فرانز كافكا: صمتُ الحورياتِ



ترجمة وتقديم رَشِيدْ وَحْتِي
رسومات ومنحوتات رَشُّو كَارْدُو
[نُثَيْرَاتٌ، أقاصيص، يوميات وتوقيعات]

صار فرانز كافكا (1883 ـــ 1924) مرجعية عالمية لا نحتاج أن نقرأها، فَمِنْ متحدِّث عن أجواء كفكاوية، إلى واصف لبعض الأحكام بالمحاكمة الكفكاوية، فَمُتَأَفِّفٍ من البيروقراطية الكفكاوية. صار الكفكاوي ــ كحالة ــ عابراً لحيواتنا اليومية والعميقة. لكن قراءة نص كافكا شيء آخر: اكتشاف لذات كانت تكتب بصعوبة وشقاء بَالِغَيْنِ، رغم الدُّرْبَةِ اليومية، في مسار جعل الكتابة والحياة مساقاً واحداً، تنصهر فيه كل الشؤون.

تعرض كافكا، كرامبو ونيتشه، وغيرهما من المرجعيات الكبرى، لقراءات تأويلية وأيديولوجية عديدة، من أقصى اليمين الصهيوني (لعب صديقه ماكس برود، حافظ مخطوطاته ومحرف بعضها ـ وفق بعض اتهامات كتاب سيرته ـ دوراً في صَهْيَنَةِ بعض نصوصه) حتى أقصى اليسار الإباحي، جاعلين منه تارة مبشراً بأرض الميعاد، وطوراً ثائراً ضد كل أشكال التسلط القديمة والحديثة. وما من شك أنه كان يَتَقَصَّدُ ترك باب كتاباته مُوَارِباً، منفتحاً على كل التَّآوِيلِ: «المضمون، أجهله. المفتاح، لا أتوفر عليه. الأصوات، لا أصدقها. كل هذا مفهوم. لأني، أنا بنفسي، كل هذا». [كافكا: يوميات.] ترجمنا لكافكا، ها هنا، نصوصاً قَلَّ رواجها في العربية، ذلك أنّ الناشرين والصحافة الثقافية ينزعان نحو نصوصه السردية الطويلة، بالأخص: الانمساخ، المحاكمة، أميركا، القصر. لكل هذا، ارتأينا أن نقدم صنعة عربية لكتابات كافكا غير المطروقة ترجمياً، أو المطروقة بندرة: ما أسماه بعض النقاد مُنَمْنَمَاتٍ موسيقية. وعليه، انتخبنا أربعة نصوص مفتوحة في شكل نُثَيْرَاتٍ [مقطوعات نثرية وجيزة]، عابرة للأجناس الأدبية، من المجموعة الوحيدة التي أنشأها ونشرها كافكا كتاباً مُكْتَمِلاً: نظرة [1912]؛ ومن غريب الأطوار أنه طلب من الناشر سحبها من السوق فور صدورها، رغم أنها صدرت في نسخ لا تتجاوز الأربعمئة؛ يليها قسم خاص بالأقاصيص، فشذرات يوميات، ثم توقيعات كان يفرد لها كافكا دفاتر خاصة من الحجم المدرسي ترافقه في حله وترحاله

I. نظرةٌ [نُثَيْرَاتٌ]

فساتين

في أحايين كثيـرة، عندما أرى فساتين مزدانة بِطَيَّاتٍ، كَشْكَشَاتٍ وَهُدْبٍ من جميع الأصناف، جيدة الالتصاق بأجساد جميلة، أفكر بأنها لن تبقى كذلك لـمدة طويلة؛ ستكون بها ثنيات لا يمكن صقلها بالـمكواة، سيعشش الغبار في أعمق أعماق الزركشات ولن يُنْفَضَ منها أبداً، ولن يتملك أحداً حزن أو سخافة لبس ذلك الفستان البديع الثمين كل صباح، لكي لا يتجرد منها إلا مساء. رغم ذلك، ثمة بعض من تلك الفتيات الصغيرات — فتيات ذوات قدود رشيقة، كَوَاحِلَ رقيقة، إِهَابٍ مشدود بنعومة، بأمواج من الشعر الدقيق الخفيف — يلبسن يومياً ذاك الزي التنكري الأبدي، يضعن نفس الوجه كل يوم في تجويفة نفس اليد ويتأملنه في نفس الـمرآة. أحياناً فقط، في الـمساء، مع دخولهن متأخرات من حفلة ما، يكتشفن في مرآتهن وجهاً متآكلاً، منتفخاً، مغبـراً، وجهاً نظر إليه بإسفار، وجهاً بالكاد يستطعن حمله وتحمله.

الأشجار

شبيهون نحن بجذوع أشجار منغرسة في الثلج. كأنها، بكل بساطة، موضوعة فوق سطح الأرض، بحيث يمكننا دفعها بنقرة إصبع. لا، هذا غيـر ممكن، لأنها مشدودة بمتانة للأرض. لكن، انظر جيداً: حتى هذا ليس إلا مظهراً خداعاً.

آه لو نكون هنوداً حمراً

آه لو نكون هنوداً حمراً، مخضبي الوجوه والأجساد دوماً، ممتطين أحصنة حرونة، على قائمتيها الخلفية، مرتجة بلا كلل على الأرض المرتجة، إلى أن نترك المهماز — لأن لا مهامز ساعتذاك — وترخى الأعنة لأن لا أعنة ساعتذاك — إلى أن نرى الأرضية أمامنا كبـراح بوار، بلا رقبة حصان ولا رأسه.

القرية الأقرب

كان جدي يحب أن يقول: «يا للغرابة، يا لِقِصَرِ الحياة. إنها، الآن، تتكثف في ذكرياتي إلى درجة لم أعد معها قادراً بالتقريب على فهم كيف أن شخصاً فتياً، مثلاً، يستطيع أخذ القرار بالذهاب إلى القرية الأقرب ممتطياً حصاناً، دون أن تتولد في داخله الهواجس — خارج أية صدفة تعيسة — بأن زمن حياة عادية، تتخللها أحداث سعيدة، لا يكفي، ومن بعيد، لركضة كتلك».

عربة

كانت ثمة عربة مزارعين تُقِلُّ ثلاثة رجال صاعدة من أحد السواحل ببطء في العتمة. توجه نحوهم رابع لا يعرفونه وناداهم. بعد تبادل قصير للحديث، تبين أنه طلب منهم إن كان بالإمكان أن يحملوه معهم. أعدوا له مكاناً وساعدوه في الصعود. وعندما واصلت العربة طريقها، سألوه: «أتيت من الوجهة المقابلة، وتعود إليها؟» — «أي نعم، قال. كنت، في البداية، ذاهباً في نفس وجهتكم، ولكن فيما عدت على أعقابي، كان الليل قد خيم أسرع مما كنت أتوقع».

II. أقاصيص

الحوريات

هي ذي أصوات الليل الفاتنة، مثلما كانت تغني الحوريات، ولربما كان من الغبن اتهامهن بالغواية، فهن يدركن أن لهن مخالب، ولكن دونما فرج، لذا فأصواتهن شجن بصوت يسمو فوق هذا الغبن. فهل يكون ذنبهن، يا ترى، أن يكون الشجن بصوت شجي؟

صمت الحوريات

كدليل على أن وسائل غيـر كافية، سخيفة بالأحرى، يمكن أن تجدي في الخلاص:
كي يصون نفسه من الحوريات، سد عوليس أذنيه بالشمع وقيده رفاقه لِصَارِيَةٍ. كان بإمكان جميع المسافرين، منذ زمن طويل ـــ باستثناء أولئك الذين تجذبهم الحوريات من بعيد ـــ أن يفعلوا نفس الشيء، لكن العالم بأسره كان يدرك أن ذلك لم يكن ليجدي في شيء. كان صوت الحوريات يخترق كل شيء، كما كان لشغف البشر المفتونين أن يحطم أشياء أكثر متانة من القيود وصارية. ورغم أن الأمر تناهى ربما إلى مسامع عوليس، فإنه لم يفكر فيه. كان يعول، بالمطلق، على كمشة الشمع وحلقات القيود، وفي غمرة الفرح البريء الذي تمنحه إياه حيله الصغيرة، تقدم نحو الحوريات.
بيد أن للحوريات سلاحاً رهيباً أكثر من غنائهن، يتجلى في صمتهن. يمكن تصور ـــ ولو أن ذلك لم يحدث ـــ أن ثمة من أفلت من غنائهن، ولكن ليس من صمتهن قطعاً. لا شيء على الأرض يمكنه أن يقاوم الإحساس بِهَزْمِهِنَّ إثر استعمال القوة الشخصية ولا الزهو الفظ الذي ينتج عنه.
وفعلاً، عندما وصل عوليس، كَفَّتِ الحوريات النافذات عن الغناء، إما لظنهن أن الصمت وحده يمكن أن يسقط في أحابيلهن خصماً مثله، وإما لأن رؤيتهن للبشاشة ترتسم على وجه عوليس أنستهن كل أغانيهن.
لكن عوليس ـــ إن شئنا أن نعبـر بالشكل التالي ـــ لم يسمع صمتهن؛ ظن أنهن كن يغنين وأنه كان لوحده مصوناً من سماعهن؛ نظر أولاً بشرود إلى تموج رقابهن، إلى نَفَسِهِنَّ العميق، إلى عيونهن المترعة بالدمع، إلى أفواههن الفاغرة، لكنه ظن أن كل هذا كان جزءاً من الألحان التي كانت تضيع من حوله. لكن، عما قليل، سيتبخر كل شيء أمام نظرته الشاخصة للبعيد؛ اختفت الحوريات تماماً أمام ثباته، وبالضبط عندما كان الأقرب منهن، تيسر له أن يتجاهل وجودهن.

لكنهن، في جمالهن الذي فاق كل حد ساعتذاك، تمططن، حُمْنَ حول أنفسهن، تركن شعرهن الرهيب يتموج بحرية في الريح، وتراخت مخالبهن على الصخر. لم تعد لهن رغبة في الإغواء، كن فقط يرغبن في إبقاء بريق عيني عوليس الكبيرتين طائراً في الهواء لأطول وقت ممكن. لو وعيت الحوريات بما كن يفعلن لاندثرن. ولكنهن، بما كن يفعلنه، بقين؛ وحده عوليس أفلت منهن.
فضلاً عن ذلك، تروي الحكايات المتناقلة تكملة لهذه الرواية. يحكى أن عوليس كان خصباً بالحيل، بحيث أن إلهة الأقدار، بجلال قدرها، لا تستطيع قراءة أفكاره. من الممكن أيضاً ــ رغم أن الذكاء البشري عاجز عن إدراك الأمر ــ أنّ عوليس لاحظ حقاً أن الحوريات كن صامتات وأنه لم يَبْدُ متصنعاً، وفق الوصف الآنف، إلا لكي يواجههم، حوريات وآلهة، بما يشابه درعاً.

رسل وملوك

كانوا أمام خيارين: أن يكونوا ملوكاً أو رسل الملوك. وكالأطفال الحقيقيين أحبوا، جميعهم، أن يكونوا رسلاً. لذلك لم يعد ثمة إلا رسل يجولون بخيولهم في بقاع العالم. وبما أنه لم يعد ثمة ملوك، تجدهم يتصايحون فيما بينهم رسائل بلا معنى. وفي أحايين كثيـرة تراودهم الرغبة في وضع حد لحياتهم البئيسة، إلا أنهم لا يجرؤون على الأمر بسبب قسمهم بالولاء.

المحامي الجديد

لنا محام جديد، الأستاذ بُوسِفَالُوسْ. لا يشي شيء من مظهره الخارجي بما كان عليه يوم كان فَرَسَ كَرٍّ اصْطَفَاهُ الإسكندر المقدوني. لكنه يثير انتباه أي شخص قوي الملاحظة. حتى أني رأيت، ذاك اليوم، محضراً قضائياً بسيطاً يتتبع المحامي باندهاش، بنظرة متعاط لسباقات الخيول، وهو يرفع ساقيه عالياً، مع وقع الرخام تحت أقدامه، آناء صعوده أدراج سلم قصر المحكمة واحداً بعد الآخر.

هيئة المحاماة راضية، عموماً، على قبول بوسفالوس بين متعامليها. وبتفهم مدهش، يقال بأن له وضعاً صعباً، في ظل النظام الحالي للمجتمع، ولهذا السبب بالضبط، كما بسبب أهميته في التاريخ الكوني، يستحق منا كل التشجيع. اليوم ــ ولا أحد يستطيع إنكار الأمر ـــ لم يعد ثمة إسكندر أكبر. والاغتيال، ثمة بعد من يجيده؛ ويمهر في قتل صديق من تحت خَوِانِ الوليمة بطعنة رمح. فكثيـر من الناس أيضاً يجدون أن مقدونيا بلد بالغ الصغر، بحيث يلعنون فيليب، الوالد. لكن لا أحد، لا أحد مطلقاً، يستطيع قيادتهم نحو الهند. في ذاك الزمان، كانت بوابات الهند بعيدة المنال، إلا أنّ سيف الملك كان، على الأقل، يشير إلى الطريق نحوها. أما اليوم، فقد تم تنقيل تلك البوابات الذائعة الصيت إلى مكان آخر، أبعد وأعلى؛ ولم يعد ثمة من يشير إلى اتجاهها؛ كثيرون يمتشقون السيوف، ولكن فقط للتلويح بها، أما النظرة التي ترغب في تتبعها، فتتيه.
حقاً، وبعد ترو في الأمر، لربما كان الأفضل ـــ كما هو حال بوسيفالوس ــ أن ننغمس في قراءة كتب القانون. حراً، متخلصاً من سيقان الفارس على جنبيه، هادئاً قرب قنديله، بعيداً عن زمجرات معارك الإسكندر، يقرأ ويقلب صفحات كتبنا القديمة.

پروميثيوس

ثمة أساطير أربع تحكي لنا قصة پروميثيوس: وِفْقَ أُوْلَاهَا، قيد لصخرة في القفقاس لخيانته الآلهة الأكثر حظوة عند البشر، فأرسلت له الآلهة نسوراً تلتهم كبده المتجددة في شكل دائم.
ووفق ثانيتها، فإن پروميثيوس، وهو يهرب في قمة ألمه من المناقير التي كانت تمزقه، راح يغوص شيئاً فشيئاً عميقاً في الصخرة إلى أن توحد معها في كتلة واحدة.
ووفق ثالثتها، فإن خيانته نسيت مع مر آلاف السنين، نسيتها الآلهة.
ووفق رابعتها، فقد تعب الجميع من هذا الأمر الذي فقد معناه. تعبت الآلهة، تعبت النسور، وحتى الجرح التأم تعباً.
بقيت الصخرة المتعذرة الاستيضاح، فقد سعت الأسطورة لاستيضاح ما يتعذر استيضاحه. وبما أنها تولدت عن عمق الحقيقة، فعليها أن تعود لما يتعذر استيضاحه.

رسالة إمبراطورية

بعث لك الإمبراطور ــ حسب ما يحكى ــ لك أنت خصوصاً، لك أنت، أيها الرعي البئيس، أيها الظل المغمور ببؤس في أقصى الأقاصي، في أقصى ما يمكن عن الشمس الإمبراطورية، لك بالتحديد، بعث الإمبراطور برسالة من فراش موته. أما الرسول، فقد رَكَّعَهُ عند الفراش ليهمس له بالرسالة؛ وكان الإمبراطور يهتم كثيراً برسالته، بحيث طلب من الرسول أن يكررها على مسامعه. وبإيماءة من رأسه أشار عليه أن ذاك هو حقاً منطوق كلامه. وأمام كل الجمع الهائل الذي حضر احتضاره ـ لأن كل الحيطان التي كانت عائقاً وجدت نفسها منهارة، وكان كبار الإمبراطورية متحلقين فوق أدراج المداخل الفسيحة الممتدة في شكل دائرة ــ أمامهم جميعاً، بعث برسوله. وسرعان ما شق الرسول، كرجل قوي لا يكل، طريقه متدافعاً بهذه الذراع وتلك تناوباً، من خلال الحشد. وكلما لاقى مقاومة أشار إلى صدره الذي يتوسطه شعار الشمس. كان يتقدم بسهولة منقطعة النظيـر.

لكن الحشد عريض ومقيم في كل مكان. ولو انفتح الفضاء أمامه، آه كم كان سيطير الرسول. وآه كم كنت ستسمع عما قريب دق قبضتيه الرائع على باب بيتك. لكن ـ يا للأسف ـ عبثاً بذل جهداً! كان دوماً يحاول أن يشق له معبـراً بين أجنحة القصر؛ لكنه لن يتجاوزها أبداً، وحتى لو تأتى له أن يتجاوز هاته العقبات، فلن يكون أكثر تقدماً في مهمته؛ في هبوطه أدراج السلالم، ما زال عليه أن يصارع؛ وحتى إن وصل إلى الأسفل، فلن يكون أكثـر تقدماً في مهمته؛ فعليه أن يقطع باحات القصر، وبعدها القصر الثاني المحيط بالأول، سلالم وباحات من جديد، ومن ثم قصر آخر، وهكذا دواليك خلال قرون وقرون؛ وحتى إن تيسر له، أخيـراً، أن يندفع من خلال البوابة الأخيرة ـ وهذا الأمر أبداً، أبداً لن يحصل ـ سيجد أمامه العاصمة الإمبراطورية، قلب العالم، المدينة التي راكمت جبالاً من طميها. لا أحد يمكنه أن يَنْفُذَ من ثمة، خصوصاً إذا كان يحمل رسالة من ميت. أما أنت، فإنك جالس بقرب نافذتك، وتحلم بالرسالة، حين يحل المساء.

III. يوميات

12 كانون الثاني 1911 — ثمة أشياء كثيـرة حول نفسي لم أدونها في هذه الأيام، في جزء منها بسبب الكسل، وفي جزء آخر منها خوفاً من أن أفضح معرفتي بذاتي.
هذا الخوف مبـرر، فوحدها يمكن أن تُثَبَّتَ نهائياً عن طريق الكتابة تلك المعرفة بالذات التي تتحقق بأكبر قدر من النزاهة حتى في كل نتائجها الثانوية وبصدق مطلق. بيد أن هذا الأمر، إن لم يتحقق بهذا الشكل ــ وأنا في جميع الأحوال عاجز عنه ـــ فإن التدوينات، باستجابتها لغاياتها الخاصة، لا تكون، مع تفوق ما تُبِّث، إلا بديلاً لما نشعر به في شكله العام، ولكن بحيث يختفي الإحساس الحقيقي، في حين أن غياب أية قيمة لما دون لا يدرك إلا بعد فوات
الأوان.
■ ■ ■
23 أيار 1913 — أموت مللاً هذا المساء، بحيث مشيت للحمام ثلاث مرات متتالية لغسل يدي.
■ ■ ■
06 كانون الأول 1921 — الاستعارات من الأمور التي تجعلني خائباً من الأدب.
■ ■ ■
24 كانون الثاني 1922 — حياتي تردد تجاه الولادة.
■ ■ ■
28 كانون الثاني 1922 — لربما بقيت رغم ذلك في كنعان، لكن قبلذاك، وصلت منذ أمد طويل إلى الصحراء، وليست هاته الآمال إلا أوهام خيبات أمل، خصوصاً مع أزمنة أنا فيها، حتى في الصحراء، من أكثر المخلوقات تعاسة، وكنعان تبدو لي بالضرورة كأرض وحيدة للأمل، فما من أرض ثالثة للبشر.

IV. توقيعات

الطريق الحقيقي يمر عبـر حبل لا يكون ممدوداً بارتفاع، ولكن بالتمام على سطح الأرض. كما لو كان ممدوداً للتعثر أكثر من كونه للتخطي.
■ ■ ■
كل العيوب البشرية تتجلى في عدم القدرة على الصبر، في قطيعة قبل الأوان مع المسارات الممنهجة، في ما يشبه سياجاً يحيط ظاهر الأشياء.
■ ■ ■
ثمة لدى البشر خطيئتان كبيرتان، تتفرع عنهما باقي الخطايا بكاملها: عدم القدرة على الصبر والكسل. عدم القدرة على الصبر جعلهم يُطْرَدُونَ من الفردوس، أما الكسل فيحول دون عودتهم إليه. ولربما لم تكن ثمة سوى خطيئة واحدة: عدم القدرة على الصبر. عدم القدرة على الصبر طردهم، عدم القدرة على الصبر يحول دون عودتهم.

■ ■ ■
كثيـر من أشباح الموتى لا يجدون لهم مَشْغَلَةً إلا في لحس أمواج نهر الموتى، لأن منبعه مِنَّا ولأن له بَعْدُ طعم بِحَارِنَا المالح. ساعتئذ يتوثب النهر، يغيـر مجراه ويلفظ الموتى ثانية نحو الحياة. لكنهم سعيدون، يبتهلون بصلوات الشكران ويتملقون الهائج.
■ ■ ■
بعد المرور بنقطة معينة، لا عودة. هي ذي النقطة التي ينبغي بلوغها.
■ ■ ■
اللحظة الحاسمة في النمو الإنساني تتحقق دائماً. لذلك فإن الحركات الروحية الثورية التي تعلن أن لا وجود لكل ما سبق على حق: لا شيء تحقق بعد.
■ ■ ■
الدعوة للنـزال من بين أنجع وسائل غواية الشر. تماماً كما منازلة النساء، والتي تنتهي في الفراش.
■ ■ ■
كلبة نتنة، ولودة بروعة..
■ ■ ■
كطريق في الخريف: ما إن نكنسه حتى تكسوه الأوراق الميتة.
■ ■ ■
هجمت الفهود على المعبد وأفرغت إناء القرابين؛ هذا الأمر يتكرر دوماً؛ كما يمكن، في آخر المطاف، توقعه، مما يجعله جزءاً من الطقوس.
■ ■ ■
كما تمسك اليد الحجارة بقوة. ولكنها لا تمسك عليها بصلابة إلا لتقذف بها أبعد. لكن الطريق تقود أيضاً نحو هذا الأبعد.
■ ■ ■
المخابئ لا تعد ولا تحصى. أما الخلاص فواحد، لكن إمكانات الخلاص بعدد المخابئ.
■ ■ ■
ثمة هدف، ولكن لا طريق. ما نسميه طريقاً، هو محض حيرة.
■ ■ ■
في الصراع بينك وبين العالم، أَعِنِ العالم.
■ ■ ■
ليس ضرورياً أن تخرج من بيتك، لازم طاولتك واسمع. لا، لا تسمع، اكتف بالانتظار. بل حتى الانتظار اتركه، ابق هادئاً ووحيداً. سيهبك العالم نفسه كي تنزع عنه قناعه؛ ليس في وسعه غير ذلك. ولسوف يتمرغ، بانتشاء، عند قدميك.
■ ■ ■
زنزانتي — حِصْنِي.
■ ■ ■
الطيبون يمشون بنفس وتيـرة الخطوات. أما الآخرون — ودون أن يدركوا عنهم شيئاً — فيرقصون من حولهم رقصات الزمن.
■ ■ ■
أبداً، أبداً لن تعود للمدن، أبداً لن يجلجل الناقوس من فوقك.
■ ■ ■
كان صُوَّانُ أذني ناعم الملمس، خشنه، رطبه، لذيذاً كورقة.
■ ■ ■
ذات يوم، انكسرت ساقي، كانت تلك أجمل تجربة في حياتي.
■ ■ ■
للحظة، أحسستني مدرعاً.
■ ■ ■
على عكازة بالزاك: أحطم كل الحواجز. على عكازتي: كل الحواجز تحطمنـي. النقطة المشتركة هي الكل.
■ ■ ■
لن أدع الملل يتسرب إلي. سأقفز وسط قصتي القصيرة، حتى لو كلفني ذلك تَمَزُّقَ وجهي.
■ ■ ■
كانت الزهرة، حالمة، عالقة بساقها السامق. وكان الغسق يحيط بها.
■ ■ ■
النيك كعقوبة لسعادة أننا معاً.
■ ■ ■
أنا قذر، يا ملينا، قذر للغاية، لذلك أثير كثيراً من اللغط حول الطهارة. لا أحد يتغنى بطريقة طاهرة أكثر من أولئك الغائصين في أعمق أعماق الجحيم؛ فما نظنه غناء الملائكة، ما هو في الأصل إلا غناؤهم [مِنْ رِسَالَةٍ إِلَى مِلِينَا].
■ ■ ■
الدائرة المحدودة خالصة.
■ ■ ■
مندهشين، رأينا الحصان الضخم. اخترق سقف غرفتنا. وكانت السماء الغائمة تتمدد بوهن على طول أثره القوي، أما عرفه فكان يدوي وهو يطير مع الريح.
■ ■ ■
عيناي في عيني فتاة صغيرة، وكانت قصة حب طويلة، فيها رعد، قُبَلٌ وبُرُوقٌ. أحيا حياتي في عَجَلٍ.
■ ■ ■
الآن، مساء، بعد أن انغمست في الدراسة منذ السادسة صباحاً، أرى يدي اليسرى تمسك لبرهة، إشفاقا، اليد اليمنى من الأصابع.
■ ■ ■
لا يمكنني.. حقاً أن أحكي، ولا حتى أن أتكلم؛ عندما أحكي، يتملكني، في أحايين كثيرة، إحساس مشابه لإحساس الأطفال الصغار عندما يقومون بخطواتهم الأولى.
■ ■ ■
كان القمر، في اكتماله، يعمي أبصارنا. كانت العصافير تصرخ من شجرة لشجرة. وكان ثمة طنين يعبـر الحقول. زحفنا في الغبار: زوج أفاعي.
■ ■ ■
أحياناً، في قمة كبريائه، كان يخاف على العالم أكثر من خوفه على نفسه.

رشو كاردو: تشكيلي سوري. من مواليد عامودا، 1992، لأسرة فنية. اشتغل في التصميم الداخلي للمصابيح المعلقة في بيروت. يمارس التشكيل والرسم والنحت من خلال تكوين ذاتي. مقيم حالياً في آخِّنْ [ألمانيا]

كلمات
العدد ٣٢٨٧ السبت ٣٠ أيلول ٢٠١٧

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]