سوريون أمام «الاحتياط» العسكري: ليت الواجب خيار



أليس لهؤلاء المقاتلين طوال السنوات الماضية عائلات أيضاً؟ (أ ف ب)

مع ازدياد الجبهات المشتعلة، تتنامى الحاجة إلى أعداد إضافية من المقاتلين، بما يكفي لسدّ الثغَر المحتملة في وجه التنظيمات التكفيرية. ارتأى المعنيون الحلّ بتكثيف «حملات السحب» إلى قوات الاحتياط من شوارع دمشق، غير أن تطبيق الحل بدا مؤلماً في بعض الحالات وغير مدروس

مرح ماشي

دمشق | يشق صراخ حنان، المرأة الثلاثينية والأم لطفلين، صمت العاصمة السورية التي تميل إلى الهدوء مع حلول المساء. بكاء المرأة وصراخها تزامنا مع وقوفها أمام الحاجز العسكري برفقة زوجها وطفليها، بانتظار نتيجة فحص البطاقة الشخصية لزوجها، ثم اكتشاف أنه مطلوب إلى قوات الاحتياط في الجيش السوري. عناصر الحاجز اقتادوا على الفور الرجل أمام عائلته، من دون السماح له بإيصالهم إلى البيت.

تؤكد المرأة أن طريقة اقتياد الرجال إلى أداء الواجب بهذه الطريقة لا تليق بمن سيكونون أبطالاً بنظر الشعب. وتضيف: «أليسوا حُماة الوطن؟ ألا يستحقون الاطمئنان على سير الأمور في حياة عائلاتهم قبل الذهاب إلى المهمات الخطرة التي يكلفون بها؟». لن يعي الطفلين، بحسب حنان، «إن كان والدهما مجرماً استحق اعتقالاً، أم بطلاً ومشروع شهيد مقدس، في بلاد لا تتعاطى مع كل شهدائها، والأحياء منهم أيضاً بما يليق». وتصرّ المرأة على أن زوجها «لم يكن قد تبلّغ بعد عن وجوب الالتحاق بالخدمة العسكرية في قوات الاحتياط، وأن اقتياده إلى الخدمة بدا صدمة للعائلة». وتضيف: «لن أنسى نظراته المذهولة، وشعوره بالعجز حيالنا. ولن أنسى أسئلة طفليّ: ماما. ليش أخد عمّو الجيش بابا؟».

المجرمون و«المتخلّفون»

لا يخفى أن التحاق رجال في عمر الأربعين أو يتجاوزه بقليل، بالخدمة العسكرية، يؤثر سلباً على حياة مئات الآلاف من العائلات التي تغالب للصمود، باعتبارهم أرباب أسر يعيلونها. وبحسب أحد العسكريين القائمين على رأس عملهم في الجبهات المشتعلة شمال البلاد، فإن «حرب الاستنزاف التي تشهدها البلاد تفرض على الشعب والجيش والقيادة التكاتف للدفاع عن الوطن في وجه المدّ التكفيري». ويرفض اتهام الحملة القائمة لزيادة عدد قوات الاحتياط بـ«الاعتباطية»، إذ إنها «تتم بحسب حاجة التشكيلات العسكرية، رداً على النقص الحاصل بسبب الإصابات واستشهاد بعض أصحاب الاختصاصات». ويحدد الضابط عقوبة من يتخلف عن خدمة الاحتياط، وفق القانون، بفصله من الوظيفة، إن كان موظفاً، وعقوبة السجن لمدة خمس سنوات، إضافة إلى غرامة مالية، إن لم يكن موظفاً. ويضيف: «يعود الموظف إلى عمله بعد انتهاء خدمته العسكرية، إن كان مثبتاً في وظيفته». ويجيب أخيراً عن أحد الأسئلة بالقول: «ليس النقص العددي هو السبب الوحيد الذي يستدعي الحاجة إلى قوات الاحتياط. إنما يقع على عاتق الجيش تسريح دفعات كبيرة من مقاتلي الخدمة الإلزامية الذين تم الاحتفاظ بهم على جبهات القتال مدة تزيد على خمس سنوات. من يتم القبض عليهم على الحواجز هم مطلوبون أمنياً أو متخلفون عن الخدمة الإلزامية والاحتياط». ويسأل الضابط: «أليس لهؤلاء المقاتلين طوال السنوات الماضية عائلات أيضاً؟ ألا يستحقون أن يبدأوا حياة جديدة استمتع بها غيرهم خلال فترة قيامهم بواجبهم؟ أليس هذا الواجب يلاحق السوريين جميعاً وليس هؤلاء الأبطال الذين أدوا واجبهم بصمت وتضحية؟».

بين متخلّف و«شُجاع»

ورغم أن الكثير من السوريين لديهم تحفظات على الأسئلة المطروحة في الشارع رداً على الحملة التي استهدفت شباب دمشق أخيراً، غير أن غياب العدالة في سحب الشبان يدفع البعض إلى التململ من الخدمة العسكرية، ولا سيما في ظل غياب هذا الواجب عن المسؤولين وأبنائهم وذويهم، في مشهد جعل، سامي، أحد الطلاب الجامعيين، يجبر نفسه على الانزواء في المنزل، ريثما تنتهي إجراءات طلب تأجيل الخدمة العسكرية. ويضيف: «ورقة التأجيل التي لم تكن في يدي أجبرتني على العزلة في المنزل، والحبس الإرادي، كي لا أتعرض لما يتعرض له الشبان في دمشق». وما يستفزه أيضاً أن «بعض من يقتادون الشبان في دمشق على الحواجز ليسوا عناصر من الجيش، بل يتبع بعضهم لتنظيمات رديفة، لا يرى أهالي العاصمة أن لهم الحق في ممارسة مثل هذه السلطة».
موحشة شوارع دمشق، بالترافق مع هذه الحملات التي تخفت أياماً، بهدف استعادة الحركة، قبل أن تفاجئ الشبان مجدداً بتصاعدها.
لا شبّان يتجمعون في زوايا الشوارع، كما اقتصر رواد المقاهي على الفتيات وعدد من شبان يقطنون في شقق قريبة، يسهل الهرب إليها أمام أي طارئ. خليل، شاب عشريني، من سكان حي المالكي، يحمل هاتفه ويتابع أخبار حملة الإلحاق بقوات الاحتياط، وما إن يسمع باقتراب الدوريات من المقهى الذي يجلس فيه، حتى ينبه رفاقه ويركض خارجاً. يقول: «إنهم لا يميزون منطقة عن أخرى.

وليس صحيحاً أننا، سكان المالكي، مدعومون. المدعومون الآن هم الذكور الوحيدون لأمهاتهم، والفتيات فقط». وترافق الأمر مع نكات انتشرت في الشارع السوري وعبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومنها شعور الذكور الوحيدين لأمهاتهم بتفوقهم على بقية الشبان، ما يوجب «ارتفاع مهورهم»، إثر تناقص عدد الشبان، وفق النكات الشائعة. تردّ رنيم، فتاة عشرينية، على أفراد عائلتها الساخرين من مضيها إلى زفاف صديقتها، رغبة بالحصول على عريس، قائلة: «يا حسرتي ... ليش ضل شباب؟ يا متخبيين يا مسافرين».
وفي حين يرى بعض أبناء الساحل السوري أن الأوان آن ليقوم شباب دمشق بدورهم، بعدما عانوا حملات مشابهة، يروي آخرون أنّ مثل هذه الحملات لا يمكنها إجبار أحد على القيام بواجبه. العديد من الشبان المطلوبين لجأوا إلى الهرب خارج البلاد، عبر أساليب مرتبطة بالفساد والرشى، بسبب عدم رغبتهم بـ«الموت»، على حد تعبيرهم. في المقابل، يترك شبّان آخرون عائلاتهم وأشغالهم ويلتحقون، بمجرد تسلّمهم التبليغ الخطي بضرورة الالتحاق بقوات الاحتياط. سمير صارم، الموظف في شركة مصفاة بانياس، تسلّم تبليغ وجوب التحاقه بخدمة الاحتياط العسكري، فبدأ بوداع الأصدقاء برضى واقتناع، وأخذ الكثير من الصور التذكارية مع طفلتيه، وذهب بكامل إرادته إلى إزرع في ريف درعا، بعد تأمين احتياجات عائلته لفترة. «هو نداء الوطن»، هكذا يعتبر سمير، وهو ما زال يؤمن بما يئس من القتال لأجله كثيرون.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | @marah_mashi@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com