ريم كيلاني توثق ذاكرة فلسطين الموسيقية



ليست ألبوماتها غزيرة، فهذه الفنانة هي أيضاً باحثة وناشطة سياسية لا تكتفي باستعادة التراث الفلسطيني أينما وجد، بل تسهم أيضاً في توثيقه وتأريخه، حفاظاً على هوية يحاول الاحتلال طمسها

محمد همدر

تحمل موسيقى ريم كيلاني (1964)، فلسطين إلى العالم. ذاكرة شعبية مروية، بعثرها الاحتلال ولا يزال يحاول طمسها، تحضنها «السفيرة غير الرسمية للثقافة الفلسطينية». تضيف إلى نغمها الفلسطيني الموروث، أصواتاً من مختلف الثقافات والحضارات.

ليست إنتاجات ريم كيلاني غزيرة. بطبيعة الحال، ليست إصداراتها تلك التي تتوافق مع تطلبات السوق. فهذه الباحثة والناشطة السياسية، لا تكتفي باستعادة التراث الموسيقي الفلسطيني أو العربي، بل تسهم في توثيقه وتأريخه موسيقياً وتقديمه مفصّلاً من دون اختزال. وهذا يستغرق وقتاً وبحثاً عميقاً لكل مشروع. ما نشرته ريم بالعربية والإنكليزية من دراساتها، يعكس المجهود والوقت التي تبذله في أبحاثها.
إصدارها الأول «الغزلان النافرة، أغان فلسطينية من الوطن الأم ومن الشتات» (2006) هو ثمرة رحلة قامت بها إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان، وسوريا والأردن، أرادت من خلالها تسجيل وحفظ الأغاني والأهازيج التي ما زالت تتردد على لسان النساء في الشتات. خلف كل أغنية أو ردّة، حكاية من تاريخ فلسطين. بحثها في تاريخ الموسيقى لا يتوقف عند وطنها الأم. مشروعها القادم، تتويج لرحلة طويلة مع الأسطورة سيّد درويش ومساهمته في ثورة 1919 في مصر. مشوار يزيد عن عشرة أعوام، سينتج عنها بالتأكيد اكتشاف زوايا جديدة ومقاربة موسيقية مختلفة لتراث درويش الذي لا ينضب، بالإضافة إلى أنها بحثت أيضاً في موسيقى من بقاع مختلفة من المنطقة.
خلال العام الماضي، صدر لريم ألبوم «حفل مهرجان نُور» Reem Kelani: Live at the Tabernacle، من إنتاجها، تضمّن أعمالاً من ألبومها الأول ومن مشروع سيّد درويش القادم، بالإضافة إلى أغنيات من تركيا وبلاد الشام ومن تراث الأغنية السياسية التونسية (بابور زمّر خشّ البحر). هو تسجيل لحفلة كيلاني في لندن عام 2012 ضمن مشاركتها في مهرجان «نور» لفنون الشرق الأوسط. شاركها تامر أبو غزالة (عود)، وثلاثة عازفين من بريطانيا، والولايات المتحدة وإيطاليا، على آلات البيانو، الكونترباص والإيقاع. وكانوا قد تدرّبوا مع ريم لسنوات، على عزف الموسيقى الشرقية.
هذا الإصدار أيضاً، بالإضافة إلى كونه من المشاريع الموسيقيّة القيّمة النادرة، حتى في حقل الإنتاج البديل، الذي يعاني بدوره من إفراط الكمّ على حساب النوع، هو ــ كما تتوخى ريم دائماً ـــ عمل توثيقي من خلال كتيّب، يرافق الألبوم، يشرح الخلفية التاريخية والموسيقية لكلّ أغنية.

صوت ريم سهل ممتنع، تستطيع معه أن تحمل أصوات نساء فلسطين وروحهنّ. نستطيع أن نشعر بهنّ في أغنياتها، ليس الحزن والأسى فقط، بل الفرح والقوة والإرادة أيضاً. جميل حين تعبّر عن الحزن بقوة ورفض وليس بأسى وانكسار، كما في «يافا» و«الحمدالله» و«ريم الغزلان». نكاد نشعر بخبطة قدمها وقبضة يدها حين نستمع إليها تغني.
الصورة حاضرة بقوّة من خلال موسيقى كيلاني أيضاً. بسهولة يصل إلينا المشهد الذي تصوّره ريم في كلامها وصوتها. في توزيعها للموسيقى، رغم حضور الآلات الغربية، لا تضيع الأصوات التقليدية للآلات الفلسطينية أو العربية، وهذه الآلات ضرورة في سرد حكايات وروايات فلسطين والمنطقة.
هذا العطاء الزاخم لا يولد إلّا بعد مخاض طويل وصعب، خاصة في زمن سياسات الإنتاج الموسيقي الحالي. كتبت ريم نصّاً عن «لعنة» الفنان الفلسطيني المستقل سياسياً ومادياً الذي يعيش في الغرب، وجاء فيه:
«الأوساط الموسيقية الرّسمية و«المين ستريم» تَتَجاهَلك، وإذا تمكنت من أي إنجاز، فهو «رَغماً عنهم» وليس «شكراً لهم». الأوساط الفلسطينية الرسمية (ما تُسَمَّى بالسّفارات) أغلبها يسعى لتحطيم مجهودك المُستقِل، وفي بعض الحالات (والأدلة متوافرة)، يقفون مع الإسرائيلي «المعارِض» ويُحاربُون الفلسطيني. يعني أكثر ما يُمكِن أن نتوقع منهم في هذه الحالة هو «عدم الأذية» لا أكثر. الأوساط الفنية الغربية التي تُسَمِّي نفسها بمجموعة «وورلد ميوزيك» (موسيقى العالَم)، أغلبُها مجموعة من المُستَشرِقين أو الكولونياليين الجُدُد والكثير منهم متعاطف مع إسرائيل. الأوساط العربية والفلسطينية والتضامُنية المُخلِصة، نَعَم حتى المُخلِص منها!.. هؤلاء هُم الأصعَب للأسف، رَغم حُبي وتقديري لهم: لأنهم يَطرُقون على أبوابنا طيلة الوقت للقيام بحفلات ومُشارَكات «مجانية» من أجل «القضية» (وكلمة «مجانية» حتى غير كافية هُنا). وعندما نَعتَذِر مرة كل ألف سَنة نظراً لأننا مُلزَمين في نفس تاريخ طلبهم بالتزام آخَر من أجل لُقمة عيشنا، نُتَّهَم بأننا «ماديون» والأسوأ بأننا «غير وطنيين».
وقبل أن نَنسى، وهُم آخر هَمٍّ لنا: الأوساط الصهيونية التي تُحاربك وبكل السُّبُل، بما فيها استغلال أي من المُعطَيات أعلاه لإضعافِكَ أكثر، وأكثر... وأكثر»
ريم كيلاني حاضرة اليوم في ساحة الموسيقى العالمية، رغم كل ما تواجهه بسبب خيارها في نوع الإنتاج الموسيقي، وحاضرة في المهرجانات والمسارح العالمية، لكنها غائبة عن المهرجانات المحلية والدولية في لبنان. لم يسبق للجمهور هنا أن تعرّف إلى أعمال كيلاني من خلال عرض حيّ، رغم أن في لبنان وفي برمجة فعالياته الفنية، مساحة كبيرة للموسيقى الثقافية من العالم ولفلسطين معاً.
www.reemkelani.com


سفيرة غير رسمية

وصفت الصحافة البريطانية ريم كيلاني (1964) بأنّها «السفيرة غير الرسمية للثقافة الفلسطينية». ولدت الفنانة في بريطانيا، فيما والدها من يَعبَد (قضاء جنين) ووالدتها من الناصرة في الجليل. كَبُرت في الكويت، حيث تشكلّ وعيها الموسيقي. عادت إلى بريطانيا بعد إتمام دراستها لتتفرغ للبحث في التراث الفلسطيني، وتدير ورش عمل موسيقية حول هذا التراث في المتحف البريطاني.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com