رسالة كان | الكروازيت بنكهة شرق أوسطية: «سوبرمان» السوري ودونكيشوت الإيراني!



مشهد من «قمر كوكب المشتري» للمجري كورنيل موندروزو
عثمان تزغارت

كان | فيلمان تصدّرا عروض اليوم الثالث من «مهرجان كان» الـ 70، أحدهما ينافس على «السعفة الذهبية» وهو «قمر كوكب المشتري» للمجري كورنيل موندروزو، والثاني عُرض ضمن تظاهرة «نظرة ما»، وهو «رجل نزيه» للإيراني محمد رسولوف.

من خلال هذين العملين، سُلِّطت الأضواء على قضايا الشرق الأوسط، عبر شخصيتين ستبقيان ماثلتين في ذاكرة الكروازيت. إحداهما شخصية مغرقة في الواقعية، هي رضا، «الرجل النزيه» في فيلم رسولوف. أما الثانية فهي، على العكس تماماً، شخصية خرافية أشبه بـ «سوبرمان» سوري يظهر من بين جموع اللاجئين المتدفقين على أوروبا، في فيلم موندروزو.
رسولوف، الذي اكتشفته الكروازيت بفيلمه «إلى اللقاء» (جائزة أفضل إخراج - «نظرة ما» – 2011)، هو رفيق درب جعفر بناهي، الذي أدين معه بالسجن 6 سنوات، عام 2010، بتهمة «الترويج لأفكار معادية للجمهورية الإسلامية». والاثنان يعدان أبرز تلامذة المعلم الراحل عباس كياروستامي. تشكل أعمالهما، من «الدم والذهب» (بناهي - 2003) الى «المخطوطات غير قابلة للحرق» (رسولوف – 2013)، معالم شامخة في مدرسة «الواقعية الإيرانية»، التي صنعت الشهرة العالمية لسينما موطن عمر الخيام، وخرج من معطفها سينمائيون باتوا من كبار صناع الفن السابع. وفي طليعة هؤلاء أصغر فرهدي، الذي عاد اليه شرف إعلان افتتاح هذه الدورة من «كان».
بعدما استأنف الحكم الصادر بحقه، وأثبت أنّ أعماله لا تشكل «بروباغندا معادية للجمهورية الإسلامية»، سمحت الرقابة لمحمد رسولوف بتصوير عمل جديد في إيران. علما بأنّه على غرار جعفر بناهي (الذي ما زال محظوراً)، رفض المغادرة لتصوير أعماله في الخارج. مما سمح له بإشباع الظمأ الإبداعي، الذي عانى منه على مدى ستة أعوام، ليعود إلينا بتحفة بصرية أبهرت الكروازيت من خلال بنيتها المينيمالية ومضمونها المتجذر في البيئة المحلية الإيرانية، التي فضّل رسولوف السجن والحظر على الانسلاخ عنها.
العرض الأول لـ «رجل نزيه»، صباح أمس، شكّل محطة مؤثرة في برنامج هذه الدورة من «مهرجان كان»، لأنّ الفيلم حمل الى الكروازيت بعضاً من روح المعلم عباس كياروستامي، الذي غيّبه الموت في تموز (يوليو) الماضي، وسيوجه له المهرجان تحية خاصة، من خلال العرض العالمي الأول لفيلمه – الوصية «24 صورة». علماً أنّه كان منكباً على إنهاء مونتاجه حين باغته الموت (سيُعرض الأسبوع المقبل، ضمن فقرات الذكرى السبعينية للمهرجان).
بطل «رجل نزيه» (رضا) شخصية ذات سمات دونكيشوتية تقاتل للحفاظ على طهرانيتها اليسارية، بعدما انفض عنها رفاقها بعد التخرج من الجامعة. إذ انسحق أغلبهم تحت ضغوط القمع السياسي وهموم الحياة المختلفة. أما «رضا»، فقد اختار العودة الى مسقط رأسه في الريف، وإقامة مزرعة لتربية الأسماك، برفقته زوجته التي تدير مدرسة محلية. وإذا بالفساد الإداري يلاحقه، لتحاصره المشاكل من كل صوب، بسبب إصراره على التمسك بنزاهته وطهرانية شبابه.
أما كورنيل موندروزو، فقط اختار مخاتلة المشاهد من خلال عنوان يعطي الانطباع بأنه سيقدّم فيلماً من نوع الخيال العلمي تدور أحداثه في الفضاء: «قمر كوكب المشتري»، ليتبين أنّ الأمر لا يعدو أن يكون نوعاً من الاستعارة المجازية. فالمشتري لديه أربعة أقمار، أبرزها القمر «أوروبا» الذي اكتشفه غاليلي، عام 1610، وهو أكبر أقمار المجموعة الشمسية، ويضم محيطاً مائياً ضخماً جعله محل فضول واهتمام علماء الفلك. وقد اعتقدوا طويلاً أنّه يشكل «البيئة المثلى لإقامة نمط حياة مغاير».
أسقط موندروزو هذا التوصيف على القارة الأوروبية من كوكبنا، إذ تعتقد جموع اللاجئين التي تتدفق عليها أنها ستوفر لهم «البيئة المثلى لحياة مغايرة»! من بين جموع اللاجئين السوريين الذين يصور الفيلم رحلتهم البحرية الطويلة لاجتياز حدود «القارة العجوز» سراً، هناك شاب اسمه «أريان» يُطلق عليه الرصاص من قبل حرس الحدود المجري. لكنه لا يموت، بل يتحرر من الجاذبية الأرضية، ويتحول الى «ملاك لاجئ» يحلق في سماء أوروبا، التي جعل نمط الحياة الاستهلاكية الليبرالية سكانها يركضون خلف هموم الحياة الكثيرة مطأطئي الروؤس. وجاء هذا الـ «سوبرمان السوري»، كما يقول الطبيب المجري الذي يحميه من مطاردات الشرطة، ليحيي لديهم الرغبة في التطلع نحو الأعلى!

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]