عندما تفقد الأبحاث أخلاقياتها



من يضع المعايير ومن يراقب؟

من أراد أن يثبت اليوم أن أي مادة أو مصنع أو منتج ملوث، فعليه أن يلجأ إلى الأبحاث العلمية. ومن أراد أن ينقض أي بحث بيئي حول مادة أو مشروع ملوث، فعليه أن يلجأ إلى الأبحاث العلمية والبيئية أيضاً. من أراد أن ينقد يلجأ إلى العلم، ومن أراد أن يبرر يلجأ إلى العلم أيضاً! فكيف نمنح العلماء مهمة وضع أسس العلم وأخلاقياته؟ وأين أصبح دور فلاسفة العلم التاريخيين؟ ومن يضع الضوابط الأخلاقية للبحث العلمي؟

حبيب معلوف

طُرحت قضية اعتماد «شرعة المبادئ الأخلاقية للبحث العلمي» التي دُعيت المؤسسات الأكاديمية والبحثية العاملة في لبنان إلى توقيعها، إشكاليات عدة، أبرزها ما إذا كانت تحدّ من حرية البحث العلمي. وإذ لا نعتقد أن هذه الإشكالية صحيحة أو حقيقية في منطقتنا، يبقى أن الإشكالية الأساسية التي تطرحها هذه الشرعة هي حول هوية واضعيها.

فهل هم العلماء والباحثون أنفسهم، أم مسؤولون في مراكز أبحاث (رسمية أو خاصة)؟ وهل بينهم فلاسفة علم؟
وإذ نستبعد، كما فهمنا، أن يكون الذين انهمكوا في الإعداد لهذه الشرعة قد استعانوا بفلاسفة العلم، نجد أن الإشكاليات تبدأ من هنا.
فعن أي نوع من الأخلاق نتحدث؟ ومن يضع الضوابط الأخلاقية للبحث العلمي؟

القلق عنواناً للعصر

إن أفضل توصيف لحالة العصر الذي نعيشه اليوم هو القلق. إنه عصر القلق. إلا أن هذا القلق لم يعد مقتصراً أو ناجماً عن الحروب، أو عن انتشار الأوبئة العابرة للحدود، أو عن دوافع معيشية وحياتية ومصيرية ووجودية... بل بات يتطرق إلى العلم والبحث العلمي وكيفية توظيف الأبحاث في اقتصاد السوق الذي يبغي الربح.
إلا أن المفارقة بشأن هذا الموضوع اليوم، تكمن في أن التشكيك أو التدقيق في العلم ونتائجه لم يعد موضوعاً فلسفياً، بل بات موضوعاً علمياً أيضاً. فكيف يمكن العلم أن يشكك بنفسه؟ وكيف له أن يراجع نفسه وأن يضع الضوابط الأخلاقية لنفسه؟
فإذا أراد أحد أن يسأل أو أن يشكك اليوم في نتائج العلم وتقنياته، فسرعان ما سيواجَه بتقارير علمية باتت تنتج كالفطر. وإذا عادت الفلسفة لتقوم بدورها في التدقيق في أسس البحث العملي وتوجيهه وتحصينه بأخلاقيات لا بد منها، تُواجَه أيضاً بالتشكيك في مشروعيتها بعدما تجاوزتها التخصصية المبالغ بها في كل الاتجاهات.
فهل فقدت الفلسفة مشروعيتها فعلاً، أم أن العلوم هي التي تخطت كل الحدود الأخلاقية التي كان يفترض أن تنتجها الفلسفة؟

ثلاثة اتجاهات

انصبّ اهتمام الفلسفة تقليدياً وتاريخياً في ثلاثة اتجاهات رئيسية كبرى، هي: فلسفة المعرفة (الإبيستيمولوجيا) التي حاولت أن تجيب عن سؤال «ما المعرفة؟» وكيف يمكن أن نعرف؟ وما الذي يمكن معرفته وحدود هذه المعرفة؟ بالإضافة إلى الأسئلة المتعلقة بطبيعة الذات العارفة، أو الطالبة للمعرفة.
أما الاتجاه الثاني لاهتمام الفلسفة التاريخي، فقد انصبّ على فلسفة الوجود (الأنطولوجيا) التي طرحت مسألة الوجود وما بعده.
أما الاتجاه والمحور الثالث للاهتمام، فهو فلسفة القيم (الأكسيولوجيا). إنها الفلسفة التي تبحث في أصل الأخلاق وعلم الأخلاق أو ما يسمى «الأخلاقيات»، من الناحيتين النظرية والتطبيقية.


كانت مسألة المعرفة والعلوم عامة إذاً، من صلب اهتمام الفلسفة، لا بل بين أحد فروعها. وبعد تطور العلوم وانفصالها عن الفلسفة، حصلت تطورات في فلسفة المعرفة، فتحولت في ما بعد إلى فلسفة العلم، التي تبحث وتدقق في مواضيع العلم ومناهجه وتطبيقاته. وتقترب فلسفة العلم من الأخلاقيات أكثر وأكثر، كلما اقتربت أو قاربت القضايا التطبيقية في العلم.

مرحلة الانبهار

تاريخياً، بدت فلسفة العلم في بداياتها منبهرة بنتائج العلم، ثم مرت بمرحلة التحفظ والتشكيك. وقد اكتشفت أن العلم، أي علم، ومهما كان موضوعياً، لا يخلو من الإيديولوجيا ومن فلسفة ما عن الحياة والمادة. ورأت أيضاً أن العلم، مهما بالغ في ماديته، هو ظاهرة تاريخية واجتماعية وإنسانية، ولا يمكنه أن يخرج عن هذه المعطيات مهما تموضع، أو مهما ادعى «الموضوعية» والابتعاد عن الذاتية. من هنا ظهرت في الفترة الأخيرة (العشرين سنة الأخيرة)، دراسات كثيرة عن «أخلاقيات البحث العلمي»، وأدخلت الكثير من الكليات العلمية المرموقة في العالم ضمن المقررات الدراسية العلمية مادة «الأخلاقيات العلمية» بعد أن أوصت بها العديد من المؤتمرات الفلسفية والعلمية.
ولطالما رفض العلماء تدخل الفلسفة والأخلاقيات في عملهم، ورأوا أن الابتعاد عن المجتمع وقيمه شرط ضروري للموضوعية العلمية. ولطالما رأوا أيضاً أن البيئة الاجتماعية مفسدة للعلم والعلماء. وهذا إلى حد ما صحيح. إلا أن للبحث العلمي بيئته أيضاً، وبإمكانها أن تكون مفسدة له أيضاً! كيف ذلك؟

العلم مهنةً

بات العلم اليوم بالنسبة إلى معظم العلماء «مهنة»، دخل وتدخل فيه اقتصاد السوق، في كل تفاصيله. في هذه السوق، دور ومؤسسات نشر البحث العلمي، وهناك من يموِّل الأبحاث ومن يهب المنح ويعرض الوظائف... وحتى معظم من يشغل وظائف أكاديمية شبه ثابتة، يحتاجون إلى نشر الأبحاث التي تساعدهم في عمليات الترقي، حسب القاعدة التقييمية الرائجة: «إن الباحث الأفضل هو الناشر الأكبر للأبحاث». ومن الظواهر المقلقة في الفترة الأخيرة (مع تطور ظاهرة العولمة) ارتفاع أسهم الشركات وموازناتها في دعم البحث العلمي، في مقابل تراجع الحكومات عن دعم الأبحاث... ما أدى إلى تحول خطير في توجيه الأبحاث العلمية. فمن يموّل يضغط لكي يخرج البحث بنتائج مفيدة في السوق، قد لا تكون مفيدة بالمطلق، قد لا تكون مفيدة للحياة نفسها. فالسوق لا تختصر الحياة، ولو أن العدد الأكبر من الناس يعمل أو يتعامل فيه ومعه. كذلك، إنّ الحياة لا تعني فقط حياة أكثرية الناس، ولا تعني النوع الإنساني وحده، بل تعني الأجيال الآتية أيضاً وبقية الكائنات التي تشترك معنا في وحدة الحياة والمصير. في مثل هذه الحالة، بتنا نستطيع أن نستنتج أية آثار سلبية تركها العلم، حين استقلّ عن الفلسفة، وعن المسألة الوجودية التي كانت تطرحها الفلسفة... وبات خادماً أميناً لاقتصاد السوق!

تستّر الباحثين

تحت ضغط ممول البحث العلمي ومتطلبات السوق أيضاً، قد يتستر الباحث عن بعض النتائج السلبية، خوفاً من أن لا تعجب الشركة الممولة للبحث ومن وقف الدعم، أو خوفاً من وقف التعامل في أبحاث لاحقة.
من جهة أخرى، هناك المكافآت السخية للحصول على براءات الاختراع، فأي تقنية جديدة يمكن أن تسجل (شرط أن تكون مفيدة في التصنيع وتطويره على سبيل المثال)، تمنح «مبتدعها» مكافآت مالية كبيرة جداً، ما يدفع البعض إلى ممارسات غير أخلاقية.
بعض الاختصاصات يحتاج إلى سباق كبير بين الطلاب للوصول إليه. ومتطلبات السباق قد تعلم الطلاب أيضاً على ممارسات غير أخلاقية. بالإضافة إلى علاقة العلماء مع وسائل الإعلام (حب الظهور) ومع الجمهور (حب البروز)، قد تساهم أيضاً في خلق بيئة علمية غير سوية.

الاستنساخ يعيد الأسئلة

طُرحت الأخلاقيات العلمية بنحو واسع في الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1993، حين قدم عالمان بحثاً يصفان فيه تجارب خاصة بأجنة بشرية مستنسخة، فحصلت عاصفة من الجدل آنذاك، ما دفع الرئيس الأميركي (كلينتون آنذاك) إلى التحذير من استخدام الميزانية الفيدرالية في تخليق أجنة بشرية لأغراض علمية. ثم عادت المشكلة وتفجرت مع إعلان علماء إسكتلنديين استنساخ النعجة الشهيرة «دوللي» عام 1997، التي كانت قد ولدت عام 1996 قبل ستة أشهر (وتستر عليها العلماء)، وقد نشرت دورية «ناتشر» الموضوع في عدد شباط عام 1997.


عادت الضجة وارتفعت مع إعلان استنساخ «دوللي» كمؤشر على إمكانية استنساخ الثدييات (والإنسان)، وقد علت أصوات كثير منددة، على اعتبار أن الاستنساخ يهدّد قدسية الحياة البشرية، ما دفع الرئيس كلينتون أيضاً إلى اتخاذ قرار ثانٍ مماثل للقرار الأول، يحظر بموجبه إنفاق المال الفيدرالي في الأبحاث المتعلقة باستنساخ كائنات بشرية. لكن ذلك لم يمنع الشركات الخاصة من القيام بهذه المهمة!
قضية الاستنساخ طرحت أسئلة عدة عن كيفية الموازنة بين الحرية الفكرية والحرية العلمية من جهة، والقيم الأخلاقية من جهة أخرى.
ولكن ما الذي نقصده تحديداً حين نتحدث عن الأخلاق أو «الأخلاقيات»؟

«المعيارية» تحتاج لمن يعيرها

لطالما كانت الأخلاق معيارية كما المعرفة والعلم والمنطق والجماليات. فإذا كان المنطق يميز بين معياري الصح والخطأ، والجماليات بين الجميل والقبيح... فإن الأخلاقيات تميز بين الخير والشر، الفضيلة والرذيلة، العدالة والظلم... إنها معيار للسلوك وقاعدة للمجتمع. إنها أخلاق عملية ترتبط بمعايير الحياة اليومية، وهي تتميز عن تلك النظرية التي تحولت إلى علم الأخلاق (الإيتيك) التي تبحث في الأصل وفي مدى المعيارية، التي يطلق عليها أيضاً اسم ميتا-أخلاق. وهي التي تدرس كيفية تبرير المعايير والقيم والمبادئ النظرية، وتبحث في معنى المفاهيم والمصطلحات، والتي تحاول أن تجيب عن أسئلة مثل: لماذا الأخلاق ولماذا نطيع القوانين الأخلاقية والممنوعات والتابوات؟
فإذا كانت الأخلاق معيارية في طابعها ووظيفتها الضرورية، يصبح السؤال: «أين أصبح المعيرون ومن يمثلهم اليوم؟» هو السؤال الأخطر في العالم وفي كل بلد.


أين التقييم البيئي الاستراتيجي؟


من درس اثر سد بقعاته؟

بجانب قضية الأخلاقيات العلمية، تطرح في لبنان والعالم معضلة لا تقلّ خطورة، تتعلق بهوية من يقوم بالتقييم البيئي الاستراتيجي، كما بات مقراً في القوانين المرعية الإجراء. فكل المشاريع، ولا سيما الكبرى، كإنشاء السدود السطحية للمياه أو معامل إنتاج الطاقة أو التنقيب عن النفط والغاز أو الكثير من المشاريع المصنفة «سياحية»، أو تنظيم قطاع المقالع والكسارات والمرامل، أو القوانين المتعلقة بالغذاء وسلامته أو اعتماد سياسات ما في الطاقة والمياه والزراعة والسياحة... إلخ، كل هذه المشاريع تحتاج إلى تقييم بيئي استراتيجي. فمن سيقوم بهذه المهمة؟ هل في الوزارات المعنية دوائر مختصة ومتخصصون؟ وما هي الاختصاصات المطلوبة في هذه المجالات؟ هل في القطاع الخاص؟ ومن يمنع تضارب أو تقاطع المصالح بين الأبحاث العلمية التي تكون لمصلحة الشركات وتلك لمصلحة الدولة والشعب؟ من يقيم ومن يقرر؟ من يمول البحث العلمي؟ وما هي الموازنات التي تقرها الدول لتمويل البحث العلمي مقارنةً بالموازنات التي تضعها الشركات الكبرى لهذه الغاية؟ وأين يفترض أن تتدخل شرعة البحث العلمي وأخلاقياته؟ ومن يضع هذه الأسس في وقت باتت فيه الاختصاصات الفلسفية (التي كان يفترض أن تتناول في مناهجها مواد تتعلق بفلسفة العلم) في الجامعات (الرسمية والخاصة) على وشك الانقراض؟


الأخلاق المهنية

هناك فرق بين الأخلاق العامة والأخلاق المهنية. تُعَدّ الأخلاقيات العامة، تقليدية، نتعلمها في المجتمع والمنزل والمدرسة نقبلها ونطيعها ولا نجادل بها. أما الأخلاقيات المهنية أو أخلاق المهنة أو الأخلاق العلمية، فهي أخلاق مصنوعة ومخصوصة. وهي التي يفترض أن نبحث فيها بعد التطورات الخطيرة التي حصلت (وتحصل) في العلم وتطبيقاته التقنية، وبعدما بدأت تخرج عن السيطرة ولا تخضع إلا لقواعد السوق والربح. طرح في العالم أكثر من طرح لتحصين الأخلاقيات المهنية، منها زيادة رواتب من هم في مراكز حساسة ومؤتمنون على وضع المواصفات والمقاييس للسلع، أو زيادة أجهزة الرقابة على المواضيع نفسها. إلا أن تطور الإنتاج كان أسرع بكثير من تطور وضع الضوابط والمواصفات. فعندما نكون، على سبيل المثال، وحسب آخر دراسة للأمم المتحدة للبيئة، أمام ما يقارب مئة ألف مادة كيميائية جديدة دخلت في حياتنا وأدواتنا وطعامنا وأنظمتنا الإيكولوجية والبيولوجية والغذائية والحياتية... وسببت الكثير من التلوث والمشاكل والانعكاسات الصحية والبيئية، كيف يمكن علماً وقائياً أن يضع المعايير والمواصفات، وأن يدرس كل تلك الانعكاسات المتداخلة والمعقدة؟ وأية أخلاقيات تضبط كل هذا التعقيد؟

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]