّها تكريم لهجومه على الدين والذات الإلهية في روايته «أولاد حارتنا». ورأى القوميّون أنها تتويج لدعوته للسلام مع الكيان الصهيوني. ورأى أدباء مثل يوسف إدريس وإدوار الخراط أنّه كاتب محدود القيمة الفنية، روايته محلية الفكر، متوسطة القيمة بالمعايير التي تقاس بها الأعمال الأدبية العظيمة.

كلمات | العدد ٣٣٨١

هل كانت الولادة متعثرة؟ ربما تكشف إجابة السؤال جزءاً من «أسطورة» الاسم. اسم المولود الجديد: نجيب محفوظ!
حكت أمه فاطمة ابنه الشيخ مصطفى قشيبه ـــ كما قال في حوار إذاعي عام 1981 - أنّ الولادة كانت عسيرة وأن الاب التقليدي استدعى الطبيب الشهير وقتها نجيب محفوظ لتوليد الأم، عندما رأى خطراً على صحتها. لكن الأم حكت أيضاً أنهم اختاروا له اسم حافظ نجيب اللص الشهير وقتها، وكان اسمه رناناً في مصر كلها.

كلمات | العدد ٣٣٨١

في مكتبه عام 1961

الاهتمام الذي يبديه نجيب محفوظ بالأم، عبر تناوله العميق لشتى أنماط الأمومة التي ينتجها الواقع الإنساني، يقابله اهتمام ذو توجه متفرد بالأب. والسر في التفرد هو الابتعاد عن المعنى التقليدي المباشر لما تمثله مفردة الأب، على اعتبار أنها جزء من منظومة الأسرة بمفهومها الاجتماعي، والتوقف الجريء الجاد أمام الصراعات التي يخوضها الآباء مع أبنائهم، والمخاطر التي يتعرضون لها، ومردها إلى مزيج معقد من الأسباب والدوافع الاقتصادية والنفسية والثقافية، التي تفضي إلى أشكال متنوعة من التوتر والصراع، بدءاً من الضيق والمرارة وغياب الانسجام والتوافق، وصولاً إلى القتل أو الشروع فيه، مروراً بالعراك العنيف والكراهية المتبادلة والقطيعة التي لا تكون على هذا النحو إلا بين الأعداء الألداء.

كلمات | العدد ٣٣٨١

أناشيد التكية وسراب الصحراء


لقطات تعود إلى عام 1961

على مدى مشوار نجيب محفوظ كله، ترددت نغمة الحنين إلى الملجأ الإلهي المطمئن، سواء في صورة درويش يهيم بين صفحات الثلاثية أو الشيخ علي جنيدي الذي ينصح سعيد مهران في «اللص والكلاب» بأن يضع عنه هموم الدنيا ويتوضأ ويصلي، ثم مِن بعد ذلك كله هناك أيقونته الشيخ عبد ربه التائه الذي وضعَ محفوظ على لسانه خلاصة الحكمة المقطّرة للطريق الطويل.
كما لا يمكننا أن نتذكر «الحرافيش»، من غير أن نذكر الأناشيد الغامضة التي تنبعث من وراء أسوار التكية. فهل يمكننا ـــ بعد الاعتبار لكل هذا ـــ أن نعتبر بعض أعمال محفوظ هي البشارة الأولى للاتجاه الذي حضرَ وسادَ منذ سنوات في الواقع الفني والثقافي، أي تلك الأعمال الفنية المختلفة، بصرف النظر عن مقدار جودتها وأصالتها، التي تعتمدُ مادتها الأساسية على عالم التصوّف ونصوصه ورموزه وأعلامه؟ أم أن الحقيقة غير ذلك تماماً؟

كلمات | العدد ٣٣٨١

في «مقهى علي بابا» (بريشة مولر)

يتجنّب جلال النظر إلى جسده العاري في المرآة ولو صدفة، خاصة في أولى ساعات الصباح. المرة قبل الأخيرة، كانت منذ ثلاث سنوات. الأخيرة كانت قبل ٢٠ دقيقة. إنه الحزن لا المفاجأة، الترهلات التي تحيط بمنطقة الخصر لم يعد تلافيها ممكناً. الهالات السوداء تزين العينين وأسفل الإبطين. أكثر ما يؤلم لدى الرؤية هو منطقة الظهر. الحديقة الحافلة بمعالم أعقاب مخلفات حرق أعقاب السجائر، حديقة وخز الإبر بمختلف أنواعها، بداية من تطعيمات الوقاية من الطواعين في مطلع الاربعينيات، وصولاً الى إدمان الطواعين نفسها، ونهاية بآخرها قبل بزوغ الفجر بقليل بوخزتين تم غرزهمها طبقاً لتعليمات جوسياه زاينر، الشاب الأميركي موظف «ناسا» السابق، والقيادي الروحي لحركة القرصنة البيولوجية، التي توفر فيديوهاته القصيرة إمكانية التعامل المنزلي مع الهندسة الجينية، بتغيير طبيعة حياة الخلايا البشرية المسببة لمعظم الأمراض، والمطورة لنمو العديد من العضلات التي تتعرض سريعاً للضمور. بنحو ٥٠٠٠ دولار، يمكن الحصول على معمل في المطبخ يتيح فرصة التجريب بحرية أكبر في مجال إطالة العمر دون احتكار مافيا شركات الأدوية أو تعليمات عطّاري مطلع القرن العشرين التي تذوق منها الأمرين بشكل شخصي.

كلمات | العدد ٣٣٨١

«بداية ونهاية» هي إحدى أكمل أعمال نجيب محفوظ ببنائها المتماسك وإيقاعها المحكم ونقدها الاجتماعي الموجع، إلى جانب دقة تصويرها الواقعية لحياة الطبقة الوسطى في قلب القاهرة خلال الربع الثاني من القرن العشرين. الرواية هي رابع أعمال محفوظ الاجتماعية بعد «القاهرة الجديدة»، «خان الخليلي»، «زقاق المدق»، يفصل بينها وبين هذه الأعمال رواية واحدة من نسيج مختلف هي «السراب».

كلمات | العدد ٣٣٨١

قلة هم الروائيون الذين توقفوا عن إسقاط نظراتهم، ليمنحوا القارئ تذكرة سفر إلى دواخله بنقل مشهد مفتوح كامل التفاصيل والانفعالات، لا رؤية فيه، يخوض في لانهائية الاحتمالات.
من بين هؤلاء القلة القليلة، أجد نجيب محفوظ. وأصنفه بذائقتي، من أصحاب العبقرية النادرة؛ لا تلك العبقرية التي يكتفي بها أبناء الطبيعة المدللون، بل تلك التي يصقلها أهل العقل والشغف والمثابرة، أصحاب الارادة الفوق بشرية.

كلمات | العدد ٣٣٨١

في إحدى جلسات الحرافيش في التسعينيات

فكر نجيب محفوظ في روايته «أولاد حارتنا» عام 1934. ربما يكون الأمر مدهشاً، بخاصة أن الرواية نشرت في جريدة «الأهرام» عام 1959 أي بعد ربع قرن كامل. هذا ما تكشفه واحدة من الرسائل التي ننشرها هنا. في أيار (مايو) 1934، حملت مجلة «المعرفة» مقالاً لكاتب شاب يدعى نجيب محفوظ يقدم فيه قراءة لرواية جورج برنارد شو «العودة إلى متوشالح». كتب محفوظ ثلاث حلقات عن الرواية، وكيف يمكن توظيف الشخصيات الدينية داخل النص الفني، والصراع بين العلم والدين. مات بطل رواية شو عن عمر 950 عاماً.

كلمات | العدد ٣٣٨١