السينما الإيبيرو ــ أميركية في بيروت: جروح ملتهبة تحت الجلد


علي وجيه

«وقد أصبح مهرجان السينما الإيبيرو ــ أميركية على مرّ السنين، موعداً مهمّاً وأساسياً على خارطة الأنشطة السينمائية التي تنظّم في بيروت، إذ إنّه يتميّز في تعريف المشاهد على سينما جديدة ومغايرة يصعب مشاهدتها في الصالات التجارية». بهذه الكلمات الواثقة في البيان الصحافي، يصف منظّمو الدورة الثامنة هذا الحدث الذي انطلق أمس في «متروبوليس أمبير صوفيل» ويستمر حتى 22 تشرين الأوّل (أكتوبر).

التنظيم للسفارة الإسبانية في لبنان، ومعهد «سرفانتس»، بالاشتراك مع «جمعية متروبوليس»، وبالتعاون مع سفارات الأرجنتين، والبرازيل، وتشيلي، وكولومبيا، والمكسيك، والباراغواي، والأوروغواي، وفنزويلا، وكوبا، وقنصلية البيرو. مهلاً، هل قلتَ كوبا؟ هذه دولة جديدة تنضمّ إلى المهرجان المتخصّص. عضو جديد في النّادي الذي يرحّب بدول الأميركيتين الناطقة بالإسبانيّة، إلى جانب البرازيل الناطقة بالبرتغالية (أميركا الإيبيريّة). إقامة ندوات تعرّف بثقافة كلّ بلد نشاط جديد كذلك، إضافةً إلى «الطبق الرئيسي» المتمثّل في 11 فيلماً طويلاً. عناوين تتنوّع بين الروائي والوثائقي، وبين التجاري الخفيف والدسم المتخم بجولات دوليّة. هذه الوصفة باتت شائعةً في أسابيع أفلام الجنسيات، بغية جذب عدد أكبر من الحضور، وترويج ما حقّق إيرادات مرتفعة في شبابيك تذاكر تلك الدول. هذا العام، نحن على موعد مع تيمات تنشب أظفارها في النفس البشريّة، ضمن جغرافيا سينمائيّة لا نعرف عنها الكثير. التساؤل الوجودي المعتاد حول الغاية «منّا». الحياة المعاصرة. الاحتكاك الطبقي. الطفولة والتفكّك العائلي. الحب والزواج والصداقة. الاختلاف والأجيال. العنف والانتقام كعادة أزليّة...
نظرة تفصيليّة على البرنامج تجعل الأمور أكثر وضوحاً. بعدما افتتحت التظاهرة أمس بـ «سر صغير» (107 د ــ 2016 ــ البرازيل ـ إخراج ديفيد شورمان)،
يحين اليوم موعد «حكايات جامحة» (122 د ــ 2014 ــ الأرجنتين ــ س:20:00) القائم على سيناريو بديع، تمّت كتابة معظم صفحاته في خوض الاستحمام، مع مشروب في اليد، وشموع مشتعلة في الجوار. نعم، يمكن القول إنّه مشغول بمزاج عالٍ. الصانع يُدعى داميان زيفرون (1975)، ابن بوينس آيرس الذي اكتسب سمعة متنامية منذ «قاع البحر» (2003)، و«تحت المراقبة» (2005)، وصولاً إلى هذا الشريط المتفجّر كظاهرة حول العالم. فيلم أنطولوجي، مكوّن من 6 قصص حاذقة، تجمعها تيمة العنف والانتقام. كوميديا سوداء تتسرّب إلى الوريد كحقنة منبّه شديد التأثير. الحياة المعاصرة في الأرجنتين لم تؤفلم بهذه الحدّة يوماً، إذ تبدو العاصمة كمطحنة تضغط على أعصاب الجميع. المجتمع، والأعراف والبيروقراطيّة العفنة، والنقمة على البرجوازيّة، قنابل موقوتة تحوّل أفراداً عاديّين إلى مجرمين مع سبق الإصرار. يشترك هذا الشريط اللاذع مع السابق بأنّه مرشّح بلاده إلى أوسكار 2015، إذ بلغ القائمة النهائية دون أن يفوز. مع بيدرو ألمودوفار في الإنتاج، نافس على سعفة كان، وفاز بالبافتا، وحصد الكثير في تجوال دوليّ مستحق.
الفيلم الثالث هو «ناس لائقون» (86 د ــ 2014 ــ كولومبيا ــ 18/10 ــ س: 20:00). بين ليلة وضحاها، ينتقل «إريك» ابن العاشرة للعيش مع أب لا يعرف عنه الكثير. هذا الأخير يعمل بالنجارة. يبدو حائراً بدوره في كيفية بناء الجسور مع ابنه. السيّدة الثريّة التي ينجز بعض الأثاث لبيتها، تبدي رغبتها في الاعتناء بالصغير. هكذا، يتشكّل مثلث جدليّ، في دراما قائمة على مشاعر ملتبسة، وجروح ملتهبة تحت الجلد، وعلاقات شائكة تحت السطح. السينمائي فرانكو لولّي خرّيج Fémis «المدرسة الوطنيّة العليا لمهن الصوت والصورة»، وهي أكاديميّة السينما الأعرق في فرنسا. شارك في «أسبوع النقاد»، ونافس على «الكاميرا الذهبيّة» في مهرجان كان 2014. نال جوائز أفضل فيلم في هافانا الكوبيّة وغنت البلجيكيّة وليما البيروفيّة، مع تنويه هام في سان سباستيان.
هنا، يأتي دور «ألما» (93 د ــ 2015 ــ تشيلي ــ 19/10 ــ س: 18:00). الشريط عبارة عن كوميديا رومانسيّة خفيفة (Rom-Com) عن امرأة مصابة بثنائية القطب، وزوجها الذي يحاول استعادتها إثر طرده من المنزل. الأرجنتيني دييغو روجر (1970) معتاد على العمل في تشيلي، منذ أن أنجز باكورته الويسترن Sal في عام 2011.
في اليوم نفسه، سيتمكّن الجمهور من حضور «بابيتا، ماني، توستون» (115 د ــ 2013 ــ فنزويلا ــ 20:00) للويس كارلوس ويك الذي يبقى في أجواء الـ Rom-Com. إنّه أكثر فيلم فنزويلي تحقيقاً للإيرادات في تاريخ البلاد، ولم يتفوّق عليه إجمالاً في عدد المشاهدين الفنزويليّين سوى «تايتانك» (1997) لجيمس كاميرون. «أندريس» و«خوليسا» مشجّعان مخلصان لفريقي بايسبول متناحرين في كاراكاس. يقعان في الحب، فيضطرّان إلى التظاهر بالولاء للفريق الخصم أمام عائلة الحبيب وأصدقائه.
«إستيبان» (90 د ــ 2016 ــ كوبا ــ 20/10 ــ س: 18:00) أيضاً، هو العنوان الوحيد لجونال كوسكولويلا. يعرّفنا على الصغير «إستيبان» الذي يحلم بأن يصبح عازف بيانو رغم فقره. مع عازف البيانو الكوبي الشهير شوشو فالديز في التأليف الموسيقي وأميليكار سالاتي في السيناريو، يقترح كوسكولويلا معالجةً مختلفةً عن الأفلام الكوبيّة التي تتناول الفقر والحاجة في شوارع هافانا. في هذه الليلة، تحضر باكورة مانويل كاراميس «من أجل شاربي» (100 د ــ 2015 ــ المكسيك ــ س: 20:00). ماذا يحصل إذا استيقظ طفل في التاسعة ليفاجأ بشارب ضخم فوق شفتيه؟ كوميديا عائليّة عن الطفولة والاختلاف، ضمن مفارقات مضحكة وشخصيات غرائبيّة.
اليوم ما قبل الأخير (21/10) من المهرجان سيكون مخصصاً لـ «بوابة الأحلام» (90 د ــ 1998 ــ الباراغواي ــ س: 18:00) الذي يشكّل استعادة لوثائقي هوغو غامارا ذائع الصيت لاتينياً، يتبعه الشريط الكوميدي Rambleras (الأوروغواي ــ 93 د ــ 2013 ــ س: 20:00) الذي يحمل توقيع دانيالا سبيرانزا. تجول المخرجة مع ثلاث نساء يواجهن أحوالاً عاطفيّة مختلفة. إحداهنّ تخشى البقاء وحيدةً إلى الأبد. الثانية تعاني من تعلّق حبيبها بزوجته السابقة، فيما لم يبقَ للعجوز من يسأل عنها.
نجما الختام في 22 تشرين الأوّل هما: «الجائزة» (92 د ــ 2009 ــ بيرو ــ س: 18:00) وJota de Saura (إسبانياــ 90 د ــ 2016 ــ س: 20:00). الأوّل لألبرتو دورانت وقد حقق نجاحاً جماهيرياً في بلاده. يتمحور حول مدرّس بسيط يسافر إلى العاصمة ليما، لقبض جائزة يانصيب. هناك، يلتقي ابنه بعد سنوات من الانقطاع، ليباغت بالحال الذي وصل إليه. هكذا، تتغيّر حياة الجميع إلى الأبد.
أما الثاني، فيعود فيه كارلوس ساورا (1932) إلى الجذور، إذ يقصد مسقط رأسه «أراغون» لإنجاز وثائقي عن الرقصة التقليدية والموسيقى الشعبية في المنطقة (La Jota)، بدءاً من أصولها التاريخية، وصولاً إلى أسئلة المستقبل على لسان الحداثويّين من أبنائها. هذا شريط رقص آخر في فيلموغرافيا المعلّم الإسباني المولع بالفلامنكو والموسيقى الشعبيّة الإسبانية والبروفات المسرحية. كالعادة، نحن بصدد كولاج إيقاعي وضوئي لافت. درس في تطويع الفنّ التشكيلي أمام العدسة. ساورا يحبّ البروفات والتحضير على الخشبة. يستمتع بسبر قلق الفنان ومآله، وإذابة كل فاصل بين الحياة الواقعية والحياة الفنية.
هذه الوثائقيات هي المرحلة الأحدث من نصف قرن من السينما. وراثة المعلّم السوريالي لوي بونويل، ثمّ تعرية نظام فرانكو ودكتاتوريته تلميحاً ومباشرةً. المدهش أنّ ساورا ما زال نشطاً حتى اليوم. ها هو يصوّر وثائقياً مع المعماريّ الشهير رنزو بيانو. كذلك، يحضّر لميوزكال بعنوان «ملك العالم»، يفترض أن نشاهده العام المقبل.

«مهرجان السينما الإيبيرو ــ أميركية»: حتى 22 تشرين الأوّل (أكتوبر) الحالي ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ــ بيروت). للاستعلام: 01/332661

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]