بو صعب في عين العاصفة: تعطيل المدارس في يوم مشمس



«عم تشتي الدنيا مش أكثر» هكذا يعلّق الخبير نديم فرج الله ممازحاً(مروان طحطح)

للمرة الثانية خلال شهر واحد يقرر وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب تعطيل المدارس كافة بحجة سوء الأحوال الجوية، ما يرفع ايام العطل «الإستثنائية» بسبب الطقس إلى 4 ايام هذا الشهر وحده، ومن دون ان يكون هناك «عاصفة» بالفعل. الآلية التي يعتمدها وزير التربية ليحدّد على أساسها تعطيل المدارس في «ظروف مناخية استثنائية» لا تزال مجهولة ومعاييرها العلمية غير محددة. ربما، يعتمد القرار على التهويل الحاصل بسبب التسميات «غير العلمية» التي تُطلق على ظواهر مناخية اعتيادية في فصل الشتاء، إضافة الى الأخبار الواردة على مواقع التواصل الإجتماعي والإعلام

إيفا الشوفي, هديل فرفور

طقس يوم أمس كان مشرقاً تقريبا ولم تُسجل عواصف رعدية غير اعتيادية، لم تغب الشمس على السواحل ومعظم الجبال طوال النهار ولم تهطل الأمطار مطلقاً. درجات الحرارة كانت متدنية لكنها لم تبلغ من الخطورة ما يستدعي تعطيل المدارس، إذ لم تتجاوز معدّلاتها المعتادة في فصل الشتاء.

على الرغم من ذلك أجبر بو صعب المدارس كافة على التعطيل، حتّى تلك الواقعة على السواحل، ليعلن مساءً «ترك الحرية لإدارة المدارس لجهة فتحها او اغلاقها اليوم (الثلاثاء)، استنادا إلى تقييم الأوضاع في مدارسهم لجهة سلامة الطرق المؤدية إليها وتوفير التدفئة في الظروف المناخية الراهنة». يُطرح هنا سؤالان مشروعان: هل حالة الطقس تستدعي هذا الإستنفار المقتصر على تعطيل المدارس؟ ولماذا يُفرض على المدارس التعطيل أمس وتترك الحرية لها اليوم؟ بمعنى آخر لماذا لم تترك الحرية اصلا للمدارس للتعطيل أو التدريس بحسب المناطق الواقعة فيها وحال الطقس كما كان يحصل بشكل طبيعي منذ زمن طويل؟ يشير هذا الأمر إلى أنه لا آلية جدية يتّبعها الوزير لاتخاذ قرار كهذا إنما يخضع للتهويل الحاصل في الإعلام والتنافس القائم بين الأرصاد الجوية، فهل الحل لمواجهة هذا الطقس هو تعطيل المدارس أم تجهيز المدارس بالتدفئة اللازمة وفتح الطرقات؟
هذه الملاحظات لا تتعلق ابدا باوضاع الكثير من المدارس المزرية، ولا بخصوصية الطلاب في المناطق الجبلية المرتفعة، ولا ايضا بظروف الكثير من الطلاب المقيمين واللاجئين في المدارس المسائية، اي في الاوقات التي تنخفض فيها درجات الحرارة كثيرا... فهذه الفئات مغبونة اصلا وتتعرض لمخاطر جمّة حتى في حالات الطقس الجيدة.

«عاصفة» مشمسة

«عم تشتي الدنيا مش أكثر»، هكذا يعلّق مدير أبحاث تغير المناخ والبيئة في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت نديم فرج الله ممازحا. يقول في حديث لـ «الأخبار»، إن ما نشهده لا يُعد استثنائيا في أيام «من الطبيعي فيها ان نشهد انخفاضا في درجات الحرارة»، مُستنكرا التهويل العشوائي «الشعبوي» الحاصل نتيجة تغييب المرجعيات الصالحة لإعطاء رأي في هذا المجال». بحسب فرج الله، ما من معايير محددة في لبنان وثابتة لتصنيف إذا ما كان المنخفض الجوي الذي يشهده يندرج ضمن الظواهر الطبيعية القاسية التي تستدعي تأهبا ام لا، اما السبب فهو «الفجوة» او «الهوة» الحاصلة بين قاعدة البيانات التاريخية لما شهده لبنان من عواصف ومنخفضات جوية والتحليلات التي تستدعي ان يجري تسجيل هذه المعدلات على مر السنوات المنصرمة كي يجري التوصل الى معايير واضحة. هذا الرأي ينطلق من ان تحديد معايير العواصف الكارثية التي تستدعي اعلان حالات التأهّب تستلزم مراقبة الظواهر السابقة التي جرت على مر سنوات ماضية (30 سنة على الأقل) وتسجيل معدلات الحرارة وسرعة الرياح ومعدلات تساقط الثلوج وغيرها. قاعدة البيانات التي يشير اليها فرج الله موجودة لدى مصلحة الأرصاد الجوية «التي تعد من المرجعيات الصالحة والكفؤة لاعطاء رأي في هذا المجال»، الا ان هذه البيانات ليست متاحة امام الاختصاصيين كي يُرفقوها بالتحليلات المطلوبة وبالتالي ليجري تسجيل المعدلات على مرّ السنوات. يقول فرج الله ان الحصول على اي معلومة تتعلق بظاهرة تاريخية يستلزم ان ندفع بدلات مالية لقاء الحصول عليها «وهو ما يمثل عائقا يحول دون تحقيق هذا الامر». يخلص فرج الله بالقول «أن هناك نواة في لبنان يجب العمل عليها وتفعيلها من ضمنها مصلحة الأرصاد الجوية والهيئة العليا لإدارة الكوارث الطبيعية». كلام فرج الله يأتي منسجما وما يقوله رئيس الهيئة العليا لإدارة الكوارث اللواء محمد خير حول «التهويل العبثي الحاصل في ما خص الطقس».

حتى الآن، لم تجتمع الهيئة لإعلان خطة طوارئ لمواجهة الطقس العاصف في لبنان، «فالمراسلات التي وصلتنا من المديرين العامين خلصت الى عدم وجود حاجة الى اعلان حالة تأهب»، يقول اللواء خير شارحا: «إن لجنة الازمات لإدارة الكوارث تحوي اكثر من 14 مديرا عاما من ذوي اختصاص في مجالات مختلفة، عندما يكون هناك مشاكل طبيعية استثنائية تجري مراسلات بين هؤلاء المديرين ويجري الدعوة لاجتماع طارئ لتحديد إذا ما كان ثمة حاجة لإعلان خطة طوارئ ام لا. وطالما اننا لم ندع الى اجتماع يعني انه ليس هناك حاجة لاعلان حالة تأهب لمواجهة كارثة طبيعية». ما هو مفهوم الكارثة الطبيعية التي تستدعي ان تتخذ الخلية خطوة اعلان التأهب؟ يجيب خير «الحوادث التي ترتقي الى مستوى الزلازل والطوفان والأعاصير»، لكن هل تملك الخلية القدرات لمواجهتها في حال حدوثها؟ «نحن جاهزون ونأمل الا نحتاج الى اعلان حالة الطوارئ».
في اتصال مع «الأخبار»، ينفي رئيس دائرة التقديرات في مصلحة الأرصاد الجوية عبد الرحمن زواوي ان تكون المصلحة قد مارست دورا تهويليا. يقول ان المنخفض الجوي الذي شهده لبنان «لا يمكن اعتباره عابرا وذلك نظرا لمنشأ هذه الكتل الهوائية وهو القطب»، لافتا الى انه ليس من الضروري ان تلحق العاصفة ضررا مباشرا بعدد كبير من الناس الموجودين في العاصمة وعلى الساحل كي تستحق ان نُطلق عليها اسم عاصفة، مُشيرا الى «ان الخرائط أوحت ان ما سيشهده لبنان هو منخفض مميّز». أما عن اعلان حالة التأهب، فيقول زواوي: «ان هذا الامر يعود الى تقديرات الدولة ومؤسساتها التي هي على دراية بإمكانات البنى التحتية وغيرها»، موضحا «أن الوعي المطلوب لمقاربات من هذا النوع يجب ان يتخطى شعبوية مواقع التواصل الاجتماعي».

تجهيز المدارس أم التعطيل؟

لكن لنفترض أن تضافر عوامل الطقس مع رداءة البنى التحتية خلقت مخاوف لدى بو صعب على الطلاب، وخصوصاً الموجودين منهم في مناطق يتجاوز ارتفاعها الـ 500 متر، دفعته الى تعطيل المدارس كافة؛ ما هو عدد المدارس والطلاب في مناطق ترتفع 500 متر وأكثر عن سطح البحر؟
وفق الخريطة المدرسية لعام 2011-2012 الصادرة عن المركز التربوي للبحوث والانماء، فإن عدد المدارس القائمة في مناطق يتجاوز ارتفاعها 500 متر يبلغ 1118 مدرسة من أصل 2789 مدرسة في لبنان، أي ما نسبته 40%. يعني هذا أنّ 60% من المدارس قائمة في مناطق يقل ارتفاعها عن 500 متر، وبالتالي لا خطر فعليا عليها من أحوال الطقس. يتعلّم في المدارس الواقعة في مناطق يتجاوز ارتفاعها 500 متر، نحو 287 ألف طالب من أصل مليون و5 الاف طالب مدرسي في لبنان، أي ما نسبته 28.5% من طلاب لبنان. يعني هذا مجدداً أنّ 71.5% من الطلاب يتعلمون في مناطق يقل ارتفاعها عن 500 متر ولا مشكلة لديهم في الوصول الى مدارسهم. قرار التعطيل في هذه الحالة كان يجب إمّا أن يترك لكل مدرسة بحسب ما تراه مناسباً كما يحصل عادةً أم يعمّم على المدارس العاملة في مناطق يتجاوز ارتفاعها 500 متر عوض إجبار 71% من الطلاب على التعطيل من دون مبرر تحت حجة «مبدأ المساواة». فإذا كانت وزارة التربية حريصة على عدالة التعليم بين الطلاب فلماذا لم تغلق مدارس لبنان عندما أغلقت مدارس طرابلس أثناء الإشتباكات بين باب التبانة وجبل محسن لفترات طويلة؟ بالطبع ليس المطلوب إغلاق جميع المدارس إنما التدقيق في عدم جدّية الحديث عن مبدأ العدالة في هذا القطاع.
يقول مسؤول الدراسات في رابطة التعليم الأساسي عدنان برجي إن تعطيل المدارس كان يحدث من دون قرارات إعلان «إذ تجري العادة ان المناطق التي لا تتأثّر بالطقس وليس لديها مشاكل في الوصول يكون فيها التدريس يوما عاديا». يشرح برجي تداعيات يوم تعطيل دراسي واحد ويلفت الى وجود نحو 12 الف متعاقد في التعليم الأساسي و 5 آلاف متعاقد في التعليم الثانوي ونحو 17 الف متعاقد بالتعليم المهني، وبالتالي ثمة «نحو 35 الف عائلة متضررة من قرار التعطيل، إذ ان المعلّم/ة يخسر على الاقل 50 الف ليرة عن كل يوم عطلة، فضلا عن بدلات النقل التي يخسرها نحو 25 الف استاذ في الملاك». يقول برجي ان مطلب تجهيز المدارس لطالما كان طرحته رابطة المعلّمين، مضيفا ان «ثمة أبنية مدرسية مهددة بالسقوط». سرعان ما يستطرد ان «صناديق المدارس تعجز عن دفع ثمن المازوت حتى، وهي نفسها عاجزة عن دفع كلفة ادنى المستلزمات المستحقة». ويقول في هذا الصدد انه «حتى الآن لم تحصل صناديق المدارس الرسمية على مستحقاتها من ميزانية وزارة التربية والتعليم ومن وزارة المالية». لا ينكر برجي الارباك الذي بات يُحدثه الطقس لدى المديرين «فهل يتحمل مدير المدرسة مسؤولية اي طالب وقع في الملعب بسبب الجليد مثلا؟ اذا وصل 20 طالبا من اصل 40 فهل يعد هذا يوم تدريس عاديا؟» ويخلص برجي الى القول ان «في التعطيل هناك عدالة بين الطلاب أكثر».

الامتحانات في أيار

الا ان العدالة «تقتضي ان يتعلّم من يستطيع التعلّم»، يقول نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض، موضحا ان «لا عدالة في الجهل». يشير محفوض الى ان 75% من طلاب لبنان يتمركزون في المناطق الساحلية، وبالتالي لا داعي لقرار اقفال المدارس، موضحا «ان موعد الامتحانات الرسمية جرى تحديده في نهاية شهر أيار، وإذا كانت المدارس الخاصة قادرة على تعويض ما فات الطلاب فمن يعوّض لطلاب المدارس الرسمية؟». يلفت محفوض الى ان المدارس الخاصة تقوم بالالتزام الكامل بقرارات الوزير «بسبب تهديد الوزارة بمعاقبة المديرين في حال عدم الالتزام»، علما ان «قرارات الوزير في ما خص ايام الاجازات غير ملزم الا في ما يتعلّق بيومي الاستقلال والعمل». أمّا عن تجهيز المدارس، فيلفت محفوض الى أن صناديق المدارس لا تزال فارغة.


شرّ البلية «نكتة»

ما أُطلق على مواقع التواصل الإجتماعي - التي يعتمد الوزير بو صعب عليها بشكل كبير لاتخاذ قراره- من نكات عن معاناة الأهالي، وتحديداً الأمهات يعدّ أمراً جدياً إذ واجهت العديد من الأسر أمس مشكلة فعلية في ايجاد بديل لمن يُجالس اطفالهم. وبالاستناد الى الأرقام، فإن عدد الطلاب يتجاوز المليون طالب أي هناك نحو 500 الف أسرة لديها أولاد معطّلون عن مدارسهم. وباعتبار أن معدّل تشغيل المرأة على المستوى الوطني هو 25% يعني هذا أنّ هناك آلاف النساء ستواجهن مشكلة في البقاء مع أولادهنّ وسيكون أمامهن 3 خيارات: الحصول على إجازة من عملهن، الاستعانة بأقربائهن للإعتناء بأولادهن الى حين عودتهن من العمل أو إستقدام مربية. وفي كل الحالات هناك كلفة ستُسدد على مستوى الاسرة والمؤسسة والاقتصاد ككل. ماذا لو اعلنت روابط المعلمين اضرابا في المدارس ليوم واحد من اجل تصحيح الرواتب؟ اليس بو صعب من الذين يرفضون الاضرابات بحجّة انها تتسبب بالضرر للطلاب واسرهم؟

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]