استفتاء «كردستان»: معركة آل البرزاني



دفتر شروط وتوريث وإصرار على المواجهة


إجماع القوى الكردية على تحقيق حلم «الدولة» يقابله تشظٍّ في الموقف إزاء إدارة البرزاني للملف (أ ف ب)
نور أيوب

ضبابيٌّ، حتى الآن، مستقبل استفتاء انفصال «إقليم كردستان» عن العراق. تشبّث أربيل بإجرائه يقابله عزم بغداد على احتوائه وإبطاله، وسط دعمٍ إقليمي ودولي لحكومة حيدر العبادي في مواجهة تعنّت مسعود البرزاني. بعيداً عما ستؤول إليه الأمور، فإن الحديث عن الاستفتاء، بمعزلٍ عن تقاطع المصالح حوله، يشير إلى تخبّطٍ في إدارة أزمة قد تكون سبباً في نشوب اقتتالٍ عراقيٍّ ــ كردي.

فالبرزاني، على مدى الأشهر الماضية، أدار دفّة المفاوضات مع القوى الكردية من جهة، وبغداد من جهةٍ أخرى، على قاعدة تحقيق القدر الأكبر من المكاسب، التي تدور في فلك التوريث السياسي، وتثبيت حكم العائلة بإبرام صفقةٍ مع الأميركي تضمن له ذلك، وأخرى مع الحكومة الاتحادية يكرّس فيها نفسه زعيماً «تاريخياً» للأكراد. هذا المسار تدعمه دولٌ خليجية إلى جانب إسرائيل، تحت مسمياتٍ وعناوين شتّى، بهدف تثبيت بلاد الرافدين ساحةً خصبةً للكباش الإقليمي ــ الدولي في الشرق الأوسط

أيّام ويحلّ موعد إجراء الاستفتاء المرتقب في «إقليم كردستان» في 25 أيلول الجاري. خطوةٌ تؤكّد عزم أربيل بقيادة مسعود البرزاني على الانفصال عن العراق. إجماع القوى الكردية على تحقيق حلم «الدولة المستقلّة»، يقابله تشظٍّ في الموقف إزاء إدارة البرزاني لملفٍّ معقّد، تتداخل فيه الحسابات المحليّة بالدولية. فالمشروع «القومي» بقيادة البرزاني، قد يكون في بعض جوانبه مشروعاً شخصياً ــ عائلياً، يضمن فيه الرجل المستقبل السياسي لنجله مسرور.
من موقعه الرئاسي وقيادته لـ«الحزب الديموقراطي الكردستاني»، أحكم البرزاني قبضته على مفاصل الحكم في «الإقليم». بات الحاكم الأوحد كـ«مشايخ الخليج». يرفض أي نقدٍ أو معارضة، مغلقاً أبواب مجلس النواب في أربيل، وممدّداً لنفسه حقبة رئاسته. استفاد الرجل السبعيني من تمدّد «داعش» في بلاد الرافدين، وضعف الحكومة المركزية في بغداد، محاولاً اقتناص فرصته بأن يكون «زعيم الأكراد التاريخي»، بوصف عارفيه.
دوافع شخصية تكمن وراء إصرار البرزاني على تنفيذ خطته، في ظل دعم إقليمي من إسرائيل والسعودية والإمارات، وكُلٌّ له مشروعه المتناغم مع طرح أربيل. خوف الأفرقاء العراقيين من إجراء الاستفتاء، يقابله تحذير إقليمي تركيٌّ ــ إيراني، بالذهاب إلى أبعد الحدود. أما تهويلات البرزاني المستمرة، واستعداده لبذل الدم مقابل قيام «الدولة»، فيُفسّرها البعض بأنها دعوة إلى إخراجه من ورطة قد أقحم نفسه بها.

محاولات «حفظ ماء الوجه»

في الأسابيع القليلة الماضية، استقبلت أربيل والسليمانية، وفوداً من إيرانية وأخرى أميركية، كُلٌّ على حدة، بهدف ثني الأكراد عن قرارهم، وإخراجهم من مأزقٍ محتوم، يحفظ «ماء وجههم»، ويُسهم في تقريب وجهات النظر مع بغداد.
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني» الجنرال قاسم سليماني، اجتمع مع أبرز قادة الأكراد. ما رشح عن لقاءاته محاولة إعادة «ترتيب أوراق البيت الكردي الداخلي»، خاصّةً المقربين من طهران، إلى جانب «إقناع قيادة الديموقراطي»، بضرورة العدول عن إجراء الاستفتاء. وما رشح أيضاً عن اجتماعات الجنرال الإيراني، تحذيرات طهران وأنقرة الجديّة للحيلولة دون إجراء الاستفتاء، إما بـ«القوّة والحزم» أو بـ«اللين، وإيجاد مخرج يحفظ ماء وجه البرزاني».
أما الولايات المتحدة، فقد أبلغت البرازني رفضها القاطع لإجراء الاستفتاء. المبعوث في «التحالف الدولي» بريت ماكغورك، قدّم «خريطة طريق» تمنحه خروجاً مشرفاً، إلا أن رئيس «الإقليم» وعد من جهة دراسة المقترح الدولي، مشترطاً من جهة أخرى الموافقة على شروطٍ «تعجيزية»، تخدمُ أوّلاً مشروعه «العائلي».


وفق معلومات «الأخبار»، فقد اشترط على ماكغورك، تأجيل الاستفتاء مقابل «إشراف أممي على حوار جاد بين بغداد وأربيل»، وأن يبقى رئيساً للإقليم لمدّة عامين إضافيين، مؤجلاً بذلك الانتخابات الرئاسية، وطالباً من الأميركيين «لجم القوى الكردية المعارضة عن أي هجومٍ ضدّه». لم يتحمل الوفد شروط البرزاني، مُجّدداً تأكيد واشنطن رفض خطوة أربيل، ليختم اللقاء بتحذير الرجل من أي ردّ فعل محتمل، محلياً كان، أو إقليمياً.

فرصة توريث مسرور

محاولة البرزاني وضع شروط «تعجيزية» على الأميركيين لتأجيل الاستفتاء جاءت بعد فشله في إبرام صفقةٍ مع حكومة حيدر العبادي. ووفق معلومات «الأخبار»، تقضي الصفقة بتخلّي البرزاني عن رئاسة «الإقليم»، وضمان انتخابه رئيساً لجمهورية العراق، لولايتين متتاليتين، على أن يُنتخب رئيس «الإقليم»، وسط إشاراتٍ أن يكون «الرئيس المقبل» مستشار «مجلس أمن الإقليم»، مسرور مسعود البرزاني.
بالنسبة إلى بغداد، لم تكن «الصفقة» مفاجئة. فجميع القوى تتابع مساعي البرزاني المستمرة في توريث نجله زعيماً على الحزب و«الإقليم»، أما القوى الكردية، وتحديداً «حزب الاتحاد الكردستاني» (برئاسة جلال الطالباني)، و«حركة التغيير» (برئاسة عمر سيد علي) فقد تفاجأت من «وقاحة البرزاني، وتخلّيه عن حلم الأمة مقابل حلم العائلة»، بوصف مصدر سياسي كردي، الذي أكّد في حديثه إلى «الأخبار»، أن «القوى الكردية وافقت على المضي قدماً في الاستفتاء مقابل بناء دولة، لا تسليمها لآل البرزاني».
وبالرغم من تسليم معظم القوى الكردية أمرها إلى البرزاني، نظراً إلى وعوده بتحقيق «حلم الدولة»، فإن التخلّي عن المضي في ركبه بدأ شيئاً فشيئاً، خاصّة بعد اطلاعها على تفاصيل الصفقة، التي رفضها العبادي إلى جانب تلك القوى. وإن كان الإجماع الحاصل في البرلمان الكردي على التزام موعد الاستفتاء، الذي يشي بأن الأكراد في طريقهم إلى إجرائه، فإن مصادر كردية عدّة تؤكّد أن الاستفتاء «لن يحصل»، وتترقّب التأجيل كـ«مفاجأة الساعات الأخيرة»، ذلك أن «الوعد الذي قُطع في بغداد، من قبل الوفد الكردي، يقضي بتأجيله، أو مقاطعته (إن حصل)».

«دفاتر شروط» الإلغاء

أعدّ البرزاني أكثر من «دفتر شروط» لتأجيل الاستفتاء أو إلغائه. بعضها كان أحادي الجانب، فيما الأخرى مشتركة مع القوى الكردية. منتصف الشهر الماضي، زار وفد كردي العاصمة العراقية، حيث جال على القيادات والقوى المختلفة، طارحاً خطوة الاستفتاء، ومبدياً تمسّكه بالحوار مع الحكومة المركزية لإنهاء الأزمة. وتنقل مصادر سياسية عراقية في حديثها إلى «الأخبار»، أن الوفد طلب من الحكومة تنفيذ النقاط الآتية، بهدف تأجيل الاستفتاء، وهي:
1 ـ تسدّد الحكومة المركزية موازنات الإقليم من 2013 لغاية 2017.
2 ــ تسديد رواتب مقاتلي قوات «البيشمركة».
3 ــ الإسراع في تطبيق «المادة 140» من الدستور العراقي، بشكلٍ حاسم، على أن تكون المناطق المتنازع عليها من حصّة «الإقليم».
4 ـ أن تكون المفاوضات بين بغداد وأربيل، برعاية «أممية»، وضمانة منها.
5 ــ إقرار البرلمان العراقي قانوناً يمنح أربيل الحق في تصدير النفط والغاز، ويخوّلها بالتصرف في عائداته، مع الحفاظ على حقّها في امتلاك الثروات النفطية في «الإقليم».
6 ــ يؤجّل الاستفتاء لمدّة عامين، وإذا أخلّت بغداد في تنفيذ المطالب، فسيكون من حقّ البرزاني إعلان «الدولة الكردية».
لم توافق بغداد على هذه المطالب، واتفق الطرفان على استكمال المفاوضات، والتشديد على تأجيل الاستفتاء، بعد تشكيل «لجان لتعميق الحوار» بين بغداد وأربيل.
المشهد المتداخل محليّاً وإقليميّاً في كردستان، قد يكون مساهماً في إعلان «دولةٍ كردية» تموت في سنواتٍ معدودة، على غرار دولة مهاباد (منتصف القرن الماضي)، أو ستكون نذير شؤمٍ لمأساةٍ كردية جديدة، واقتتالٍ عراقيٍّ ــ كردي، من أجل مشروع «أمّة» تحوّل إلى مشروع عائلة.


داعمو الاستفتاء: تصفية الحسابات

لافتاً يبدو التمسّك الكردي بالاستفتاء، رغم الضغوطات الهائلة. ثلاثة أطراف فقط هي من تدعم هذا التوجّه: إسرائيل، والسعودية، والإمارات. في العراق، عبّر نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي، عن خطوة البرزاني بالقول: «لن نسمح بقيام إسرائيل ثانية». المصالح المشتركة بين أربيل وتل أبيب كبيرة جدّاً، على مختلف الأصعدة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً. «الدولة الكردية»، إن قامت، ستكون كإسرائيل «كياناً سرطانياً» بتعبير مصدر سياسي عراقي. رؤية بعض القوى العراقية تنبثق من رؤية طهران، في قيام قاعدة إسرائيلية ــ أميركية، متقدّمة على حدود إيران الشمالية الغربية.
القلق الإيراني والتحذير الدائم من إعلان «الدولة الكردية» يُفسّر خطوة نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، وزيارته أوّل من أمس لكركوك، لبحث ملف الاستفتاء مع عددٍ من القادة الأكراد، يرافقه «أسطولٌ من عمليات القوات الخاصة في الحشد». خطوة المهندس و«الوفد المرافق» تؤكّد أن الأخير سيكون «يد إيران الطولى في ضرب أي مشروعٍ انفصالي في العراق»، بتعبير قائدٍ رفيعٍ في «الحشد»، وهو موقفٌ يتطابق مع تصريحات الأمين العام لـ«عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، ونيته «دخول أربيل» إذا جرى الاستفتاء. إذ تواجه طهران «تهويلات» البرزاني، بمواقفها السياسية المختلفة من جهة، وبرسائل ميدانية من جهةٍ أخرى.
القلق الإيراني من تهوّر أربيل، دفع الرياض إلى استثمار الخلاف وتغذيته، عبر دعم البرزاني الباحث عن حليفٍ عربي لمشروعه الانفصالي. قدّمت الرياض نفسها كحاميةٍ للأقليات في المنطقة، وحرصها على لململة الشتات الكردي، وتفهمها لمطالبهم بقيام دولتهم المستقلة، وذلك بهدف توجيه ضربةٍ إلى إيران، وتقويض نفوذها في بلاد الرافدين، وإشغالها في مشكلة تدوم سنين. الدعم السعودي المستجد للبرزاني، وفق مصادر سياسية، مردّه إلى سياسة الرياض الجديدة العراق، والقائمة على احتواء خصوم إيران، ومدّهم بالدعم اللازم، على اختلاف ألوانهم ومشاربهم.
أما الإمارات، الداعم العربي الآخر للبرزاني، فمردُّ موقفها «زكزكة» تركيا، كما يعبّر مصدر عراقي زار أبو ظبي أخيراً. فمحمد بن زايد، أعرب أمام زوّاره العراقيين عن امتعاضه من سياسة الرئيس رجب طيب إردوغان «الإخوانية» في المنطقة، ونيّة بلاده في مكافحتها بمختلف السبل المتاحة، وإشغالها بملفات حسّاسة بالنسبة إليها، وهو أمرٌ عبّر عنه رئيس الحكومة التركي بن علي يلدرم قائلاً إن «الاستفتاء مسألة أمن قومي بالنسبة إلينا».

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]