«حذرٌ» متبادل بين العراق و«الإقليم»



أربيل ترحّب بالعودة إلى «طاولة الحوار»


ترفض بغداد حصر إدارة المرافق في «الإقليم» بالموظفين الأكراد

يشي ترحيب أربيل بدعوة بغداد إلى الحوار وحلّ المسائل الخلافية بينهما، بأن تداعيات استفتاء الانفصال قد جُمّدت، وأن صفحةً جديدة ستفتح بين الطرفين. إلا أن الرسائل المبطّنة المتبادلة لها تفسيراتٌ أخرى، تؤكّد أن «الحذر» هو سِمَةُ تلك العلاقة التي تعمل بغداد على ضبطها، على قاعدة أن المرجعية الوحيدة ستبقى الحكومة الاتحادية

قبل إطلاقه عمليات «فرض الأمن» في محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها، فجر الأحد الماضي، حرص رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على انتهاج «نبرتين» في خطابه لأربيل، رئاسةً وحكومةً وجيشاً وشعباً. أراد من الأولى تحذير «إقليم كردستان» من تداعيات التمسّك بنتائج الاستفتاء وملوّحاً باستخدام القوّة «وفق ما تقتضيه الحاجة»، ومحاولاً في الثانية تطمين المكوّن الكردي إلى أن بغداد ليست في وارد «إقصائهم أو تهميشهم»، خاصّةً أن الحل النهائي لهذه الأزمة سيكون الحوار «دون قيدٍ أو شرط».

«عناد» رئيس «الإقليم» مسعود البرزاني قابله العبادي بـ«ليّ ذراع البشمركة»، باستعادة القوات العراقية المناطق المتنازع عليها شمال البلاد، وإعلانه ضرورة العودة إلى «طاولة الحوار» لحل المسائل الخلافية بين بغداد وأربيل، في أكثر من مناسبة، كان آخرها في مقال نشرته أمس صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، دعا العبادي فيه حكومة «الإقليم» إلى «احترام سلطة الدستور، والدخول في حوار على هذا الأساس».
وردّت أربيل على «دعوة» بغداد بالقبول والترحاب بدعوة الحوار التي أطلقها العبادي من أجل «حل القضايا العالقة بين بغداد وأربيل، والتي نتجت منها التطورات الأخيرة، وفقاً للدستور، ضمن مبدأي الشراكة والتوافق». ووفق بيان حكومة «الإقليم»، فإن «مجلس وزراء كردستان عقد (أمس) اجتماعاً ترأسه (رئيس حكومة الإقليم) نيجرفان البرزاني، بحضور نائبه قوباد الطالباني، في أربيل، حيث تم التطرق إلى أحداث كركوك الأخيرة والوضع الحالي للمدينة»، لافتاً إلى أن «حكومة الإقليم رحّبت بمبادرة العبادي لبدء المفاوضات مع حكومة الاقليم من أجل حل القضايا العالقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية». وأضاف البيان أن «حكومة الإقليم تؤكد استعدادها للحوار مع الحكومة المركزية، وتدعو المجتمع الدولي إلى المساهمة والمساعدة في رعاية الحوار بين الجانبين»، مستشهداً بـ«التجارب التاريخية التي أثبتت أن إرادة شعب كردستان لن تهزم بالسلاح والإجراءات العسكرية، وأن مشاكل العراق لن تحل بهذه الطريقة».


وفيما أعلن الطرفان استعدادهما للعودة إلى «طاولة الحوار»، وتأكيد العبادي أن الاستفتاء «بات من الماضي»، فإن العلاقة بين بغداد وأربيل لم تعد كسابق عهدها، إذ تتّسم بـ«الحذر» المتبادل، ترجم أمس بسلسلة إجراءات قضائية وأخرى ميدانية، ذات مضامين عديدة.
وأصدر القضاء العراقي أمس أمراً باعتقال النائب الأوّل لرئيس «الحزب الديموقراطي الكردستاني» (رئيس الإقليم مسعود البرزاني) كوسرت رسول، بعد أن وصف القوات العراقية بـ«المحتلة». وقال المتحدث باسم «مجلس القضاء الأعلى» القاضي عبد الستار بيرقدار إن «محكمة تحقيق الرصافة أصدرت أمراً بإلقاء القبض بحق كوسرت رسول على خلفية تصريحاته الأخيرة، التي اعتبر فيها قوات الجيش والشرطة الاتحادية، في محافظة كركوك، قوات محتلة»، موضحاً أن «المحكمة اعتبرت تصريحات رسول إهانةً وتحريضاً على القوات المسلحة، وفقاً للمادة 226 من قانون العقوبات العراقي».
وقال رسول إن «الأحداث الأخيرة التي ارتكبتها القوات العراقية والحشد في كركوك والمناطق الكردستانية الأخرى من حرق ونهب لبيوت ومحال الكرد في طوزخورماتو وغيرها، هي عملية أنفالٍ جديدة ترتكب ضد الشعب الكردي». وسارع «المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني» (بزعامة آل الطالباني)، الذي بات منقسماً بين داعمٍ لبغداد وآخر داعمٍ لأربيل، إلى اعتبار أن «المذكرة لا تساوي فلساً»، بتعبير المتحدث باسم «المكتب السياسي للاتحاد» سعدي بيره.
وإلى جانب أمر اعتقال أبرز قادة أربيل، فإن بغداد تعمل على ضبط علاقتها بـ«الإقليم»، إذ ترفض حصر إدارة المرافق هناك بالموظفين الأكراد، وذلك مع تنسيب «الهيئة العامة للجمارك العراقية» لـ«221 موظفاً عراقياً الى مطارات ومنافذ الإقليم»، في وقتٍ أعلن فيه أحد المقرّبين من العبادي تبنّي الأخير مشروع صرف رواتب كل موظفي «الإقليم» و«البشمركة» بشكل مباشر من بغداد، موضحاً أن «رواتب موظفي الإقليم ستتساوى مع موظفي الحكومة الاتحادية».
ميدانياً، كان لافتاً أمس إغلاق قوات «البشمركة» الطريق الرابط بين محافظتي أربيل وكركوك، إذ نقلت وكالة «الأناضول» أن «التوتر العسكري ما زال مستمراً، إلى حدٍّ ما، في كركوك التي انسحبت منها قوات البشمركة التابعة للاتحاد الوطني»، في وقتٍ دأب فيه المسؤولين الأكراد والإعلام الكردي على «التهويل» بعدد النازحين الأكراد من كركوك، الذين بلغوا ــ بحسب تصريحاتهم ــ حوالى 100 ألف نازحٍ كردي، خوفاً من الاضطهاد، منذ سيطرة القوات العراقية.
وأعربت «حركة التغيير» و«الجماعة الإسلامية»، أمس، عن إدانتهما «لجميع الجرائم والاعتداءات التي ارتكبها الحشد الشعبي ضد مواطني كركوك وطوزخورماتو خلال الأيام الماضية، وإساءته لعلم كردستان»، داعين «الحكومة الاتحادية إلى اتخاذ الاجراءات اللازمة لإنهاء هذه الممارسات، وتقديم المتهمين إلى القضاء، وإصدار القرارات الكفيلة بتطبيع الأوضاع في طوزخورماتو وإعادة النازحين وتعويضهم». أما «هيئة حقوق الانسان في إقليم كردستان»، فرأت أن «انتهاكات الحشد في كركوك وطوزخورماتو ترقى إلى مستوى جرائم حرب»، الأمر الذي دفع بالمتحدث الرسمي باسم «الحشد» أحمد الأسدي إلى التأكيد أن «الحشد لم يقم بأي عمل عسكري في تلك المناطق، ولا صحة لكل ما نقل ونشر عن ممارسات غير قانونية، أو استخدام للعنف أو القوة».
بدورها، عبّرت «الأمم المتحدة» عن قلقها مع انتشار تقارير تشير إلى «تهجير قسري لمدنيين أغلبهم أكراد من مناطق سيطرت عليها القوات العراقية، وتدمير ونهب منازلهم وشركاتهم»، داعيةً بغداد إلى «وقف مثل تلك الانتهاكات»، في حين نصحت واشنطن رعاياها في العراق بـ«أخذ الحيطة والحذر في المناطق التي سيطرت عليها القوات العراقية، سيما كركوك، نظراً إلى أن الوضع في تلك المدن يمكن أن يتغيّر بسرعة».
(الأخبار)

عربيات
العدد ٣٣٠٣ الجمعة ٢٠ تشرين الأول ٢٠١٧

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]