ثلاثة خطابات ورؤية مفقودة


فراس جابر

رأي | المجتمع الأهلي الفلسطيني تأسس تاريخياً ضمن منظومة القوانين العثمانية، وتحديداً الجمعيات الخيرية والدينية، وتطور ضمن مراحل إلى أن جاءت نكسة عام 1967 ليدخل مرحلة جديدة عمادها العمل الشعبي الواسع المؤطر ضمن لجان العمل التطوعي، والتي أخذت بعدها شكلاً تخصصياً (زراعياً، صحياً ... الخ) وأشرفت عليها منظمة التحرير وفصائلها المختلفة من أجل تحشيد الناس في لجان لمواجهة الاحتلال من ناحية، وتغطية النقص في الخدمات نتيجة غياب الدولة ودورها، والعسف المستمر للاحتلال في تدمير البنى الاجتماعية القائمة، أو منع بنى جديدة من النشوء.

شهد عقد الثمانينيات من القرن الماضي ولادة المنظمات الأهلية التنموية التي ارتكزت على خطاب تنموي مقاوم عماده اقتصاد الصمود، الذي شهد مرحلتي تطور، تميزت الأولى بأن الاقتصاد وجه للصمود بشكل أساسي، فيما تميزت المرحلة الثانية بأنها أضافت بعد البناء لأجل التحرير، وارتكزت على شعاري المقاطعة والإنتاج المحلي. وازدادت هذه المنظمات مع بداية عقد التسعينيات، وشهد هذا العقد تنافساً كبيراً بينها وبين السلطة الوطنية الفلسطينية الناشئة على التمويل وعلى مساحات العمل والتأثير. وبشكل عام، وعند مراجعة برامج عمل وخطابات العمل الأهلي، وبرغم وجود تمايزات واختلافات، نجد أن هنالك ثلاثة أنواع من الخطاب التي عكسها عمل هذه المؤسسات وبرامجها، والتي تشمل معظم العمل الأهلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، أولاً الخطاب التنموي، ثانياً الخطاب الحقوقي، وثالثاً الخطاب الخدماتي.

في دراسة قام بها مركز بيسان للبحوث والإنماء حول نقد خطاب المؤسسات الأهلية وعملها في فلسطين بعد اتفاق أوسلو 1، خلصت إلى أن «التحولات التي طرأت على خطاب التنمية في السياق العالمي والفلسطيني بعد توقيع اتفاقية أوسلو وتراجع النضال من أجل التحرر الوطني، وتزامن هذا مع هيمنة الفكر الليبرالي الجديد والرأسمالية الغربية، بما يعيد إنتاج علاقات الاستعمار السياسي والاقتصادي، بينما يتم احتواء القوى التي تحمل إمكانيات أن تقاوم الاحتلال والنظام العالمي من خلال توظيف جزء منها في المنظمات غير الحكومية»، من هذا المنطلق، هل نستطيع أن نقول بأن هذه الخطابات الثلاثة (التنموي، الحقوقي والخدماتي) التي تحملها المنظمات غير الحكومية تندرج ضمناً أو صراحةً ضمن العولمة الرأسمالية، أم أن هناك أبعاداً مغايرة/ مقاومة؟

أولاً: الخطاب التنموي:

يواجه الخطاب التنموي الفلسطيني مشاكل عدة، جزء منها بنيوي، فهناك أربعة فاعلين يتحركون في ساحات التنمية: السلطة الفلسطينية واستناد خطابها إلى بناء الدولة والإصلاح المتفق تماماً مع متطلبات المؤسسات الدولية المختلفة، وعدم مراعاته للواقع الفلسطيني. القطاع الخاص الفلسطيني الذي يمتلك خطاباً ربحياً استثمارياً مع وجود محاولات لتأسيس صناديق المسؤولية الاستثمارية كدعاية أكثر منه عمل تنموي. المجتمع المدني أو بشكل أكثر تحديداً المنظمات غير الحكومية، وهذا ما سنناقشه. الممولون والمؤسسات الدولية التي تحاول أن تمارس هيمنة كاملة على الفاعلين الثلاثة، من خلال العمل على تحديد خططهم وبرامجهم.

التحدي الأساسي الذي يواجه خطاب التنمية في فلسطين، والذي يمثل تحدياً حقيقياً وبنيوياً يتمثل في الاحتلال الاستعماري الاستيطاني وتدميره المنظّم والممنهج للمقدرات الفلسطينية، ويتماثل هذا مع غياب سيادة فلسطينية حقيقية على الحدود والموارد البشرية. ورغم غياب السيادة، إلا أن المحاولات التنموية المحدودة التي جرت، ظلت مرتبطة أساساً كردات فعل أكثر منها تخطيطاً موجهاً من أجل تعزيز صمود الفلسطينيين.

بالعودة إلى المنظمات غير الحكومية وخطابها التنموي، نجد أن هناك تبايناً في أنواع الخطاب التنموي المقدم منها، فجزء من هذه المنظمات يمارس عملاً تنموياً داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة من دون تأطيره بخطاب واضح ومفهوم وبرامج محددة، ما يعني العفوية في العمل، وبالضرورة انتفاء النتائج الواضحة والمؤثرة.

فيما جزء آخر يقدم خطاباً تنموياً يتماهى مع خطاب السلطة، وعماده بناء مؤسسات الدولة والإصلاح، متناسين وجود الاحتلال وغياب السيادة، وفشل هذا الخطاب بعد أكثر من عقد على بدء تطبيقه (والمتمثل بخطط التنمية التي وضعتها الحكومات الفلسطينية)، ما يعني ترك الفئات الاجتماعية المحرومة دون تنمية موجهة لهم تنقذهم من عوز الفقر والبطالة، واستناده بصورة كبيرة على مفاهيم عالمية للتنمية من دون توطينها محلياً، وتركيزه على مفاهيم الديموقراطية وحقوق الإنسان، دون ربطها بالسياق السياسي/ الاستعماري، بذلك «تكون المنظمات غير الحكومية جزءاً من المهمة الاستعمارية الجديدة القديمة لإدخال التنمية إلى دول الجنوب المختلفة، هذه التنمية التي يراد إدخالها تصبح في المرحلة المعاصرة متجسدة في مفاهيم الدمقرطة التي اعتبرت المخلص الأساسي لدول الجنوب من حالة الفقر و«التخلف» والمفتاح الرئيسي لإنجاز مهمة التنمية».

فيما نجد قسماً آخر من هذه المنظمات وإن كانت تتبنى خطاباً تنموياً أوضح، إلا أنه يقتصر في كثير من الأحيان على قطاع معين، أو فئة معينة، دون الإحاطة بضرورة تبني خطاب تنموي شامل في مواجهة الاحتلال من ناحية، والعولمة والمفاهيم الليبرالية من ناحية أخرى، ما يعني فقدان إمكانية تركيز الموارد والبرامج التنموية.

وحديثاً، يبرز خطاب تنموي أكثر جذرية يسميه البعض (التنمية البديلة) وهو نابع من مصلحة الجماهير بالأساس، ويعطي مساحة واسعة للفاعلين المحليين أن يعبروا عن تطلعاتهم التنموية من خلال العمل القاعدي، بالتركيز على الأولويات الفلسطينية الداخلية، وكيفية تلبيتها بالاعتماد على الإنتاج المحلي، والتمويل غير المشروط المتضامن مع القضية الفلسطينية.

ثانياً: خطاب حقوق الإنسان:

إشكالية خطاب حقوق الإنسان، وهو أنه بخلاف التنمية ينحصر تقريباً في المنظمات غير الحكومية الفلسطينية والدولية، بمعنى أكثر غياب الفاعلين الآخرين (القطاع الخاص، السلطة) عن ساحة إنتاج هذا الخطاب من ناحية، ومن ناحية أخرى أن مرجعية الخطاب الحقوقي هي مرجعية عالمية واحدة، لا تميز على المستوى التطبيقي والإجرائي والفكري الأوضاع الاستعمارية التي تخضع لها فلسطين، بالتالي يتم «الحديث عن عولمة الحقوق من ترسيخ وتجسيد للنظام القائم الذي أفرز هذه الحقوق، كما يختفي التساؤل الجذري عن الدور الذي وجدت المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومؤسساتها للعبه، وبينما تعمل الرأسمالية على قمع واضطهاد مجموعات كبيرة من الناس، تعمل مؤسساتها الدولية على إضافة المزيد من الحقوق إلى قائمتها من الحقوق الإنسانية التي تزيد عالميتها كلما زادت عالمية الاضطهاد والقمع الذي تمارسه الرأسمالية».

الجدال حول أساس شرعية منظمات حقوق الإنسان ليس بالمهمة الصعبة في ظل عضويتها الواسعة للمنظمات الدولية وتبنّي خطابها «فلا يكون مستغرباً أن يكون أساس شرعية المنظمات غير الحكومية الفلسطينية وآليات عملها وأهدافها مستمدة ومستندة إلى ما حدث في الغرب»، وهذا لا يعني أن منظمات حقوق الإنسان تتجاهل في خطابها وأهدافها الاحتلال وممارساته المستمرة، لكن التعامل معه يتم على أرضية المرجعية الدولية فقط، إضافة إلى وجود مآزق التعامل مع الانتهاكات الفلسطينية لحقوق الإنسان في مرحلة الاحتلال.

لذا، هل يمكن اعتبار منظمات حقوق الإنسان جزءاً عضوياً من الرؤية الفلسطينية للتحرر، أم هي أداة فلسطينية وفق معايير دولية؟! تجيب الدراسة بالآتي: «لا تعمل المنظمات غير الحكومية الحقوقية كمؤسسات فلسطينية تسعى الى إحداث تغيير في المجتمع الفلسطيني أو لتحريره وبناء مجتمع مستقل، كما تبين في رؤيتها، بل تبقى مهمتها الرئيسية وهدفها الأساسي حماية حقوق الإنسان». لذا، تقوم هذه المؤسسات باستخدام المعايير والأدوات الدولية لإثبات مهنيتها مثل الشهادات المشفوعة بالقسم عند توثيق الانتهاكات، رغم أنها غير مقبولة في سياق وجود احتلال، وكذلك تحويل القضايا الجماعية إلى قضايا فردية، متجاهلة القمع والانتهاكات الجماعية من قبل الاحتلال.

المنظمات النسوية الفلسطينية مثال آخر على أجندة حقوق الإنسان، فنجد من مراجعة وثائق وتقارير لمؤسسة نسوية فلسطينية أنها تستخدم مرجعية دولية، وتتلخص هويتها الفلسطينية في نقل المعايير الدولية عن النساء وحقوقهن إلى المجتمع الفلسطيني ونسائه، متجاهلة السياق الفلسطيني وتركيبته وتعقيداته فـ«القمع الممارس من قبل الاحتلال ضد النساء الفلسطينيات يتم التعامل معه وفق معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا ضمن رؤية نسوية فلسطينية لقضايا النساء الفلسطينيات، بما فيها الوطنية»، أضف إلى ذلك تفكيك مطالبات النساء من جماعية تقوم على وحدة الحال والحركة إلى مطالب فئات وأفراد.

ثالثاً: خطاب الخدمات:

خطاب الخدمات في العمل الأهلي/ المنظمات غير الحكومية تبلور في مواجهة الاحتلال، ومع مجيء السلطة حصل تنافس بين مجموعة من المنظمات غير الحكومية «مقدمة الخدمات» مع السلطة من أجل الهيمنة على الخدمات والأفراد المنتفعين منها، بما يعني من مشروعية للجهة المقدمة للخدمة.

لكن، خلال مرحلة ما بعد أوسلو تم فرض مبادئ السوق الحرة، حيث يصبح العمل الأهلي قطاعاً يقدم الخدمات في ظل انسحاب «الدولة» من هذا المجال، وأصبح دور هذه المنظمات تعزيز قدرة الأفراد على القيام «بالخيار الاستهلاكي الفردي»، من دون ربط هذه الخدمات المقدمة ـــ على أهميتها ـــ مع خطاب تنموي يعزز صمود الناس وقدرتهم على المشاركة في المشروع التحرري من ناحية، والتحرر من قيود السوق التي دفعت بالمزيد نحو الفقر والبطالة والعوز، كما نرى في خطاب مؤسسة صحية خدماتية «تعزيز صمود الشعب الفلسطيني من خلال تعزيز الإدارة التشاركية والكادر المهني المؤهل الذي يملك القدرة على التأثير على السياسات العامة والقطاعية من أجل نظام صحي شامل كحق إنساني أساسي قائم على وثائق وأعراف حقوق الإنسان الدولية»، حيث نرى أن الجزء الوطني ينتهي عند صمود الشعب، بينما يعزز الاقتباس مهنية المؤسسة من ناحية، والارتكاز على المرجعية القانونية الدولية، من دون توضيح كيف أن المرجعية القانونية الدولية والمهنية ستعزز من صمود الشعب الفلسطيني.

خاتمة: رؤية مفقودة:

في جعبة المنظمات غير الحكومية عدد كبير من المفردات المتشابهة «العقلانية، الخيار الحر، والمنافسة الحرة، وحرية عمل السوق»، وكذلك تشابهات كبيرة في البرامج والمشاريع التي يتم تنفيذها «الحكم السليم، حل النزاعات، أو قضايا المرأة وحقوق الإنسان والديموقراطية، سيادة القانون، الرقابة على الانتخابات»، لكن الحلقة المفقودة هي الرؤية المشتركة لتنمية المجتمع الفلسطيني في ظل وجود احتلال استيطاني من ناحية، وإشباع المجتمع الفلسطيني بخطاب الليبرالية الجديدة الذي تبنّته أخيراً السلطة الفلسطينية وتعمل على تعزيزه.

الرؤية المفقودة للمنظمات غير الحكومية في مجال التنمية يبدو أمراً مهماً في إضعاف فاعل مهم داخل المجتمع الفلسطيني، ويحدّ من المساهمة في بناء برنامج وطني مقاوم «التبعية التي تميّز عمل ودور المنظمات غير الحكومية الفلسطينية لتلك الخاصة بالمنظمات والهيئات الدولية لا تجعلها مستجيبة لـ«احتياجات أو تصورات جماهيرها المحلية، بل لمناطق اهتمام وأولويات المانحين». وبشكل عام، المساعدات الغربية، وخاصة الأميركية موجهة بأهداف استراتيجية كبرى».
بالنتيجة، نرى أنه مع وضوح غايات وأجندات الممولين، يبقى أن تتجه المنظمات غير الحكومية إلى توضيح خطابها وأهدافها بحيث تتسق مع الواقع الفلسطيني، وتعمل على مقاومة الاحتلال، والليبرالية الجديدة وأجندتها.

*مدير دائرة الأبحاث في مركز بيسان للبحوث والإنماء.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]