رشا كحيل: الجسد الأنثوي مشرّعاً على العالم



من المعرض

صبيّة تتفحص جسدها العاري أمام ضوء النافذة، وأخرى عارية الصدر تسند رأسها يدها على الكنبة، وأخرى تقرفص عارية على سجادة وسط المنزل. في معرضها الجديد Homebound الذي تحتضنه «غاليري جانين ربيز»، تنصرف الفوتوغرافية اللبنانية مجدداً إلى إشكالية لطالما خيمت على أعمالها: علاقة الجسد ككيان مستقل بمحيطه المادي الخاص أو العام

روان عز الدين

تستلقي فتيات رشا كحيل (1980) في منازل معمّرة من السكينة. أجسادهن زرعت على الكنبة، وهناك نبتت وتجاوزت حدود الراحة. تستوي على مهل تحت الإضاءة الخافتة، مقابل طاولة مليئة بالفناجين والبراويز، تتهاوى على كرسي أبيض، وتقرفص عارية على سجادة وسط المنزل.

لن تداري الفوتوغرافية اللبنانية الشابة هذه الحميمية في معرضها الفردي الجديد Homebound في «غاليري جانين ربيز» (الروشة ــ بيروت). اختارت مشهداً بصرياً متعرجاً منذ أول صورة في المعرض لملاقاة المتفرج. تنصرف مجدداً إلى إشكالية لطالما خيمت على أعمالها: علاقة الجسد ككيان مستقل بمحيطه المادي الخاص أو العام.
في مجموعتها التجريبية «في منزلك» (2008 ــ 2011)، التي دفع حس «السبق» الصحافي الفائض، قبل سنوات، بأحد الصحافيين اللبنانيين إلى نبشها ووضعها في خانة الإباحية، اقتحمت كحيل شقق وغرف أصدقائها في لندن وبيروت وبرلين. انتظرت خروجهم منها لدقائق، مطلقةً الخيال لشيطنتها، فالتقطت صوراً لها عارية الصدر بداخلها، في اختبار لاقتران خصوصية جسدها بسرية الفضاء الخاص. حاربت كحيل الذاكرة الحسية للجسد مجدداً، وحدود قابليتها في مجموعتها «الغرفة البيضاء» (2012) التي تضم 19 صورة مجرّدة، صورتها كحيل في غرفة مستأجرة في برلين، تظهر فيها حالات التوق والاشتياق عبر لقاء مركب لمجموعة من الأجساد المجهولة مع أغراض وحالات عبثية. شرّعت كحيل الجسد الأنثوي تحديداً على مساحات غير متوقعة، طمعاً بزحزحة السيناريوهات الجاهزة لعلاقته بمحيطه، المؤطّر الأول لهويته. موضوع شغل عالمات الجغرافيا النسويات في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات مثل الأوسترالية لويز جونسون والإيرلندية آن باتيمر. حينها، بدت دراسة ثنائية الجسد والفضاء العام ملحة، في وقت كان لا يكاد فيه الجسد الأنثوي يتجاوز دور المتلقي في المساحات العامة والمدن الكبرى، محارباً دائماً بحقيقة استبعاده من دور المؤثر.


هكذا أصبح Homebound، مساحة ملحة أخرى لتشريع الجسد والذات على الخارج الذي رمّزته الفنانة بمناظر طبيعية جلفة. على حائط الغاليري، وضعت صور الأجساد داخل براويز بأحجام صغيرة (60×60 سنتم)، وخلفية ملوّنة. تتجاور مع صور بأحجام كبيرة لمساحات طبيعية خارجية (130×110 سنتم) على ألمنيوم، التقطتها كحيل في مسقط ودبي واسكتلنده وبريطانيا وفرنسا. تستحضر هذه اللقطات الخارجية المجرّدة من الزمن، بالمعلم الأميركي أنسل آدامز وصوره الفوتوغرافية التي جاءت كدراسات للظلال، والضوء، والخطوط وتركيب العناصر بما يشبه التأليف.
مناطق كحيل الخارجية خالية تماماً من أي أثر بشري. جبال رملية قاحلة، وتلال صحراوية لامتناهية، وأعشاب صغيرة نبتت بعبثية على سطح المياه. إنها الصور الأمثل لنقل الخارج المجرّد. أمام هذه الاختبارات الوجودية لعلاقة الجسد الأولى مع الخارج، تضع كحيل أجساد إناثها العارية المتآلفة مع فضاءاتها المغلقة. تشحن هذه الأمكنة بتفاصيل وتقنيات فوتوغرافية تظهر براعة في التقاط الضوء الخفيف المتمدد في المنازل. وفيما تأسر أجسادهن ضمن حالات داخلية ثابتة عبر القبض على وضعياتهن البليدة ونظراتهن البيضاء، تتركز حركة الأجساد في التفاصيل والأشياء المتعلقة بدوره البيولوجي كالفناجين والشراشف، والقداحة. استعانت كحيل بصديقاتها داخل شققهن. واحدة تتفحص جسدها العاري أمام ضوء النافذة، وأخرى عارية الصدر تسند رأسها بيدها على الكنبة. كحيل التي تعيش وتعمل في لندن منذ سنوات، تقدم طرحاً للجسد بصفته كياناً يقود معظم ممارساتنا اليومية، وسط حقيقة أن الأجساد الأنثوية والمثلية الشرقية لا تزال تنتصب كجدار أبيض فارغ مهيّاً فقط لتلقي خدوش وكدمات المجتمع. بواسطة المسافة التي تبعد الأجساد عن المساحات المفتوحة، تواجه كحيل المتفرج بالسؤال الصعب إياه حول خيار المكان المغلق وخيار الخارج الذي يمتلئ بالنظرات وبفرص التلاقي مع أجساد واحتمالات أخرى. ربّما علينا أن ننتزع الإجابة من تعلّق أجسادنا بالأمكنة التي تمنحها الأمان، ومن توقها الأبدي إلى حرية تلوّح لها من الخارج، وفق تعبير المفكر الصيني الأميركي يي ـ فو توان.

Homebound: حتى 26 نيسان (أبريل) ــ «غاليري جانين ربيز» (الروشة ــ بيروت) ـ للاستعلام: 01/345213

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com