تصريح السمندل



٣٠/١٠/٢٠١٥

أصدرت "السمندل" في شهر كانون الأول من العام ٢٠٠٩، كتابها السابع، بِدَعم مِن وزارة الثقافة اللبنانية ضمن فعاليات "بيروت عاصمة عالمية للكتاب".وقد صدر هذا الكتاب بالتعاون مع دار النشر البلجيكي "l'employé du Moi" ودعم من المركز الثقافي الفرنسي في بيروت ووزارة الثقافة البلجيكية في بروكسل. كان هذا الكتاب ثَمَرَة تَعاون بين فنَّاني قصص مصوَّرة في لبنان وبلجيكا دام لمدة عامٍ كامل، وقد تَضَّمَن العديد من المحاضرات وورشات العمل، أُطلق بعدها الكتاب ضمن معرض في المركز الثقافي الفرنسي بدعم من الأونيسكو.

بعد أربعة أشهر من اطلاق الكتاب، إتَّهَمَت النيابة العامة في لبنان ثلاثة محررين (من أصل أربعة حرروا هذا العدد من "السمندل") بالتالي:

أ- التحريض على الفتن الطائفية

ب- إزدراء الأديان

ج- نشر أخبار كاذبة

د- التشهير والقدح والذم

وبعد خمس سنوات من الإجرائات القانونية، تمت ادانتنا وفق الفقرة ٢٥ من قانون المطبوعات، وقد غرمّنا في ٢٨ نيسان ٢٠١٥ مبلغاً وقدره عشرة ملايين ليرة لبنانية لكل فرد (٢٠٠٠٠ دولار أميركي للكل)، أو ما يعادل سنتين وتسعة أشهر في السجن. تمت هذه الإدانات بتحريض من مؤسسات دينية ومساعدة الدولة، وها هي الآن تُهدِّد مَصير عَمَلِنا في القصص المصورة الذي دام لمدة عقد كامل من الزمن.

في العام ٢٠٠٧ بدأنا "السمندل"، كمنظمة غير ربحية تقوم على العمل التطوعي، وذلك من إحساسنا، بضعف الإهتمام بمجال القصص المصورة في بلادنا. أردنا أن نخلق منصة تحكي حكايات من لبنان والشرق الأوسط، بالإضافة إلى نشر قصص مصورة مستقلة من كافة انحاء العالم للقارئ المحلي. نظمت "السمندل" إلى جانب نشر القصص المصورة، العديد من ورش العمل، بالإضافة الى جلسات رسم جماعية وتبادلات بين فنانين محليين وأجانب، ومحاضرات وغيرها من النشاطات التي فتحت أبواب الحوار بين فنانين من مجالات مختلفة. ولقد أطلقنا، بالإضافة إلى ذلك مهرجان "بيروت متحركة" البيانالي بالتعاون مع سينما ميتروبولييس.

لذا، كان من المفاجئ أن نكتشف بأن الدولة قد ادَّعَت علينا بتهمة التحريض على الفتنة. بدأ الأمر برسالة أرسلها وزير الإعلام إلى وزير العدل، يطالب فيها برفع دعوى ضد "السمندل" بخلفية وجود رسمتين في قصتين مختلفتين، وجدتها بعض "الشخصيات المسيحية" مسيئة للدين. وقد أحال وزير العدل بدوره القضية الى المدعي العام في محكمة التمييز.

مع العلم بأن القصص المصورة التي أُدنّا من أجلها، تتناول مواضيع مختلفة تماماً، ويذكر فيها موضوع الدين ذِكراً عرضياً، الا أنها أُخذت من خارج سياقها كدليل على الهرطقة والإزدراء. أردنا أن نضع هذه القصص ("وصفات لبنانية للإنتقام" من تأليف لينا مرهج و"ايكيه هومو" من تأليف فالفريت) كاملةً بين أيديكم لكي تحكموا بأنفسكم عن طبيعتها المخلة بالآداب، غير أن نشرها مجدّداً قد يعرّضنا لترداد الكارثة القضائيّة التي حلّت بنا.

برغم من جهود محامينا ومرافعاته المُحكَمة قانونياً، استَنَدت المَحكَمة على قانون الرقابة اللبناني حَمَّال الأوجُه. ولإرضاء فوج من الموظفين العموميين، قررت معاقبتنا وأخذ إجرائات بحقننا تنتهك القانون وتتضمن:

١- إصدار ثلاث مذكرات إخضاع بحق محرري "السمندل". هذه المذكرات هي وثائق غير قانونية أصدرها الأمن العام رغم قرار وزاري يأمر بإلغائها (بتاريخ ٢٤/٧/٢٠١٤). تُعطي هذه المذكرة الأمن العام السلطة لتأخير المعاملات الرسمية، سحب جوازات السفر، وتعريض من قُيِّد بها للمضايقات. وتصدر هذه المذكرات في غالب الأحيان بحق ناشطين في مجال حقوق الإنسان ومحامين وفنانين كطريقة لتهديدهم وحصر نشاطهم.

٢- في مثل هذه القضايا، يحمل قانون المطبوعات اللبناني عادة المسؤولية القانونية على الكاتب أو الرسام صاحب المواد المسيئة، (بالتالي السيدة مرهج - وهي أيضاً من محرّري "السمندل" - والسيد فالفريت)، ومن ثم تأتي المسؤولية على الناشر، أي في هذه الحالة جمعية "السمندل". لكنّه تم تجاهل هذه القوانين، وتَحَوَّل التَجريم مباشرةً على المحررين الثلاثة شخصياً، مُحمِّلًا اياهم إدانات وغرامات مضاعفة ثلاث مرات.

٣- لم يُعطى الحق للمحررين المذكورين بالمثول أمام المحكمة والإدلاء بشهاداتهم، حتى بعد تقديم طلبات رسمية عديدة بذلك، كما وأن المحكمة رفضت طَلَبَنَا استدعاء الكُتَّاب المذكورين إلى منصة الشهود.

يدَّعي البعض بأننا أنشئنا منصة "السمندل" لكي نزدري الأديان، وهذا بالطبع اتهام ساذج وعبثي، إذ أن غِنَى منشوراتنا وتنوعها وحده يثبت العكس. نحن نحترم جميع الأديان بالتساوي، ولا نسعى أبداً لإهانتها بأي شكل من الأشكال، لكننا ننظر بِكَثير من الإحتقار لؤلئك الذين يستعملون الدين كأداة للسلطة والتأثير الكاذب على الرأي العام.

يُعتبر إتهام "السمندل" بإهانة الدين المسيحي محاولة لوضعنا في مواجهة مع المسيحيّة والأديان بشكل عام، والحقيقةُ هي أن بعض الأشخاص في السلطة قرّروا قراءة العمل بشكل مضلل بهدف إحتكار الحوار وتحييد الأنظار عن قلّة كفائتهم في الحكم والتشريع، وعن ممارساتهم الفاسدة وتلويحهم بالفتنة الطائفية كلّما وأَتتهم المصلحة بذلك. إنه لمن المضحك-المبكي ان تُتَّهم منظمة غير ربحية تقوم بنشر قصص مصورة "بجرائم" يرتكبها يومياً عشرات السياسيين وقنواتهم الإعلامية. لقد إنْتُزِع الدين من أيدي المصلّين وأُخِذَ إلى خناق مؤسسات الدولة، مُحوِّلًا النقاش إلى صيغة ضيقة، يكون فيها الفرد "إما مع أو ضد"، دون أن يُعطى أدنى حريّة للنقاش والمحاورة. نحن في "السمندل" نرفض أن نكون طرف في مثل هذا الحوار إذ أن "السمندل" تأسست منذ البداية لخلق حوارات بديلة وفضاء لتبادلات أغنى وأوسع تُأثر وتَتَأثر من محيطها.

هذه القضية هي واحدة من القضايا الكثيرة والممارسات الظالمة التي تتخذها السلطة إعتباطياً لقمع الفنون وإسكاتها. ثمّة ضرورة ملِّحة بنظرنا لإنشاء توازن بين مخاطر الرقابة والقمع الممارسة على الفنانين من جهة، وبين حقوق من قدّم الشكوى وحساسية الأديان والمقدسات من جهة اخرى. وهذا توازن تزيد ضرورته حين يكون المدّعي مؤسسة رسمية، أو شخصية دينية او اقتصادية واسعة السلطة. ففي هذه الحالات، يصبح المُدَّعَى عليه في خانة الخطر، فيما لا يمسّ المُدَّعِي أي نوع من ملاحقة او مسائلة.

بسبب قانونِ رقابةٍ عافَ عليه الزمن، وبسب التطبيق المُجحف لهذا القانون أصبَحَت "السمندل" الآن مُهَددة بانهيار وشيك. ربما سيكون العدد الجديد "جغرافيا" آخر فرصة لنا للنشر لأن ميزانيّتنا تعرضت للشلل بسبب هذه القضية.

لكن شغفنا بالقصص المصوّرة لن يتأثر بهذه الحادثة ونأمل أن نرفض هذه الأحكام الصادرة بحقنا عبر استمرارنا بالمزيد من النشر، والمزيد من التطور والتوسع، وذلك لا يكون الا بمساعدتكم ودعمكم. في السابق، ازدهرت "السمندل" بسب دعم محبيها، وها نحن الآن نسأل منكم المساعدة لإطلاقها مجدداً. نأمل أن تساعدنا حملة تمويل جماعي crowdfunding للنهوض مجدداً وبالإضافة الى ذلك نشر عددَين جديدَين. اذا أردتم مساعدتنا، الرجاء التبرّع ضمن حملتنا على الانترنت.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com