الرؤية الإسرائيلية لصراعات المنطقة: تقسيم سوريا!


عبدالرحمن جاسم

تأتي دراسة «الرؤية الإسرائيلية للصراعات في الشرق الأوسط وانعكاساتها على أمن إسرائيل: دراسات لجنرالات وباحثين إسرائيليين كبار» (إشراف وتحرير أحمد خليفة، وإعداد رندة حيدر ــــ مؤسسة الدراسات الفلسطينية) كواحدة من الدراسات التي يصدرها المركز بشكلٍ دوري حول أمورٍ تتناول الصراع العربي الصهيوني الذي لا يزال يشكّل حيّزاً مهماً من فكر وطريقة حياة العدو الصهيوني.
يتناول الكتاب موضوعاً مهماً وشائكاً في الآن عينه: كيف يرى العدو الصهيوني الصراعات في الدول المجاورة له؟ وكيف تؤثر عليه أكان سلباً أم إيجاباً؟ يضم الكتاب نصوصاً ومقالات لجنرالات صهاينة معروفين أو باحثين من جامعاتٍ معروفة. من هنا، فإن الدراسة ذات أهمية كبيرة؛ إذ يمتلك هؤلاء باعاً طويلاً سواء بحثياً، علمياً أو عسكرياً تطبيقياً على الأرض. نرى إفرام كام، ومارك هيلر، ويورام شافيتسر، وبنديتا بيرتي، وأودي ديكل، ونير بومس، وغابي تسيبوني، وشلومو بروم (وكلّهم باحثون أكاديمون معروفون)، وعاموس يدلين (رئيس الاستخبارات العسكرية الصهيونية ـ أمان - الأسبق)، وجدعون ساعر (نائب في الكنيست ووزير داخلية وتعليم)، ويعقوب عميدور (رئيس سابق لمجلس الأمن القومي الصهيوني) وعاموس هرئيل (معلّق عسكري).

على رأس هذه الدراسات، نذكر واحدة يقدّمها الاستخباراتي الصهيوني «العتيق» عاموس يدلين (هو في الوقت عينه رئيس معهد دراسات الأمن القومي). إذ يتناول نوعاً من القراءة للبيئة الاستراتيجية لكيان الاحتلال في السنوات التي تلت الأزمة السورية (2011) وصولاً إلى عام 2015. ثم يستشرف في الدراسة ذاتها الوضع عينه بدءاً من العام الفائت وصولاً حتى 2020. هي مغامرةٌ بلا شك، لكن مراكز الدراسات في الغرب هدفها وعملها الرئيسي قائم بشكلٍ مطرد على استشراف المستقبل، وكيفية التعامل معه ضمن احتمالاتٍ محدودةٍ وواقعية. إذاً ما هي الصورة التي يريد يدلين تقديمها؟ أولاً، يشير بوضوح إلى ضعف الدول العربية وحتى اضمحلال دول مواجهة كبرى. «داعش» أصبحت لاعباً مركزياً وقوة لا يستهان بها. الدول الكبرى (أميركا، روسيا، وسواهما) عادت إلى لعب أدوارٍ عسكرية ـــ بشكلٍ مباشر لا عبر وسيط ـــ في المنطقة. تطابق مصالح بين العالم «السني البراغماتي» (كما يصنّفه) وبين الدولة العبرية. الوضع الفلسطيني أخذ بالتحول صوب انتفاضة طعنٍ ودهس. وأخيراً وهذا هو الأهم: الخطر على دولة الاحتلال بات أكبر وذا تنوعٍ أكثر عمقاً. يقدم ضابط الاستخبارات بعد ذلك نوعاً من الاستشراف المستقبلي ضمن حلول للتخلص من عداوات مستقبلية من خلال محاصرة إيران عبر اتفاقيات أكثر تفاهماً وعمقاً مع الولايات المتحدة، وثانياً محاولة إضعافها عبر إنهاكها أكثر في الحرب السورية؛ متطرقاً إلى أن «التهديد الأكبر لإسرائيل هو بالتأكيد حزب الله، وعليها ـ أي إسرائيل - أن تتعامل مع لبنان والحزب ككيان واحد في حال هاجمها وضرب البنية التحتية كجزء من المعركة الشاملة».

يدلين نفسه يعود في دراسة أخرى، ليشدد على وجوب اتخاذ دولة الاحتلال موقفاً واضحاً من نظام الرئيس السوري بشار الأسد، «فمحور «حزب الله»، إيران، وسوريا هو الخطر الأكبر بالنسبة لإسرائيل اليوم، فهو يتبنى هدفاً استراتيجياً هو القضاء على إسرائيل، وتشكل قدراته العسكرية الحالية والقدرات الإضافية التي من المتوقع أن يكتسبها والموارد الصناعية والعلمية عناصر كامنة لقوة إقليمية». ويؤكد في الدراسة عينها على ضرورة خلق «حليف» عربي «سني» للكيان العبري. بدوره، يؤكد رون تيرا في دراسته حول مرحلة ما بعد «سايكس- بيكو» بأنَّ تلك المرحلة قد ولت إلى غير رجعة، فنحن «أمام شرق أوسط جديد على إسرائيل لعب دور أكبر فيه، من خلال تفاهم وتنسيق أكبر مع مصر (خصوصاً فيما يتعلّق بغزّة وسيناء مثلاً) والأردن والسعودية». لكن أهم ما يتطرق إليه هو تسليح أقليات ومجموعات إثنية كالأكراد والدروز وسواهم، في دفعٍ لهم إلى الواجهة واستخدامهم حين تدعو الحاجة، ناهيك بتقوية مجموعات محلية كجبهة «النصرة» (وتحديداً في جنوب مرتفعات الجولان السورية). الأمر نفسه ينسحب على دراسة «حان الوقت للقول وداعاً سوريا، وداعاً سايكس بيكو» لجدعون ساعر وغابي تسيبوني. يشير الاثنان إلى أن سوريا كما كانا يعرفانها، قد انتهت إلى غير رجعة ولا يمكن توحيدها من جديد. ويجدان أن تقسيمها يصب في مصلحة الجميع (اللاعبين الإقليمين جميعهم في المنطقة)، كما يسهم في كبح «داعش». ويقارب نير بومس في دراسته مسألة «حسن الجوار» مع التنظيمات الإرهابية في سوريا كـ «النصرة» وسواها. ويشير إلى تلك العلاقات ويدعو إلى تعزيزها بهدف إقامة منطقة آمنة في جنوب الجولان وتحت الحماية الصهيونية بهدف «مواصلة القتال والتمدد في اتجاه العاصمة السورية وإسقاط النظام الحاكم فيها». ويكشف الباحث ربما للمرة الأولى الدور الأردني في الصراع المحتدم في هضبة الجولان. ولأن الخطر الإسلامي التكفيري يحتاج لمزيد من التوضيح، تأتي دراسة شلومو بروم ويورام شفايستر لتقارب الأمر من خلال التأكيد على أنَّ «داعش» قد تكون تهديداً لأميركا ولكنها ليست كذلك بالنسبة لإسرائيل أقله ليس حالياً. هي لا تقوم بأي عمل عسكري في أو ضد إسرائيل. كما أنّ الصراع مع الكيان العبري لا يزال في آخر سلم أولويات هذا التنظيم. إلى ذلك، فإنّ أسلوب التصدي لحرب العصابات التي يقوم بها «حزب الله» و«حماس» (وسواهما) يمكن استعماله ضد «داعش» حال قررت القيام بأي أعمال تخريبية. بعد ذلك، تأتي دراسة يعقوب عميدور حول الجيوش العربية. يشير إلى أن بعضاً من الجيوش العربية النظامية التي كانت تهدد فعلياً الكيان العبري، قد تلقت ضربة في الصميم وتفككت وأبيدت (كالجيشين العراقي والسوري). لكن في المقابل، ظهرت قوى أخرى باتت تحتل مكانةً في الصراع كـ «حزب الله»، و«حماس»، و«الجهاد الإسلامي»، و«هذه التنظيمات تحيط بإسرائيل من جميع الجهات تقريباً، وهي تمتلك قدرات قتالية ليست بقليلة، وطابعها يحتم على اسرائيل أن تأخذ في الحسبان احتمال تغير الوضع الروتيني الذي اعتادته إلى حالة من المواجهة القتالية المباشرة معها بصورة مفاجئة. ومن هنا، «ثمة أهمية قصوى لنصل السيف الإسرائيلي واستعداد اسرائيل لاستخدامه».
يذكر أن السلسلة كانت قد أصدرت في السابق ثلاثة أبحاث مهمّة هي «المشروع النووي الإيراني: الرؤية الإسرائيلية لأبعاده وأشكال مواجهته»، و«الصناعات الأمنية الإسرائيلية: الوظيفة الاستراتيجية والاقتصادية»، و«العقيدة الأمنية الإسرائيلية وحروب إسرائيل في العقد الأخير» للباحثين والمشرفين ذاتهم.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]