سليمان البسام: مرثيّة لـ«ربيع مختطف»



حلا عمران وريبيكا هارت في مشهد من العرض (أنطوني شديد)
منى مرعي

استضاف «مهرجان الربيع» أخيراً عرض «في مقام الغليان: أصوات من ربيع مختطف» للمخرج والكاتب الكويتي سليمان البسام الذي عرض للمرة الأولى في إطار ورشة في «معهد باريس للعلوم السياسية» عام 2012، قبل أن يقدم العمل باللغة الإنكليزية ضمن فعاليات «مهرجان سيدني الدولي للفنون» (2013) في أستراليا، ثم في تونس والكويت. يرى سليمان البسام أنه ملزم بخلق مسرح سياسي ملتزم في وجه الأحداث السياسية المعقدة والمتغيرة.

من خلال ستة مشاهد قصيرة كتبها على شكل مونولوجات، ينقل البسام إلينا تخبط ست شخصيات وجدت نفسها في خضم الربيع العربي. «هم أناسٌ عاديون» على حدّ قول الكاتب، «وجدوا أنفسهم عزّلاً أمام شحنة التاريخ المعاصر، وكانوا إما مراقبين أو ضحايا ظروف معينة».
المونولوجات التي أدتها الممثلتان حلا عمران وريبيكا هارت في مسرح «دوار الشمس»، لا تحكي قصصاً بقدر ما تنقل وقع قسوة اللحظة الآنية التي تعيشها تلك الشخصيات. ما هي اللحظة الآنية لتلك الشخصيات؟ هي لحظة مكثفة لا نهائية، لا تنفصل عن كل اللحظات السابقة. صحافية تهرب منها يدها اليمنى وقلمها، تود كتابة مقال أو قصة، لا يسعفها جسدها، تستحضر كل المآسي، تطلب كأس مارتيني من الكوسوفاري، تسأل الممرضة: «ماذا تودين تسمية أطفالك: صبرا، شاتيلا، سراييفو، الفلوجة، حمص...؟». تودّ عينها الهروب أيضاً، تحاول هدهدتها: «ما أحلاكِي. ابقي مفتوحة، لا تنغلقي. لا تخافي. لا تفعلي ما فعلته يدي اليمنى. لن تجدي وطناً يحبك أكثر من هذا المحجر الذي أنتِ فيه. لقد خُلقتي لتشهدي على الفاجعة، يا عيني الصغيرة، يا عيونتي، فيكِ شرارة شر وتعلمين هذا». تخاطب لسانها وجسدها: «هنالك قصة وجب كتابتها وإرسالها إلى المكتب». في المونولوج الثاني، تتحدث مومس عن حبيبها السابق الدكتور الذي «حبله جرح ثوري والذي طوّل ذقنه، وصار يلبس أكثر من معطف. صار يطلع قبل بزوغ الشمس يرجع قبل المغيب وبدأ بكتابة الشعر».

لكنه مات. رأت جثته على اليوتيوب. انتقلت العدوى إلى المومس، هي أيضاً حبلت بـ«جرح ثوري» إلا أنها لا تستطيع أن تطوّل ذقنها، ولكنها حينما تخرج من منزلها صارت تضع معطفين أحدهما فوق الآخر. مونولوج آخر عن ممثلة فقدت ابن أختها وتحولت إلى محاربة، تلقم البندقية وتحدد الهدف. تتساءل ناديا الإيزيدية، في مونولوج رابع، «أكان طاووسها ملك معها؟» عندما تعرضت للاغتصاب أكثر من مرة. نعم كان. توسلت إليه كي يُخمد بدموعه ألمها: «اجتاحو[ها] عشرة، عشرين، ثلاثين منهم/ عيون أيادي بصاق دم/ عيون أيادي بصاق دم/ من ضجيجها الجبال/ من ضجيجها الجبال خُلقت/ ومن عجيجها التلال/ ومن دخانها السماوات/ وملأت الجبال السوداء جسد[ها]». تتوالى المونولوجات التي تترافق مع عزف موسيقي للأميركية بريتاني آنجو، وغناء يلامس الانتحاب أحياناً والاحتفالية أحياناً أخرى.
في كل تلك المونولوجات، تتعطل لغة السرد وتطغى عليها سلسلة من التداعيات الحرة. يدخلنا البسام مع شخصياته إلى أسفل الجمجمة: بضعة سنتمترات تخزّن نُتف أحداث وأفكار لا يربطها شيء إلا الشعور بالتشظي. يصقل البسام هذا التشظي عند شخصياته بشاعرية في النص تقابلها احتفالية في الأداء واللعب الموسيقي. تتقمص أجساد تلك الشخصيات خارطة آلام المنطقة: الطبيب حبل بجرح ثوري والعاهرة حبلت بنفس هذا الجرح، والأولاد الذين يولدون قد يحملون أسماء المجازر. الجندية الإسرائيلية الأميركية (المونولوج الخامس) تطلب من الرجل الفلسطيني الذي كان يحفر نفقاً والذي كتبت تقريراً بحقه في المرة الأولى أن «يفضها من دون أن يقذف بذرته داخلها». هنا تتماهى حدود الجسد مع حدود البلاد والعنف هو سيد الموقف دائماً. «يشعرن» البسام العنف، يحوله إلى قصيدة نثر سادية تارةً ومازوشية تارةً أخرى. «ابن اختي رجع عالبيت ملفوف بشرشف أبيض، لا ساوى وظايفه ولا فتح تمه. بطات رجليه كانت متل المشمش، وصدره أملس متل الحليب»، و«أنتِ أتيتِ تقفزين فوق الساتر الترابي وتزحفين تحت الأسلاك الشائكة لأن وشم جسد الكوسوفي كان يقول «اشربيني». وتاجٌ من الفراشات الزرق تحوم فوق رأسه. عم احلم انه شي يوم عطلعة الضو صف كل الشراميط، وكل الأرامل، صف واحد، واسحبهن من غلاصمهن وحط كل وحدة على قنينة مكسورة وفوت أصابعي بعيونهن وانطحلهن روسهن بالحيطان واحفر سقف حلقهن بكعب كندرتي وازرع فيه خضار». نحن أمام خطاب معقد للشخصيات. فالرغبة في ممارسة العنف تحاذي فعل العنف والخضوع لتبعاته. يتراءى للمشاهد أحياناً أن الضحية تغازل جلادها. يخرج المشاهد من هذا العرض مخضوضاً، أعزل الأحاسيس. الموت هو البطل الرديف المرافق لكل لتلك الشخصيات. أهُم جثثٌ تتحرك وتتلو مونولوجاتها على الخشبة أم أنهم ماتوا مجازياً؟ تبدو مصائر تلك الشخصيات ملتبسة ومفتوحة على احتمالات عدّة. الحدث الدرامي مستتر، على المشاهد أن يستنبطه من خبايا الصور الشعرية المكثفة. هذا النص الذي طرزه البسام بعناية، والذي يستوجب قراءة معمقة تتخطى حدود هذا المقال. يقدّم مقاربة شكٍل حداثي بأسلوب درامي جديد «يعد نواةً قابلة للنمو والتطوير، ليشكل مشروعاً للبحث في فضاءات الحداثة وإشكاليات الهوية، والبحث في إمكانية تطوير نوع جديد من المسرح: المأساة العربية المعاصرة».

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com