أزمة النفايات: محاولة لوضع الأمور في نصابها


سامي عطاالله

من الواضح أن استمرار أزمة النفايات التي ملأت شوارع لبنان بالقمامة العفنة هو تجسيد لما هو خطأ أساساً في البلاد، والمتمثل في وجود طبقة سياسية لا ترى أي مصلحة في خدمة المواطنين. فلقد تعمّد السياسيون اصطناع هذه الأزمة لأنهم اختلفوا على قالب الحلوى وكيفية تقسيمه في ما بينهم. وبسبب عجز الزعماء اللبنانيين عن التوافق، لجأ بعضٌ منهم إلى الخطاب الطائفي كأداة لصرف نظر الرأي العام عنهم والتغطية على ذنوبهم.

وأتى آخرون بموقف غير مسؤول حيث اعتبروا أن البلديات التي كبّلتها النخبة ذاتها على مدى سنوات مدعوّة إلى الاضطلاع بمسؤولية معالجة النفايات، كون النخبة قد فشلت في القيام بذلك. ودعا آخرون المواطنين ومنظمات المجتمع المدني إلى إيجاد حلّ لأزمة النفايات، وهي خطوة أدّت فقط إلى تسليط الضوء مجدداً على إفلاس النخبة في حكم البلاد.
إن جبال النفايات في تزايد مستمر، وحتى الآن لم تتم مساءلة مسؤول واحد عن الأزمة. وفي موقف ساخر، جرى تجنيد فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، الذي من واجبه حماية البلاد من أعمال الإرهاب، لاعتقال أربعة مواطنين تجرّؤوا على رمي القمامة التي خلّفها في الشارع مسؤولون على أحد الوزراء. ويهدف ذلك الى تذكير الناس، في حال نسوا ذلك، بأن الضعفاء والمستضعفين الذين يعانون بشكل غير متناسب من الأزمة يحاكمون، فيما يتجوّل الأغنياء وأصحاب السلطة الذين تسبّبوا في المشكلة بكل حرية.
تعود جذور المشكلة الى منتصف التسعينيات عندما تعاقدت الحكومة مع شركة خاصة لجمع النفايات في بيروت بضعف المبلغ الذي كانت ستفرضه البلديات. لكن الحكومة اختارت تجاهل الأرقام. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت قيمة العقد بشكل أسرع من نطاق العمل المنصوص عليه أساساً في العقد مع الشركة الخاصة الذي بدأ بمبلغ 3.6 ملايين دولار في عام 1994، وارتفع إلى أكثر من 150 مليون دولار اليوم. في الواقع، كانت تكلفة جمع النفايات الصلبة ترتفع بمعدل 5٪ من حيث القيمة الحقيقية منذ عام 2002. علاوة على ذلك، خلا التلزيم من أي مناقصة تنافسية، وبقيت تفاصيل العقد سرية. ونتيجة لذلك، يدفع اللبناني أعلى كلفة في العالم مقابل جمع طن النفايات.
علاوةً على ذلك، قررت الحكومة استغلال موارد الصندوق البلدي المستقل، وهو الصندوق الائتماني المخصصة أمواله لجميع البلديات، من أجل دفع الفاتورة. وبما أن الشركة الخاصة لن توفر الخدمات لجميع البلديات في البلاد، أصدرت الحكومة مرسوماً (المادة الأولى من المرسوم رقم 3038 لعام 2000) يعطي مجلس الوزراء صلاحية إنفاق أموال الصندوق البلدي المستقل على أعمال قد تفيد بعض البلديات وليس كلها. واعتبر ديوان المحاسبة أن التعديل المذكور أعلاه ينتهك المبدأ القائل بأن الاقتطاعات يجب أن تعود بالفائدة الى كافة البلديات، كما جاء في المرسوم 1917 لعام 1979.
بعد اعتماد قانون الموازنة رقم 326 لسنة 2001، سمح للحكومة بمطالبة البلديات التي تستفيد من خدمات جمع النفايات الصلبة بنسبة 40٪ من حصتها من الصندوق البلدي المستقل. والغريب في الأمر هو أن 40٪ من حصة البلدية من الصندوق البلدي المستقل ليس لها أي علاقة بالتكلفة الفعلية لجمع النفايات في تلك البلدية. بعبارة أخرى، لا يعرف المواطنون إذا كانت التكاليف المفروضة على البلديات هي أكثر أو أقل أو مساوية للتكلفة الفعلية التي تتكبدها الحكومة.
عند النظر عن كثب الى الأرقام، نرى أن مجموع المبلغ المحصّل من حصص البلديات من الصندوق البلدي المستقل يغطي حوالى 22٪ من التكلفة الفعلية لجمع النفايات في عام 2009. وعندما سألت وزارة المالية مرةّ كيف تتم تغطية نسبة الـ78٪ المتبقية، قيل لي إن مجلس الإنماء والإعمار يدفع الباقي ولكنه يسجله كدين على البلديات. إذاً لا تكتفي الحكومة باستخدام أموال البلديات وحسب، بل تمتنع عن إطلاعها على التكلفة الحقيقية للخدمة التي تقدمها، وبأنها تراكم الديون مقابل خدمة لم تطلبها.
والأسوأ في القصة كلها هو أن الحل المطلوب لأزمة النفايات واضح ومباشر. يحتاج لبنان الى استراتيجية وطنية للتعاطي مع النفايات بشكل عام وتحديد الدور الذي يجب أن يُسند إلى أصحاب المصلحة الرئيسيين. أولاً، جرى التركيز بشكل مفرط على جمع النفايات، ومعالجتها، والتخلص منها، فيما لم يتم التركيز إلا قليلاً، لا سيما من قبل منظمات المجتمع المدني، على كيفية الحد من النفايات، وإعادة تدويرها، واستعادة الموارد. وآخر الإجراءات المرحلية لإزالة النفايات من بيروت ودفنها في جميع أنحاء البلاد في مواقع غير نظامية دليل صارخ على هذه العقلية. وعوضاً عن الإيحاء بأنه يتم اتخاذ الاجراءات لمواجهة هذه المرحلة المحددة من الأزمة، على الحكومة أن تضع إطار سياسة تعكس أهدافاً مستدامة.
وتحقيقاً لهذه الغاية، يمكن جمع النفايات بطريقة لامركزية على مستوى البلديات بتكلفة أقل بكثير من تلك التي تُدفع للشركات الخاصة. كذلك يجب إعطاء الإدارات المحلية الحوافز للقيام بذلك، بدءاً باستعادة حصتها من الصندوق البلدي المستقل. أخيراً، نحن بحاجة إلى العمل على تغيير ذهنية المواطنين حول كيفية التعامل مع النفايات عند المصدر. وتبدأ العملية برفع مستوى التوعية بشأن الحد من النفايات وفرزها في المنزل.
وفي حين أن بعض البلديات ومنظمات المجتمع المدني، والعديد من المواطنين، قد اتخذوا إجراءات لمعالجة هذه المشكلة من خلال هذه التدابير، تبقى الحكومة غائبة حتى عن دعم هذه المبادرات. ومن خلال فشلها في القيام بذلك، تساهم النخبة السياسية في تفكّك الدولة من خلال تغييب دورها، لا سيما إذا أضفنا الى ذلك مسألة ضعف البنية التحتية من ناحية توفير المياه، وإنتاج الكهرباء، والطرق المزدحمة، وغيرها من الأمور. أما بالنسبة الى المواطنين، فيجب أن يتذكروا خلال الانتخابات المقبلة أنهم إذا استمروا في التصويت بالطريقة نفسها، فسيكون مصيرنا مزيداً من النفايات المماثلة. علينا اتخاذ قرار.
* المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com