أزمة العالم العربي بعيون ألمانية برميل بارود لم يحدث من قبل



مصر تشهد صراعاً بين طرفين لا يمكن التوفيق بينهما (محمد عبد المنعم ــ أ ف ب)

التحولات التي يشهدها العالم العربي كانت ولا تزال محل اهتمام المراقبين والباحثين
الألمان، مثل أقرانهم الأوروبيين، ولا سيما بعد توافد العديد من «جهاديي» القارة العجوز إلى سوريا لقتال نظام الرئيس بشار الأسد، حيث باتت معضلة سيطرة العنف الديني مقلقة بالنسبة إلى الألمان الذين يقاتل من مواطنيهم نحو 90 عنصراً في بلاد الشام

معمر عطوي

اهتمت مراكز الأبحاث ومؤسسات المجتمع المدني في ألمانيا بالحراك الشعبي العربي، والمخاطر التي نجمت عنه، ما جعل الأمور تخرج عن عقالها، فصدرت العديد من الدراسات والأبحاث والمقالات والتحقيقات التي تتناول الأزمات التي تعانيها بلدان عربية مثل سوريا ومصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين إلخ، وأظهرت القلق البالغ من تحول إرادة الجماهير لتحقيق الديموقراطية نحو معضلة سيطرة العنف الديني.

في هذا السياق بدأت إحدى روافد مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية (المعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن)، بالعمل على مشروع بحثي كبير بعنوان «تغيير النخبة والتعبئة الاجتماعية الجديدة في العالم العربي»، على أن يُنجز بين عامي 2012 و2015.
المشروع الذي يقوده الدكتور مورييل أيسبورغ، ويقوم بتنسيقه هايكو فيمن، تموّله وزارة الخارجية الألمانية كجزء من تحول الشراكات مع العالم العربي. وتشارك فيه مؤسسة «روبرت بوش»، بالتعاون مع مؤسسة «هاينريش بول»، ومعهد رعاية الموهوبين من مؤسسة «هانس زايدل».
يشير المشروع إلى أنه لأول مرة تنجح التعبئة الشعبية في تحدي مواقف السلطة في عدة أنظمة عربية كانت قد أسّست أجهزة أمنية موالية وتحالفات نخبوية تميزت بالاستقرار. بذلك، تظل الأمور مفتوحة على ما إذا كان تغيير القيادة الناجح في بعض الدول يشكّل في الواقع تغييراً للنظام، وإلى أي مدى هناك تغيير شامل على مستوى النخب؟
ويطرح البحث تساؤلات واقعية عن الواقع العربي الحالي في ظل تغيير قيادات تونس ومصر وليبيا واليمن، طارحاً بعض الأسئلة الجوهرية مثل: «هل هو مجرد تناوب داخل النخب السياسية القائمة أم هناك إشراك لفاعلين جدد؟ ومن هم بالضبط هؤلاء الفاعلون الجدد؟ وهل يمكن أن يستمر تأثيرهم؟ وكيف يتعاملون مع السابقين الذين لا يزالون في هياكل السلطة؟ وهل تخلق التعبئة السياسية هوية وطنية شاملة، أم تُمهّد الأرضية للشعوبية، والتطرّف وتصاعد الصراعات الموجودة؟».
ووفق خطة الدراسة هذه، فإن «هذا الأمر يؤدي إلى تنفيذ تغييرات في الأفكار السياسية في مفاهيم النظام»، طارحة السؤال: هل يوجد بدائل لما تميزت به الأنظمة الحاكمة من استقرار لفترة طويلة؟ وأخيراً في أي شكل يمكن الجهات الخارجية مثل ألمانيا والاتحاد الأوروبي أن تتعاطى مع الأنماط الجديدة؟
يتضمن المشروع الذي تساهم فيه مجموعة من الباحثين والعاملين في مراكز أبحاث ومؤسسات سياسية ألمانية، المحطات الأساسية الحالية في العالم العربي. محطات مفصلية «تؤسس لقطيعة تاريخية في العلاقات بين المجتمعات العربية والنظم الاستبدادية، التي شكّلت، في أجزاء عديدة من المنطقة، ثقافة سياسية خلال العقود الماضية»، حسبما جاء في خطة الدراسة.
حريق إقليمي
نُشرت دراسة للباحث الألماني شتيفن روزيني، المهتم بالشرق الأوسط والشؤون العربية ويعمل لدى معهد «غيغا» للأبحاث السياسية (مقره مدينة هامبورغ الألمانية)، وذلك على موقع المركز الإلكتروني، تحت عنوان «سوريا: من حرب أهلية إلى حريق إقليمي هائل».
ينظر روزيني في بداية دراسته بتشاؤم إلى الوضع في سوريا، قائلاً إنه «في السنة الثالثة للانتفاضة السورية ليس هناك نمط واضح».
وبشأن التوصل إلى حل للأزمة القائمة، يوضح روزيني، الذي أنجز أطروحة دكتوراه عن حزب الله اللبناني، أن «لا النظام ولا الطيف الواسع من قوى المعارضة، يبدو قادراً على الفوز في الصراع المُدمّر على السلطة. كثير من المؤشرات تبيّن أنه في النهاية لن يكون هناك سوى خاسر. في الصراع السوري ثمة تورط واضح للعديد من الجهات الخارجية، التي إما تدعم النظام أو الأطياف المختلفة من المعارضة، ديبلوماسياً وعسكرياً ومالياً. وبالتالي من العصيان المدني إلى الحرب الأهلية أصبحت سوريا في حالة حرب بالوكالة».
ويستنتج الدكتور روزيني أن سوريا هي اليوم المسرح المركزي للصراع من أجل بناء النظام الجديد في الشرق الأوسط بعد «الربيع العربي»، مشيراً إلى أن «معاناة السكان والتدمير الكبير الذي يحصل لا يمكن تصوره».
لكنه مع ذلك يرى أنه ينبغي وضع حد لجرائم القتل التي يقوم بها أناس من الخارج، والعنف المسلّح ومعاقبة مرتكبي الجرائم قانونياً وعسكرياً.
ويقول إن «الشك في الأسباب السياسية والنتائج العكسية، يُحتّم أن يكون البديل هو التدخل سياسياً على نطاق واسع، وأن يدفع أصحاب الشأن إلى تجنب الوسائل العسكرية والتوسط للعمل على إيجاد مفاوضات سياسية لتقاسم السلطة».
الإسلام المتشدد
في صحيفة «دراديو» الإلكترونية، أجرى الصحافي آندري هاتينغ، حواراً مع الخبير الألماني في شؤون المنطقة رئيس مركز البحوث حول العالم العربي، غونتر ماير، تحت عنوان «الجهاديون مجهزون بأسلحة جيدة للغاية».
يحذّر الخبير الألماني من تصاعد التسلح في أوساط الإسلاميين المتشددين في سوريا، مشيراً إلى أن تحقيق الأمم المتحدة في استخدام الأسلحة الكيميائية في خان العسل في ضواحي العاصمة السورية دمشق، لم يؤكد أن نظام الأسد هو الذي ارتكبها، مشيراً إلى أن القرار الصائب يكون بوقف إرسال الأسلحة الغربية إلى سوريا.
يقول ماير في المقابلة: «منذ شهرين، أوضح (رئيس فرنسا فرنسوا) هولاند، أننا نرسل أسلحة إلى ثوار علمانيين أو معتدلين، لكن مع ذلك عليهم أن يكونوا حذرين، إزاء الجماعات المتشددة الإسلامية الجهادية، التي تختفي في المناطق ذات الصلة. وهذا وهمٌ تام»، مشيراً إلى أن القوى الأبرز في إطار التنظيمات الجهادية المُسلحة في سوريا هي تنظيم النصرة القريب من تنظيم القاعدة.
ويلفت الخبير الألماني إلى العديد من «الجماعات المتطرفة للغاية» الأخرى التي قد تأتي معظمها من الدول العربية «السنية»، مثل أولئك الذين اكتسبوا خبرة من القتال في العراق وليبيا، مؤكداً مشاركة ما بين 70 و90 «جهادياً» ألمانياً يقاتلون إلى جانب المتمردين الإسلاميين ضد النظام في سوريا.
نتيجة تدخلات الغرب
وفي صحيفة «برلينر» الواسعة الانتشار، بدا المؤرخ غوتز آلي، متشائماً خلال عرضه لنتائج الربيع العربي؛ إذ يقول في مقالة بعنوان «مفاوضات شرق أوسطية»، إن «ليبيا التي من المُفترض أنها تحرّرت لا تزال تشهد ممارسة الاستبداد الوحشي والتعذيب والفوضى وانعدام الكفاءة والتعصب الديني، وليس هناك سلطة مركزية». ويلفت إلى الوضع الاقتصادي حيث شهدت ليبيا، الدولة الغنية بالنفط، تراجع صادرات النفط بنسبة 90 في المئة. وساد البؤس والسرقة وعمليات القتل اليومية والخطف. ويستنتج الكاتب أن نتائج التدخلات الغربية لم تحقق الحرية وحقوق الإنسان والازدهار، بل يجري إخفاء ذلك بحكمة.
تغيير دموي
المحرر السياسي في صحيفة «فرانكفورتر ألغيماينة» رينر هيرمان، كتب العديد من المقالات التي تتناول ما يدور في البلدان العربية، منها مقال نُشر في 16 آب الماضي بعنوان «تغيير دموي»، يرى فيه أن مصر تشهد صراعاً بين طرفين لا يمكن التوفيق بينهما: الديموقراطية العلمانية بالمعنى الغربي، والإسلاميين الذين يتجذرون في المجتمع ويحولون سلطتهم من حكم ديموقراطي إلى حكم الغالبية للأقلية، حيث يخسر المسيحيون، مشيراً إلى أن الطرفين بعد 3 سنوات من إطاحة الرئيس حسني مبارك لم يتوصلوا إلى صياغة لغة مشتركة.
يختصر الكاتب المهتم بشؤون الشرق الأوسط، وصف الوضع في العديد من البلدان العربية بأن الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين يتشابك مع تشكيلات أخرى تضر بالتطور السلمي. ففي ليبيا ترسانة هائلة من الأسلحة تملكها ميليشيات في ظل غياب سيطرة سلطة مركزية قوية، وفي اليمن تشكل حرب تخوضها طائرات من دون طيار (أميركية) ضد تنظيم القاعدة، خطراً على إمكانية حصول إجماع بشأن «الحوار الوطني». وفي سوريا والعراق تقوم «القاعدة بتوسيع نفوذها على نحو دراماتيكي. وفي تونس يسود التوتر بعد اغتيال اثنين من المثقفين العلمانيين (شكري بلعيد ومحمد البراهمي).
ولعل العبارة الأهم التي تختصر وضع الأمة العربية في مقالة هيرمان قوله: «في السنة الثالثة من الربيع العربي، أصبح العالم العربي برميل بارود كما لم يحدث من قبل في التاريخ الحديث».

يمكنكم متابعة معمر عطوي عبر تويتر | [email protected]


«السنّة ضد الشيعة»

في بحثه بعنوان «السنّة ضد الشيعة. سياسة السلطة تغذي المعارضة الطائفية»، يرى الخبير الألماني غيدو شتاينبرغ (الصورة)، أن الصراع بين السنّة والشيعة في الشرق الأوسط ينطلق على أساس العداوات الدينية القديمة. ويقول في بحثه الذي نشرته صحيفة «دي تسايت»، إن هذه الصراع يغذّيه الإسلاميون السنّة بدوافع سياسية مناهضة لإيران من السعودية.
ويقول الباحث الزميل لدى «المعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن» في برلين، إن تزايد الأعمال العدائية الطائفية لها سبب آخر يكمن في سياسة السعودية، التي تُعتبر اليوم القوة الرائدة في المعسكر السنيّ.
ويشير إلى أن حكومة المملكة منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، جعلت سياسة «مناهضة التشيّع» قضية سياستها الإقليمية.
(الأخبار)

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]