بحثاً عن الموضوعية العلمية


رضا حمدان

وأخيراً! بعد سنوات من النضال، صدر قانون سلسلة الرتب والروتب ونُشر في الجريدة الرسمية. إنه انتصار عظيم. ولكن حذار، مثل أي تقدم اجتماعي، هذا الانتصار قد يكون هدفاً لهجوم مضاد لتفريغه من معناه. ولذلك من البديهي أن يكون هناك نضال جديد. ومن الضروري الدفاع عن الحقوق المكتسبة والمطالبة بأخرى.

كما العادة في لبنان، يجري بسرعة إطلاق حرب أرقام من أجل تكوين طبقة ضباب لإخفاء الحقيقة الموضوعية والمثبتة علمياً. وكما جرت العادة، في نهاية المطاف، يكون الحل الأسهل هو اعتماد حلّ وسطي بين طرفين متنازعين، بغض النظر عن موقع الحقيقة.
دعونا نأخذ مثالاً ملموساً: المدارس الخاصة. ما هو تأثير سلسلة الرواتب الجديدة على الأقساط؟
فلنضع الأمور في نصابها. فقد جرى آخر تصحيح للأجور في عام 1996، ثم طرأ عليه تعديل جزئي في عام 2008 (200 ألف ليرة لبنانية) وتعديل آخر في 2012 (بلغ متوسط الزيادة في عام 2012 نحو 20 %)، لنصل إلى التعديل الأخير في عام 2017. بموجب هذه التعديلات، باتت الزيادة تقارب 110%، وفق تقديرات اقتصاديين بارزين في وسائل الإعلام (وهو أقل من مطالبات هيئة التنسيق النقابية في عام 2014 ، أي 121% تبعاً لمؤشر التضخم). وخلال الفترة نفسها، ارتفع مؤشر الأسعار بنسبة 143% (وفقاً لمؤسسة البحوث والاستشارات). وبعبارة أخرى، ارتفعت الأسعار بنسبة 143% في حين أن الأجور ازدادت بنسبة 110%.
صحيح أن سلسلة الرواتب الجديدة ساهمت في إجراء تصحيح كبير للقوة الشرائية في القطاع العام، لكنها لا تزال دون مستوى الأسعار. وقد انخفضت القوة الشرائية، على الرغم من التعديل الحالي، مقارنة بعام 1996. وهذا يتعلق فقط بالقطاع العام. ماذا عن العاملين في القطاع الخاص، والذين تلحقهم زيادة الأقساط في المدارس الخاصة، إذا حصلت، وهم لا يستفيدون من التصحيح الجديد للأجور؟ ماذا عن الأقساط؟
وفق الأرقام التي حصلنا عليها من عينة صغيرة من المدارس الخاصة في بيروت، نرى أنّ الزيادة بلغت 400% بين عامي 1996 و2016. وبعبارة أخرى، فإن الأقساط غطت بشكل كبير التضخم (%143)، وأثر الزيادات المتتالية لرواتب القطاع العام (110%)، وذلك قبل الأخذ بعين الاعتبار تأثير التصحيح الأخير للأجور.
كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة؟ هناك عوامل عدة تدخل هنا:
- أولاً وقبل كل شيء، تضطلع وزارة التربية، بوصفها سلطة عامة وحامية للمصالح العامة، بدور رئيسي. لديها صلاحية التنظيم والإشراف والرقابة على ميزانيات المدارس الخاصة. وقد تظهر اختلافات مثيرة للدهشة بين الميزانيات المرفوعة للوزارة والنفقات الفعلية للمدارس الخاصة. وغني عن القول إنّ الإنفاق العام والمال العام معني بهذه المسألة: دعونا لا ننسى أن المدارس الخاصة معفاة من الضرائب.
إن إنشاء جهاز تدقيق منتظم لمراجعة ميزانيات المدارس ووضع ضوابط لها لا يمكن إلا أن يعزز الشفافية ويعطي المناقشات الجارية بعداً عقلانياً وعلمياً. إضافة إلى ذلك، يمكن للإدارة أن تعزز الإطار القانوني القائم عن طريق تسهيل تشكيل المجالس التحكيمية التي لم تتشكل في بعض المناطق منذ سنوات. هذه المحاكم تعزز سيادة القانون وتحمي أصحاب الحقوق.
- القانون 515 يتضمن اختلالات جوهرية تستدعي إصلاحها بصورة عاجلة. والواقع أن هذا القانون، ورغم النقاط الإيجابية الكثيرة، ليس مطابقاً للمعايير الدولية للمحاسبة. كيف يدفع الأهل تكاليف التطوير التربوي (أي الاستثمارات) واستهلاكها خلال السنة المالية نفسها؟ كيف يسمح للمدارس أن تستوفي إيرادات لا تدرج في الموازنة مثل رسوم فتح الملف، النقل، القرطاسية، الكافيتيريا، الفائدة المصرفية، وغيرها من المداخيل «الخارجية»؟ لو أدخلت هذه الإيرادات الإضافية في الميزانية لكانت أدت حتماً إلى تخفيض الأقساط. كيف لا يتم وضع سقف لتعويضات المالك؟ في كل الأحوال يجب معالجة العديد من القضايا الأخرى، مثل قاعدة 65% (رواتب وأجور) و35% (مصاريف).
من الواضح أن للجان الأهل دوراً أساسياً تؤديه. هل يعرف الأهل ذلك؟ هل يعرفون حقوقهم وواجباتهم؟ هل یعرفون، علی سبیل المثال، أن لديهم الحق في الوصول إلی بیانات المدارس وقيودها؟ كيف يمكن تعزيز دورهم كشركاء حقيقيين في المجتمع المدرسي؟ لأنه، في النهاية، أطفالهم هم المتعلمون في هذه المدارس، أليس كذلك؟ في هذه الحالة بالذات، هل المستهلك هو حقاً الملك أم لا؟ ومن مصلحة المدارس أن يكون لها شريك فاعل. كيف يمكن وضع نظام يمكن أن يضفي الطابع الديموقراطي على الانتخابات ووضع برامج تدريبية للجان الأهل حول حقوقهم وواجباتهم؟ كيف يمكن إضفاء الطابع المؤسساتي على هذه الشراكة الأساسية لتحسين النظام التربوي اللبناني؟
المشكلة الحالية لم تعد مسألة أرقام أو نسب، بل هي فرصة لمعالجة وتطوير النظام التربوي. ومن دون هذه الإصلاحات والتدابير، فإننا سنخسر الرأسمال الوحيد المتبقي في لبنان: الرأسمال البشري.
المصلحة العامة تقتضي إخراج النقاش من الضباب الميتافيزيقي وإعادته إلى شرنقته الأصلية: البحث الموضوعي والعلمي.
- النص مترجم عن اللغة الفرنسية
* باحث اقتصادي وعضو في لجنة أهل

تعليم
العدد ٣٢٦١ الاثنين ٢٨ آب ٢٠١٧

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]