تونس | «اتحاد الشغل»... نحو أزمة داخلية؟



أحيت تونس أمس ذكرى عيد الاستقلال (أ ف ب)

بانتهاء أعمال مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل، يوم 26 كانون الثاني/جانفي الماضي، خفتت الصراعات الكلاميّة بين المتنافسين على قيادة المنظمة. حينها، صرح كلّ من الأمين العام الجديد نور الدين الطبوبي، الذي تزعم ما عرف بالقائمة التوافقيّة، ولسعد اليعقوبي، الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي وأحد المرشحين في القائمة المنهزمة، أنّ الخلافات التي سادت في خلال المؤتمر لا تفسد للود قضيّة وأنّ وحدة المنظمة هاجس مشترك

حبيب الحاج سالم

تونس | بعد انتهاء المؤتمر الأخير لـ «اتحاد الشغل» بأيام، أبدى نور الدين الطبوبي في لقاءاته الإعلاميّة الأولى مساندته لمطلب نقابتي التعليم (الأساسي والثانوي) بإقالة وزير التربية ناجي جلول. قال إنّه لا يمكن عشرات آلاف «المربين» (أي المعلمين) أن يكونوا على خطأ، فيما الوزير وحده على حقّ. وتتهم النقابتان جلول بإهانة المدرسين والحطّ من شأنهم واتخاذ قرارات محوريّة دون استشارتهم والسعي إلى خصخصة التعليم العمومي. ومع تشبث جلول بمنصبه ورفضه الاستقالة، صعّدت النقابتان من الحركات الاحتجاجيّة لتصل في ذروتها إلى مقاطعة الوزير وإقرار تجمعات احتجاجيّة مركزيّة وإضرابات جهويّة واعتصامات في مقارّ الوزارة.

رافقت الاحتجاجات جلسات متكررة بين الأمين العام للاتحاد ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، لكنها لم تنته إلى نتيجة ترضي الطرفين. تشبث الشاهد بوزيره، وتشبث الاتحاد بدوره بإيجاد بديل على رأس الوزارة. ويسند الشاهد موقفه إلى تصدر جلول قائمة أكثر السياسيين شعبيّة بحسب شركات «استطلاعات رأي»، إضافة إلى الحظوة التي يحظى بها لدى قيادة حزبه «نداء تونس»، خاصة لدى مديره التنفيذي حافظ قائد السبسي. كذلك لا تنحصر المسألة بالنسبة إلى الشاهد في مجرد إقالة وزير بقدر ما تتعلق بالسعي إلى الظهور في شكل الرجل القوي الذي لا يمكن الضغط عليه أو ابتزازه، تماشياً مع خطاب حزبه الذي يندرج كما يقولون تحت سقف «هيبة الدولة». بمعنى آخر، إنّ ذهاب جلول سيعكس عملياً ضعف الحكومة ورئيسها، ما يسمح لـ«الاتحاد» بتصدر المشهد.
من الجهة المقابلة، لا يستطيع لسعد اليعقوبي، الذي يتبنى طرحاً راديكالياً، لا ضد جلول فقط بل ضد خيارات الحكومة ككل، التنازل عن مطلبه، وهو الذي حشد لأشهر قواعد نقابته في اتجاه إسقاط الوزير بأيّ ثمن. وتوج إصراره بقرار انبثق من اجتماع الممثلين الجهويين لنقابة التعليم الثانوي بتعليق الدروس والدخول في إضراب وطنيّ مفتوح بداية من يوم 27 آذار/مارس الجاري (لم تسلك نقابة التعليم الابتدائي نفس المسلك، إذ يبدو أنها توصلت في خلال مفاوضات مع الوزارة إلى اتفاق يجنّب اتخاذ قرار مشابه).

صراع داخلي... «على الأسلوب»

هنا ظهر التوتر الداخلي في المنظمة النقابيّة، إذ انسحب الأمين العام المساعد للاتحاد محمد علي البوغديري، من اجتماع ممثلي الجهات لنقابة التعليم الثانوي، وجاء انسحابه على خلفية إقرار إيقاف الدروس بشكل مفتوح. ولم تخرج القيادة عن موقف مبعوثها للاجتماع، إذ أصدر المكتب التنفيذي بياناً يوم 18 آذار/مارس جاء فيه، إلى جانب تأكيد الوقوف في صف مطالب المدرسين وإدانة ما سمّاه حملات مغرضة تقودها أيادٍ يحركها الوزير، رفض «تعليق الدروس والتعويل على كافة الهياكل النقابيّة للتعليم الثانوي وكلّ المدرسين لمواصلة العمل بمثل ما عرفوا به من جديّة وتضحية»، وبرر المكتب رفضه بـ«وجوب عدم المساس بمصلحة التلاميذ... وعدم اتخاذ أيّ خيار يزيد من اضطراب سنة مدرسيّة هي أصلاً مضطربة بما سلط عليها وزير التربية من فوضى وتخبّط وارتجاليّة».
وبرغم إدانة البيان لما سمّاه «حملات مغرضة»، ويقصد بذلك تظاهرات قام بها أولياء تلاميذ ومقالات صحافيّة تستهدف اليعقوبي، أسهم فيها حزب الوزير بطريقة أو بأخرى، أصدر حزب «نداء تونس» بياناً استحسن فيه موقف «الاتحاد». وعبّر البيان عن «الاعتزاز والإشادة بروح المسؤولية العالية لقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل... لما أفصحت عنه من رفض لقرار الإضراب المفتوح في معاهدنا ومؤسساتنا التربوية».
وفي أول تصريح له بعد رفض القيادة قرار نقابة التعليم الثانوي، قال لسعد اليعقوبي إنّ بيان المكتب التنفيذي يُعَدّ سابقة في تاريخ المنظمة في فترة ما بعد الثورة. اليعقوبي الذي لم يتراجع عن موقفه من إقالة جلول، لم يتراجع كذلك أمام رفض المركزيّة النقابيّة. فقد أصدر مكتب النقابة بياناً يوم 19 آذار/مارس تمسك فيه بالقرار، وجاء فيه أنّ من حق المدرسين «الدفاع عن كرامتهم وعن مطالبهم المشروعة باعتماد كل الأشكال النضاليّة التي قررتها هياكلهم القطاعيّة». ولم يكتف البيان بذلك، بل رأى أنّ ما صدر عن القيادة يُعَدّ مظهراً من مظاهر الصراع الداخلي، لكنه صراع ديموقراطي سيعزز بدوره وحدة المنظمة.
قد لا يمكن فهم ما حصل من دون فهم هيكلة الاتحاد. فالمنظمة ليست مجرد نقابة، بل هي تجمّع لنقابات من قطاعات مختلفة تتخذ قيادة مركزية مشتركة. وتُعَدّ هذه المسألة نقطة قوة، فالمنظمة تحتضن ما يزيد على 800 ألف منخرط، إذ يسمح لها ثقلها بأداء دور لا يمكن نقابات قطاعيّة منفردة أن تؤديه، ومنها إسهامها الأساسيّة في عقد الحوار الوطني. لكن ذلك يتطلب أيضاً نوعاً من التحكم المركزي، حيث تمتلك القيادة سلطة فيتو، ولا يمكن التصديق على أي قرار إضراب دون توقيع الأمين العام والأمين العام المساعد المسؤول عن النظام الداخلي (يتمثل دوره في الحرص على قانونيّة الإضرابات من الناحية الإجرائيّة).
ضمن هذا الإطار، تكون سلطة قرار النقابات مستقلة في ما يتعلق بقطاعاتها المهنيّة، بينما يتمثل دور القيادة المركزية في ضبط التوجه العام للمنظمة ومحاولة مواءمة قرارات النقابات مع رؤيتها، بالإقناع أو باستخدام سلطتها الاعتراضية في الحالات القصوى ــ وهو ما حصل في هذه الحالة. ولا ترى القيادة الآن موجباً لمزيد من التصعيد مع الحكومة، فحتى وإن كانت نقابة الثانوي في أزمة مع وزير التربيّة، فإن الوضع العام ليس بذلك السوء. وقد توصل الاتحاد سابقاً إلى اتفاقات لزيادة الأجور في القطاع العام، وزيادات في القطاع الخاص برعاية حكوميّة.

آفاق مفتوحة

برغم تبرير القيادة النقابيّة موقفها بالحفاظ على مصلحة التلاميذ والسلم الاجتماعيّ، فإنّ الموقف أضعف بلا شك موقف اليعقوبي عبر الحدّ من خياراته في مواجهة الوزير. وسيحمل اجتماع الهياكل النقابيّة الجهويّة اليوم، الذي دعت إليه نقابة التعليم الثانوي في بيانها لبلورة موقف من الوضع الراهن، التزاماً بموقف المكتب التنفيذي أو تشبثاً بقرار الإضراب المفتوح الذي لا بد أن يخلق حالة شقاق داخلي، لم يسبق لها مثيل، قد تُضعف بدورها موقع الاتحاد ككل في وجه الحكومة والتحالف الحاكم.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com