أنا ذئبك يا صاحبي


سعد هادي

«إنها تمطر رجالاً» لنيكول إيزنمان (زيت على كانفاس ــ 61 × 45.7 سنتم ــ 1999)

لاحظت وجوده منذ شهر، يأتي الى المقهى كل يوم، يدخل بعدي بقليل، يرتدي معطفاً ويعتمر قبعة ويضع على عينيه نظارة سوداء، لا يظهر من وجهه سوى ذقن مدبب تنمو عليه شعيرات خشنة، يسير ببطء متوكئاً على عصا ثم يجلس أمامي ويستمر بالتحديق في وجهي. حاولت تجاهله في البداية. غيَّرت مكاني أكثر من مرة. تأخرت في الحضور. لم أحضر لأيام، ولكنه لم يعبأ بما فعلت. ظل يواصل النظر باتجاهي بينما ترتسم على شفتيه ابتسامة بلهاء. كان يتبعني حين أخرج، يسير خلفي لوقتٍ ما ثم يختفي دون أثر. لم أره يتكلم أبداً. لا يلتفت. لا يقرأ الجرائد. لا ينظر إلى المارة في الشارع بل يواصل مراقبتي.
في احدى الليالي رأيته في الحلم، في يده فانوس يصدر عنه ضوء أحمر. سرت خلفه، سألته: من أنت؟ فلم يرد. أخرجت خنجراً وطعنته فسقط على الأرض وهو يضحك، تلطخ كل شيء بالدم وانكسر الفانوس ولكنه ظل يضحك.
حين استيقظت قررت أن أتكلم معه وأسأله لماذا يطاردني. ذهبت إلى المقهى وجلست بانتظاره، جاء بعد دقائق، سار بخطاه البطيئة وجلس الى جانبي، لا أحد في المقهى سوانا، سألني دون أن يلتفت إليّ لماذا أفكر بقتله، قلت: لم أفعل ذلك، مجرد حلم عابر لا أتذكر معظم تفاصيله، جاءه الساقي بكوب الشاي فشربه وهو ساخن بجرعة واحدة وظلَّ صامتاً.

سألته: لماذا تجلس أمامي دائماً؟ ما الذي يدعوك لمراقبتي؟ ابتسم بغموض وقال: كنت أعتقد أنك تتذكرني، نظرت الى وجهه بإمعان، حاولت أن أتذكر أين رأيته من قبل ولكني لم أستطع، لاحظت أثر جرحٍ قديم يبدأ من أعلى عينه اليسرى ويمتد على صدغه وخدّه ورقبته، لاحظت أيضاً أن يده اليسرى تمسك بالعصا بمقبضٍ صناعي يخفيه قفّاز. قلت: لا أتذكرك بل لا أعتقد أنني رأيتك من قبل.
قال وهو يبتسم: سأذكّرك إذاً، ألم تكن جندياً قبل سنوات؟ قلت: نعم، وذكرت له أنني قضيت زمناً طويلاً من حياتي جندياً، حدث ذلك خلال حرب السنوات الثمان، تنقلت بين جبهات القتال من الشمال الى الجنوب، شاهدت الكثير من الفظائع، رأيتُ جثث القتلى وأجساد المجروحين، نمتُ في خنادق عفنة، رأيتُ القذائف وهي تتساقط في كل مكان، لم أتنفس سوى الدخان لأيام طويلة، لم آكل، شربت ماء البرك، سرت بقدمين واهنتين بين حقول الموت حتى انتهت الحرب ولكنها ظلت تعيش في داخلي. أصغى لما قلته دون أن تختفي ابتسامته. سألني ما هو أقسى ما أتذكره من كل تلك الفظائع، قلت: كنا في دورية قتالية في إحدى الليالي، سرنا في ممر جبلي يطلّ على وادٍ عميق، حدث قصف مفاجئ فتفرقنا، اختبأنا أنا وجندي آخر خلف صخرة، كان مستجداً، التحق بسريتنا قبل أيام، نحيف وخجول.
انتهى القصف فخرجنا ولكننا لم نعثر على الجنود الآخرين، لمحنا ما يشبه جمرتين في الظلام، كانتا تقتربان منا ببطء، ثم ارتفعتا الى الأعلى وسقطتا وأعقب ذلك صوت تدحرجٍ عنيف وما يشبه عواء ذئب، سمعت زميلي يستغيث، تعثّرت وأنا أحاول أن أفعل شيئاً، صرخت بجنون: أين أنت؟ لا تذهب بعيداً، أعطني يدك، ولكنه لم يرد، بعد دقيقة أو أقل تحوَّل صوته إلى أنين بعيد ثم تلاشى، اختبأت في حفرة حتى الفجر، رأيت حين خرجت دماً على الأرض وبقايا لحم بشري وآثار مخالب، نظرت إلى الهاوية التي تقع أسفل الممر الصخري فلم أر شيئاً، بقيت هناك حتى يئست، كررت ندائي: أين أنت يا صاحبي، ولكن لا إجابة، لا حركة، لا شيء سوى الصدى، لم يُعرف مصير ذلك الجندي، لم يُعثر على جثته. في إفادتي الرسمية قلت إن ذئباً على الأرجح انقض عليه وسقط معه في الهاوية، ظلّت وقائع تلك الليلة تلاحقني حيثما ذهبت، ما زلت أشعر بالرعب، ما زالت أصوات الظلام تتردد من حولي، ما زلت أسمع ذلك الفتى وهو يطلب مني إنقاذه فلا أستطيع.
قال الرجل: أنا أيضاً أتذكر تلك الوقائع. نظرت إليه، لم يكن يمزح، سكت لبرهة كأنه يتذكر ثم روى لي تفاصيل ما حدث، حدَّد المكان بدقة، من أين جئنا، متى حدث القصف، كيف اختبأنا خلف الصخرة، كيف خرجنا، سألته كيف عرف ذلك كله، ردَّ ببساطة: كنت هناك، سألته: هل كنت في الدورية؟ قال: لا، قلت: هل راقبتنا عن بعد أم قرأت تقريراً عما حدث؟ هزَّ رأسه نافياً، قلت: لم يبق الا أن تكون ذلك الجندي وقد نجوت بطريقة ما مع أنك عجوز ولو عاش هو فلن يتجاوز الأربعين.
رفع رأسه الى الأعلى وضحك كأنه يعوي ثم نهض وخلع معطفه الأسود، كان جسده جسد ذئب، مغطى بفروٍ رمادي خشن وكان وجهه مغضناً وطويلاً مثل مثلث، قال: هل عرفت من أنا الآن؟ أنا الذئب الذي افترس صاحبك، لم أر مثله، دافع عن نفسه حتى الرمق الأخير، تدحرجنا معاً وسقطنا في الهاوية، لم نمت حالاً، بقينا في قعرها، يأكل أحدنا من جسد الآخر حتى تحوَّلنا الى كائن واحد، ذئبٌ بشري أو إنسان في هيئة ذئب، لا فرق، كلانا لم يمت، لست الآن واحداً ولست اثنين، أنا كائن ملتبس في زمن ملتبس، كثيرون مثلي صنعتهم الحروب، يتجولون بمعاطفهم، حاملين ذكريات الموت ودخان المعارك وعفونة الجثث، لا يذهبون الى أي مكان بل يطاردون أشخاصاً محددين، أشخاصاً مثلك.
لكل رجل ذئب يتبعه، ذئب ذكرياته. أنا ذئبك اللدود يا صاحبي، لقد افترستك أيضاً في تلك الليلة، هربتَ بعيداً وعشتَ ولكنك لم تنفصل عني، سنظل متلازمين، سيظل جسدانا مطروحين في الهاوية، ينظر كلٌّ منا الى الآخر، سنأكل لحم بعضنا ونستمر في ذلك الى ما لا نهاية.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]