«البريكست» سنة ثانية: العمى التاريخي


سعيد محمد

لندن | «لم يسبق أن كان هناك وقت فيه أمثولات التاريخ قليلة القيمة لتساعدنا في التفكير بالحاضر كما هي الحال اليوم». كان ذلك جزءاً من «خطاب النصر» الذي ألقاه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، أمام الكونغرس الأميركي عام 2003 بعد وقت قصير من سقوط بغداد.

ذلك المقتطف ــ من خطاب مليء بالصلف وأصاب المؤرخين بالإحباط ــ كان بمثابة اعتراف رسمي نهائي بمرض العمى التاريخي الذي أصاب، ليس فقط النخبة البريطانيّة القائمة على تحالف الارستقراطيّة والبرجوازيّة، بل حتى قطاعات واسعة من الطبقة العاملة البريطانيّة التي سبّبت عقوداً متتالية من التبسيط والتفكيك للحقائق التاريخيّة في مدارسها ووسائل الإعلام الموجهة إليها، في فقدانها القدرة على تكوين رؤية واسعة لما تواجهه من استحقاقات أبعد من عدد اليوم لجريدة شعبيّة، أو النقاش الفارغ على التلفزيون في تلك الليلة.


هذا العمى، تكرّس وعمّ تماماً كما توقع ألدوس هيكسلي قبل ثمانين عاماً في (عالم جديد شجاع) عندما تصور مجتمع المستقبل وقد غدا فيه كمّ المعلومات الهائل المتوافر للمواطنين عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي قادراً على إفقاد الحقيقة أي صلة لها بالواقع.
تصويت البريطانيين قبل عام على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي (في ما يعرف بالبريكست) لم يكن إلا نتيجة حتميّة لذلك العمى الذي يمنع المجتمعات من قياس أمور حاضرها سوى وفق ردود فعل لحظية لعواطف مبنية على تلفيقات السياسيين، وتوجيهات الخبراء النصابين وكلاهما تتلبسهم الأدلجة وقصر النظر والطموحات الشخصية الصغيرة القصيرة المدى.
لقد كانت منظومة الاتحاد الأوروبي دائماً الضمانة البديلة لبريطانيا وفرنسا في مواجهة تصاعد الهيمنة الألمانيّة على القارة الأوروبيّة بعد توحيد الألمانيتين، وهو الأمر الذي كان سيجعل من مسألة قيام ما يشبه الرايخ الرابع مسألة وقت ليس إلا. فالألمان الذين تعلموا من تجربتهم المريرة في الحربين العالميتين، نجحوا من خلال قيادة تجمع اقتصادي شديد الفعاليّة في استعادة المكانة الطبيعية للبلاد في الهيمنة على أوروبا دون إطلاق رصاصة واحدة هذه المرّة.
كان تقسيم ألمانيا بعد الحرب العالميّة الثانية بمثابة حل عبقري ــ وقتها ــ لمصلحة بريطانيا وفرنسا بالذات، للتعامل مع (المسألة الألمانيّة)، أي للتعامل مع حتمية تعملق ألمانيا في محيطها الأوروبي المفكك والمتجه تاريخيّاً نحو الأفول. فبالتقسيم يبقى السوفيات خارج أوروبا الغربيّة، ويتولى الأميركيون توفير مظلة حماية لها، بينما يبقى الألمان مقسمين ضعفاء. لذا، إنّ السفير الفرنسي في ألمانيا الغربيّة عام 1989، كان معارضاً بشدة لمشروع توحيد ألمانيا «لأن ذلك يعني ببساطة نشوء أوروبا مهيمن عليها ألمانياً، وهو أمر لا يريده أحد، لا في الشرق ولا في الغرب». وأسرعت وقتها رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، إلى تحذير جورج بوش الأب من أنّ «توحيد المانيا سيمكّنها من أن تأخذ بالسلام ما لم يأخذه هتلر بالحرب». لكن القيادة الألمانيّة ذات الحسّ التاريخي العميق، ومن خلال التلويح بخطر الفراغ الأمني في شرق أوروبا إبان مرحلة غروب الاتحاد السوفياتي، وتغييب أي إمكانيّة لبناء قوة عسكريّة ألمانيّة قد تهدد أحداً، نجحت في إقناع الأميركي بقبول مبدأ التوحيد رغم معارضة تاتشر والرئيس الفرنسي الأسبق، الشديدة والمعلنة.
لذا، كان قيام الاتحاد الأوروبي بمثابة كسر لمصيدة التاريخ التي لا بد منها لناحية حتميّة صراع ألماني ــ فرنسي/ بريطاني جديد: إذ يُكبّل الجميع بنظام سياسي موحد، يمنع الألمان من الاستفراد بالقارة، ولو اقتصادياً، ويجعل من الثلاثي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بمثابة سلة مصالح مشتركة ومتقاطعة تمنع نشوء نزاعات مستقبليّة بين القوى الثلاث.
حوّل الألمان بحكمتهم التاريخيّة ضعفهم العسكري المفروض إلى قوة محضة. فبينما أنفق الأميركيون والأوروبيون والروس بلايينهم في شنّ الحروب وبناء الترسانات العسكريّة عبر البحار، كان الألمان يشيّدون أهم قاعدة اقتصاديّة في العالم القديم كلّه، وهم نزعوا بتخليهم عن العسكرة أيّ مبررات للبريطانيين والفرنسيين بمعاداتهم، وانسحبوا من الصراعات السياسية التقليديّة للتركيز على بناء ألمانيا أوروبيّة، بدلاً بالطبع من أوروبا ــ ألمانيّة ستسبب بحكم الواقع صداعات للجميع. وهذا ما جعل بريطانيا (كما فرنسا) جزءاً لا يتجزأ من قصة النجاح الألماني هذه.
ربما تملّك النخبة البريطانيّة قلق من هيمنة ألمانيا هذه، لكن استجابتها عبر انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سياسة لا تُكسِب المملكة المتحدة شيئاً، بينما ستُكسب ألمانيا كل شيء. فبريطانيا ستفقد الكثير على الصعيد الاقتصادي إن هي خرجت من تشبيكة الاقتصاد الأوروبي الموحد، وهي بانتصار الليبرالية الفرنسيّة أخيراً من خلال انتخاب إيمانويل ماكرون، فقدت شريكها الوحيد ذا القيمة في مواجهة المارد الألماني، بل دفعت به أكثر إلى أحضان برلين. كذلك بدت منظومة الاتحاد الأوروبي وكأنها تجاوزت على نحو حاسم قطوع «البريكست» الآن، وانطلقت في رحلة باتجاه واحد نحو مزيد من التماسك والثقة بالنفس وتأييد الشعوب، وتُكرّس بالضرورة الهيمنة الألمانيّة بشكل أو بآخر.
صعود ألمانيا المُسيّج بتماسك الاتحاد الأوروبي، ونجاحها في استيعاب فرنسا في الوقت الذي تنكمش فيه بريطانيا وتدخل في نزاعات داخليّة مريرة بسبب الانقسامات العموديّة وسعي الأقاليم إلى الاستقلال عن المملكة المتحدة، إنما يعني شيئاً واحداً فقط: «البريكست» كان في هذا التوقيت بالذات هديّة ثمينة لألمانيا في مسيرتها الظافرة، وقفزة نحو الهاوية ــ لا نحو المجهول فحسب ــ بالنسبة إلى أمة قادت العالم مرتين في حروب شاملة خلال خمسين عاماً لمواجهة نفس المارد الألماني، وضحت فيهما بزهرة شبابها واستدعت في ذلك الدب الأميركي البغيض إلى كَرمِها الأوروبي ــ على بعد أميال بحريّة قليلة من لندن نفسها.
كل ما في الأمر أنّ رئيس الوزراء البريطاني السابق والمعروف بعماه التاريخي ديفيد كاميرون، وعد وفق نصيحة خبراء الدعاية والإعلان (النصابين ذاتهم) جمهوره المحافظ (المهيّج دوماً بأوهام العنصرية والتفوق وكراهية الآخر) بعمل استفتاء شعبي عن العلاقة مع الاتحاد الاوروبي إذا هم تركوا دعمهم لحزب الاستقلال البريطاني عندما كان ذلك الحزب يهدد باستقطاب أصوات الناخبين من خلال بيعه تلك البضاعة التافهة عن خطورة المهاجرين الأجانب إلى بريطانيا، بمن فيهم الأوروبيون الشرقيون، في أجواء من الضغط الاقتصادي المتزايد. وكبرت كرة الثلج هذه عندما وصلت إلى خليفته تيريزا ماي، التي لم تكن لديها أي حلول لأزمات الاقتصاد البريطاني المتهالك، ولم تجد لتواصل الإمساك بأوراق السلطة سوى صرف أنظار المواطنين البريطانيين ــ المصابين بدورهم بالعمى التاريخي ــ نحو مسألة «البريكست».
برلين لا تكاد تصدق حسن طالعها بهذا «البريكست»، وهي الآن تدفع باتجاه تنفيذ مفاعيله بأسرع الطرق الممكنة. فأي نعمة أفضل من أن يصاب عدوك بالعمى التاريخي فيتخبط في جزيرته معزولاً، بينما أنت تصعد نحو رايخ رابع مديد؟
إنه مكر المعلم الأكبر ــ التاريخ. والألمان كانوا منذ هيغل، تلامذته المجدّون.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | thejournalist68@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]