السرطان (مش) قدر


فيصل القاق

بين العدالة الإنجابية والقَدَر الإنجابي الآف الحكايا لنساء جعلهنّ سرطان الثدي ضحايا ليس لشيء سوى انهنّ نساء بالدرجة الاولى. إمرأة من كل ثمانية نساء معرضة للإصابة بسرطان الثدي في حياتها. أكثر السرطانات انتشاراً بين النساء من مختلف العوالم وثاني أكثرها حدوثاً على الإطلاق.

يتم سنوياً تسجيل ما يقارب المليون وسبعمائة وخمسون حالة سرطان ثدي جديدة في العالم، ووفاة ما يناهز النصف مليون إمرأة يحدث نصفها في دول العالم النامي.
في لبنان يشكل سرطان الثدي عشرون بالمائة من مجمل الإصابات السرطانية، وأربعون بالمائة من كل السرطانات النسائية. يطارد سرطان الثدي النساء في لبنان لدرجة إصابتهنّ في قمة عطائهن، حيث تشير تقارير وزارة الصحة العامة ان حوالي أربعين بالمائة من المصابات بسرطان الثدي في لبنان هنّ تحت سن الخمسين.
يطارد سرطان الثدي النساء لأنهنّ نساء، ولأنهنّ حائضات ويقعنّ فريسة له دون سابق إنذار الا ما خلا بعض العوامل التي ترفع من مخاطر الإصابة مثل جينات سرطان الثدي المحمولة من الأهل، مسار الطمث والبلوغ وسن الأمان، قلة الرياضة والحركة، البدانة والعادات الغذائية السيئة، واستهلاك الكحول وغيره. بينما السلوك الإنجابي المتعلق بالحمل والولادة والرضاعة يحمي من مخاطر الإصابة.
بين ما تحمله الأقدار للمرأة في جيناتها وتاريخ أسرتها وبين ما تُدركه في مصيرها الزواجي والإنجابي وسلوكات حياتها، يبقى سرطان الثدي عدواً جدياً لها لا يمكن ان تترك نفسها دون مواجهته ودون حتى استباق حدوثه.
هنا الكشف المبكر يُنقَذ الحياة فعلاً لا قولاً ولا شعاراً فقط. يتضمن الكشف المبكر معرفة ووعي حول الإشارات والعوارض الأولية والدالة حول سرطان الثدي او المنبهة له. لا يعني ذلك العيش في توتر حول اي تغير في احوال الثديين، بل يعني ادراك بعض الإشارات غير المألوفة واستشارة الطبيب بشأنها.
"ما بدي افحص صدري وإشغل بالي"، "كيف بدي أعرف اذا في شي غلط؟"، "اذا بيوجع الصدر يعني مش سرطان"، وغيرها من التعليقات التي تبين الخوف المتزايد من سرطان الثدي والغموض حول التعاطي مع الوقاية منه. عادة لا تتناسب درجة الخوف منه مع خطوات منعه والكشف عنه. لا مفر من تعزيز السلوك وزيادة المعرفة حول الكشف المبكر المتعلق بالاستشارة العادية والتي تُطمئن المرأة وتضعها على علاقة طبيعية مع صحة الثدي.
اما الشق الآخر من الكشف المبكر فيتعلق بالتصوير الشعاعي او "الماموغرام"، عبارة عن صورة "أكس راي" للثدي لكشف تغييرات مبكرة غير طبيعية قبل تطورها وتحسسها من قبل المرأة، وبالتالي إعطاء الطب فرصة أكبر لإزالة هذه المتغيرات قبل ان تُسبب سرطان الثدي. أظهرت الكثير من الدراسات ان إجراء الصورة الشعاعية بشكل منتظم يقلل بنسبة عالية مخاطر الوفاة من سرطان الثدي.
في غضون بضعة أيام ستنطلق الحملة الوطنية للتوعية ضد سرطان الثدي للعام ٢٠١٧ وقد رصدت لها الوزارة ما يفوق عن ١٢٠ مركزاً لإجراء الصورة الشعاعية في كل أنحاء لبنان، محاولة الوصول الى اكثر من نصف مليون إمرأة بين عمر ٤٠-٦٥ عاماً هن الشريحة الأكثر حاجة لإجراء تلك الصورة.
في لبنان يتم الابلاغ عن حالات جديدة لسرطان الثدي تصل الى ما بين ١٥٠٠- ٢٠٠٠ حالة سنوياً بحسب السنوات الواردة في السجل الوطني. يمكن التعامل بايجابية وبنتائج ممتازة مع هذه الحالات اذا ما تم الكشف المبكر عنها والإبلاغ بوقت غير متأخر.
سرطان الثدي خطر داهم ومن واجب المرأة بغض النظر عن وضعها الاجتماعي، والزوج والاسرة والمجتمع، السعي والتعاون للوقاية منه. من سن الأربعين عموماً تكون بداية الكشف المبكر بالتصوير الشعاعي، فليعمل الجميع على مساعدة النساء على اجرائها.
ان اسوء ما يمكن ان يحدث لمجتمع هو ان يخسر أفراده حياتهم لسبب صحي كان بالإمكان منعه او السيطرة عليه. لا زلنا رغم الحملات الوطنية المتواصلة عاجزين عن الوصول الى كل النساء المعنيات بالكشف المبكر. ما بين ٢٠٠٢ و ٢٠١٤، ارتفع معدل اجراء الصورة من ١١٪‏ الى ٤٥٪‏، والغاية الوصول الى ٧٥٪‏ واكثر. لا يمكن ان يتم ذلك دون مساعدة كل فرد من المجتمع،
عندما يعتبر الجميع ان صحة المجتمع لا تستوي من دون صحة المرأة، يمكن عندها العبور الى دولة أكثر صحة وأعلى سلامة.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحة جنسية

صحة
العدد ٣٢٨٩ الاربعاء ٤ تشرين الأول ٢٠١٧

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]