إدغار مازجي: الأسى بجرعات كبيرة


حسين بن حمزة

"خدمة الغرف" (40 × 40 سنتم ــــ 2013)

يُعيدنا إدغار مازجي (1955) إلى فن اللوحة وفنون المنظر، الذي تستضيفه على مساحاتها، أو لعلها ليست إعادة بقدر ما هي إقامة للفنان نفسه هناك، وتفضيله لممارسات المنظر التقليدية كخيار أسلوبي وشخصي. الرسام اللبناني الذي درس الهندسة في فرنسا سنة 1978، وحصل على شهادة تفوق من «معهد نيويوك للرسم والنحت» سنة 1998، لا يبدو مكترثاً بالانعطافات الدراماتيكية التي تعرضت لهذا اللوحة، وانفجار الفنون المعاصرة في العقود الأخيرة. معرضه الفردي الخامس Lost and Found في غاليري Art on 56 th، هو دعوة إلى التخفف من الصور والممارسات المستجدة التي رسّختها التجارب الجديدة، والاحتفاء بالانطباعات الرائقة التي تصنعها اللوحات الـ 55 الموزعة بين الألوان الزيتية والفحم. هناك محاولة لالتقاط العزلة الشاسعة التي تبثها المشهديات الريفية، وكذلك العزلة التي تتصاعد من الحياة المدينية. لا يُقصي الرسام نفسه من العوالم المعاصرة، لكنه يجد طموحاته في انتظاره في مقترحات جانبية أخرى لا تزال تبثّ نداءات قابلة للرد عليها. هكذا، تحضر الطبيعة الخالية إلى جانب طبيعة تظهر فيها تشخيصات وعلامات قروية. السَّكينة والصمت والتأمل هي المفردات التي تتألف منها مادة هذه الأعمال المنجزة بلطخات عريضة ومشحات لونية رقيقة. اللطخات العريضة عنصر أساسي في تجربة الرسام الذي يلتحق بتجارب أوروبية ولبنانية اشتغل أصحابها على لعبة اللون والضوء والظلال.

أحياناً، نجد تأثيرات فرنسية من مونيه وبيار بونار، ومناخات من فان غوغ، ونثريات مدينية تذكرنا بشخوص لوتريك في الأمكنة العامة، لكن الملامح ممحوّة أكثر هنا، كما أنّ طريقة التلطيخ تضيف نوعاً من التجريد على تأليف هذه اللوحات. يتعزز ذلك بتقطيع المشهد الريفي والطبيعة الخالية إلى مساحات هندسية مكتومة، بينما إنجاز المشاهد ذاتها باستعمال الفحم يُغرقها في حالات رمزية وشعرية. الأمر نفسه يتحقق في رسم الشخوص بالفحم، حيث تزداد القيمة الفوتوغرافية المصحوبة باختزال حركة الشخوص، أو تجميدها في لقطة أبدية. لا شك في أنّ هناك نوعاً من الأكاديمية الصارمة في بعض هذه الأعمال، إلا أنها أكاديمية مستَثمرة بمهارة واضحة من أجل إظهار هوامش غير مرئية على نحو كافٍ. إنها هوامش وجزئيات يُحتفى بها من دون صخب كبير أو بهرجة لونية متمادية. المعجم اللوني الرمادي والكالح، والدرجات الخافتة من الألوان الأخرى، يجعلان الصخب أمراً مستبعداً في المبدأ، بينما الأسى يتناهى إلينا بجرعات كبيرة.

يمكنكم متابعة حسين بن حمزة عبر تويتر | @hbinhamza


Lost and Found: حتى 12 تشرين الأول (أكتوبر) ــ «غاليري Art on 56th» (الجميزة) ــ للاستعلام:01/570331

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | hbinhamza@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com