الكرون: عطب الجهاز الهضمي المزمن



ربما، لم يحظَ مرض «كرون» بصفة «الشيوع»، كما غيره من الأمراض ولكنّه يبقى مرضاً خطيراً نظراً إلى دخول عوامل عديدة في نشوئه. فهذا الداء الذي يصيب الجهاز الأكثر حيوية في الجسم ـ الجهاز الهضمي ـ يمكن أن يقتل الحياة في لحظة إهمال. من هنا، تكمن أهمية التدخل المبكر بنيّة التعايش مع داء مزمنٍ مستمرّ باستمرار الحياة

راجانا حمية

لئن كان البعض يستسهل فكرة أن يكون «معطوباً» في جهازه الهضمي، إلا أنّ فكرة الاستسهال يجب ألا تشمل داء كرون، ذلك أن الأخير قد يصبح مصدر خطرٍ على الحياة، قد تبدأ بسوء التغذية ولا تنتهي بالموت.

ولكن، قبل الدخول في تفاصيل هذا الداء، لا بدّ من إيراد التعريف العلمي له. وفي هذا الإطار، يعرّف القاموس الطبي كرون بأنّه «التهاب حاد ومزمن يصيب الجهاز الهضمي عامة، بدءاً من الفم وحتى الفتحة الشرجية، ويتميّز هذا الالتهاب الذي يتفشى في جميع طبقات الجدار المعوي بأنه غير متتابع ويتميّز بوجود مناطق غير مُصابة سليمة وطبيعيّة قد تتبدّل في لحظة ما بأخرى مصابة». ولئن كان هذا المرض يطال كل هذه الأعضاء دفعة واحدة، إلا أن أسباب نشوئه ما تزال غير معروفة، إذ ثمة خليط من الأسباب التي تتضافر معاً لدى الإنسان المصاب، بحيث يصعب تحديد واحدة منها، منها العوامل الوراثيّة والأخرى البيئيّة والجراثيم المعويّة أيضاً. ويضاف إلى ذلك كلّه عامل خارجي يتسبب بإخلال التوازن في الجهاز الهضمي.
وبحسب ما تشير الإحصاءات، يصيب مرض كرون الأمعاء الغليظة لدى نصف المرضى تقريباً، فيما يصيب الأمعاء الدقيقة فقط في ربع المرضى. أما في الربع الأخير، فيصيب الاثنين معاً، الغليظة والدقيقة، وقد «يتوغّل» الالتهاب ليصيب الأمعاء بالكامل، وإن كان يترك، في بعض الأحيان أجزاء من دون إصابات، بحيث تصبح الأجزاء المصابة معزولة عن بعضها البعض بالأجزاء الطبيعية من الأمعاء.

تشابه العوارض واختلاف النتيجة

يختلف مرض كرون عن غيره من الأمراض التي تصيب الجهاز الهضمي بأمرين، أولهما أن لا علاج نهائياً له، ذلك أنه مرض «مستمر» لا سبيل أمام المريض سوى التعايش معه. أما ثاني الأسباب، فهو بلوغه الذروة في العقد الثالث من العمر. ولهذا يطلق عليه البعض مرض الشباب. بعيداً عن تلك «الميزات»، يتشابه الكرون بعوارضه مع غيره من الأمراض التي تضرب الجهاز الهضمي، وإن كانت تختلف عنه بأنها تظهر بشكل مفاجئ ومن دون سابق إنذار. وفي هذا الإطار، يجمع الأطباء على بعض العوارض التي تعدّ أساسية، وهي التي تتراوح ما بين المعتدلة والحادة جداً.
ـ أولى تلك الأعراض، والأكثر شيوعاً، هي الإسهال، إذ يحفّز الالتهاب الناجم عن داء كرون الخلايا الموجودة في المناطق المصابة في جدران الأمعاء على إفراز كميّة كبيرة جداً من المياه والأملاح. وبما أنه ليس باستطاعة الأمعاء امتصاص فائض السوائل المتراكمة هذه بشكل كامل، يحدث الإسهال. كما تساهم التشنّجات المعويّة الحادّة، هي أيضاً، في إنتاج براز ليّن جدّاً. وفي الحالات الأقل حدة، قد يكون البراز أكثر ليونة من المعتاد وبوتيرة أعلى. ولكن الأشخاص الذين يعانون من داء كرون بشكل حاد قد يعانون من ضرورة التغوط نحو 12 مرة يومياً!
- أوجاع البطن والتشنجات: الالتهاب والجروح التي تنتج قد تتسبب بانتفاخ الجدار المعوي إلى درجة تكوّن النّدوب في مواضع وجودها. وقد يؤثر هذا سلبياً على «حركة» محتويات الأمعاء، مما قد يسبب الآلام والتشنُّجات.
ـ وجود دم في البراز: الغذاء الذي يتحرك عبر الأمعاء قد يتسبب بنزف الدم من المناطق الملتهبة، أو قد يتسبب بنزف الأمعاء ذاتها. وفي مثل هذه الحالة، قد تظهر علامات الدم باللون الأحمر الفاتح على أطراف حوض المرحاض، أو باللون الأحمر القاني مع البراز. ولكن، في أحيانٍ أخرى، قد يكون الدم خفياً غير مرئي.
ـ تقرّحات: يبدأ مرض كرون بصورة جروح صغيرة ومتفرّقة على سطح جدران الأمعاء. وفي نهاية الأمر، تتحوّل هذه الجروح إلى تقرحات كبيرة تتغلغل عميقاً، وفي بعض الأحيان تنفذ من جدران الأمعاء. وقد تظهر أيضاً قروح في الفم تشبه في صورتها الفطريّات الفمويّة.
- فقدان الشهيّة والوزن: أوجاع البطن والتشنّجات والالتهاب في جدار الأمعاء قد تؤثّر على وضع الشهيّة وعلى قدرة الهضم وامتصاص الغذاء.
- نواسير وخُراجات: الالتهاب المترتّب عن داء كرون قد ينتقل عبر جدار الأمعاء إلى داخل أعضاء داخليّة أخرى، مثل المثانة أو عنق الرحم، فتربط في ما بينها. وهذا الاتّصال يسمّى ناسور. وهذا الأمر قد يؤدّي أيضاً إلى تكوين خُراج، وهو جرح منتفخ مليء بالقيح. ويمكن أن ينفذ الناسور عبر الجلد. تنتشر هذه النواسير بشكل خاص في منطقة الفتحة الشرجية، وعندها يُسَمّى ناسور «العجان».
وإضافة إلى ذلك، قد يعاني المصابون بمرض كرون بدرجة متقدّمة من الحُمّى والتعب ومن مشاكل أخرى لا علاقة لها، بالضرورة، بالجهاز الهضمي، كالتهاب المفاصل والتهاب العينين ومشاكل في الجلد والتهاب في الكبد أو في القنيّات الصفراوية. أما الأطفال المصابون بمرض كرون بدرجة متقدمة، فقد يعانون من تأخّر في النمو ومعيقات في التطور الجنسي.

اسألوا عن الوراثة

إلى الآن، لا سبب واضحاً للكرون. ولئن كان الباحثون يردّونه في غالب الأحيان إلى التغذية والضغط النفسي، باعتبارهما المسؤولين الرئيسيين، إلا أنه لا مفر من التركيز على عوامل ومسببات أخرى، منها الوراثة. ذلك العامل الذي يلعب دوراً، لا بأس به، في الإصابة بالمرض. وهنا، تشير الإحصاءات إلى أن ما يقرب من 20% من المصابين بمرض كرون لديهم سجل عائلي من الإصابة بهذا المرض. وقد تبين حصول طفرة في الجين المورثة، والتي تحمل اسم «NOD2 / CARD15» لدى غالبية المصابين، وهو العامل المسؤول عن ظهور الأعراض الأولية في جيل مبكّر. ويواصل الباحثون دراسة التغيرات الوراثية (الطفرات) التي تحصل والتي يحتمل أن تكون المسؤولة عن نشوء مرض كرون. لكن، هذا العامل ليس العامل الوحيد، إذ ثمة من يدلّل على «متاعب» الجهاز المناعي، إذ من المحتمل جداً أن يكون فيروس معين أو جرثومة ما هما المسبب لمرض كرون. فعندما يحاول الجهاز المناعي التصدّي لغزو الكائنات الميكروسكوبية الدقيقة، يتمثّل رد الفعل في حدوث التهاب في الجهاز الهضمي.

الثلاثون: عمر «الذروة»

على عكس الشائع، يعدّ عمر الثلاثين هو عمر ذورة كرون، فبرغم أنه قد يظهر في مختلف المراحل العمرية، لكن تتفق جميع الدراسات العلمية على بداية ظهور أعراضه الأولية في سن مبكّرة، بحيث يتم تشخيص معظم المصابين في المرحلة العمرية بين 20 و30 عاماً. ويدعّم هذا العامل التاريخ العائلي، إذ أن خطر الإصابة بمرض كرون يكون أكبر عند الأشخاص الذين لديهم قريب من الدرجة الأولى (والد، شقيق/ة) مصاب بمرض كرون. الشقيق/ة المصاب بمرض كرون يزيد من احتمالات الإصابة بـ 30 ضعفاً. ولمكان السكن حساباته هنا، حيث أن السكن لفترة طويلة في منطقة مَدَنيّة، أو على مقربة من منطقة صناعيّة، يزيد من احتمالات الإصابة بمرض كرون. وللنظام الغذائي المتعب دوره أيضاً، خصوصاً الأغذية الغنية بالدهون أو الأغذية المُصنّعة، قد تكون بدورها عاملاً مؤثراً إضافياً. كما أن الأشخاص الذين يقطنون في النصف الشمالي من الكرة الأرضية هم أكثر عرضة للإصابة بداء كرون، من قاطني المناطق الأخرى. أضف إلى تلك اللائحة التدخين، إذ أن المدخنين هم أكثر عرضة للإصابة بمرض كرون، من غير المدخّنين. وهذا بالتالي يؤثر على العلاج الذي عادة ما يكون أقل نجاعة لدى المرضى المدخنين.

النظام الصحي المعتدل

بعد هذا العرض، وفي ظلّ عدم وجود علاج محدّد لهذا المرض، يبقى النظام الصحي هو الأساس، إذ ينصح الأطباء بتناول كميات صغيرة من الطعام بصفة منتظمة، وتقسيم الوجبات اليومية إلى 5 أو 6 وجبات صغيرة كل ساعتين أو ثلاث ساعات، فهذا أفضل من تناول الطعام لمرات أقل ولكن بكميات أكبر، وذلك لأن الكميات الصغيرة تساعد على تخفيف الضغط على الجهاز الهضمي، ومن ثم يستطيع هضم الطعام بشكل أفضل. وفي هذه الحالة أيضاً، ينصح بالتخفيف من كمية الدهون، كون هذه الأخيرة تزيد من حركة الأمعاء الدودية ومن ثم المغص، ولذا يجب عليكم التقليل من كمية الزيت والزبد والدهون والسمن والقشدة، وكذلك الحلوى والبسكويت المحشو والسكريات البسيطة الموجودة مثلاً في عسل النحل والحلوى والكعك وعصائر الفواكه المركزة.
كذلك التقليل من شرب الحليب ومنتجات الألبان وتجنب الأطعمة المحفوظة والأطعمة شبهه الجاهزة والحارة والمقبلة والمحليات الصناعية وخاصة السوربيتول والجوز والبذور الأخرى والأطعمة المقلية أو المُعدة بالزيت والأطعمة التي تحتوى على نسبة عالية من الألياف والأطعمة والمشروبات التي قد تسبب الغازات مثل الفول والقرنبيط والمشروبات التي تحتوي على الكافيين والمشروبات الغازية.

* للمشاركة في صفحة «صحة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | RHamiyeh@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]