استراتيجية أولبرايت - هادلي: محاولة لإدارة شراكة دولية بحسب المصلحة الأميركية؟!


محمد علي جعفر

يوماً بعد يوم تنكشف توجهات الاستراتيجية الأميركية الجديدة. فقد ظهرت في تشرين الثاني من العام المنصرم 2016، استراتيجية «أولبرايت – هادلي» والتي خرجت بتقريرٍ تحت عنوان «Middle East Strategy Task Force report». تقرير يُلخِّص التوجهات الاستراتيجية التي يجب أن تعتمدها واشنطن، من خلال نهجٍ استراتيجي وصفه التقرير بالجديد، يعتمد على صياغة شراكةٍ مع الدول والشعوب لا سيما روسيا.

وهو ما شكَّل اعترافاً أميركياً بنهاية عصر سياسة القطب الواحد. لكنه أعطى واشنطن دوراً لم تعتد عليه يتمثَّل ببناء الشراكة. وهو الأمر الصعب بالنسبة لواشنطن، فالبراغماتية التي تتصف به الولايات المتحدة الأميركية كفيلة بالقضاء على روح أي شراكة، في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتعقَّد المصالح. فماذا تعني الشراكة بحسب الاستراتيجية الجديدة؟ وكيف يمكن تبيين علامات التحول في النهج الاستراتيجي لواشنطن؟

الشراكة بالمفهوم الأميركي: شراكة بهدف الهيمنة؟!

على الرغم من موضوعية بعض التوصيات التي خرج بها التقرير الاستراتيجي، إلا أن الدور الصعب الذي تُلقيه الاستراتيجية على الإدارة الأميركية الحالية، يتعلَّق بما يُمثَّله مفهوم الشراكة بالنسبة للعقل الأميركي. فالهيمنة على القرار الدولي وإن تراجعت القدرة على تحقيق ذلك، ما تزال روح أي اتفاق تعاونٍ تضعه واشنطن وبالتالي أي شراكة. وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته من خلال مقاربة كافة الاستراتيجيات الأميركية، التي كانت تبني دوماً قراءتها على التسليم بالعظمة والقدرة الأميركية. فيما اختلفت الاستراتيجية الأخيرة بأنها قدَّمت قراءة مُغايرة انتقدت فيها السلوك الأميركي السابق واعترفت بالفشل، ودعت إلى نهج استراتيجي جديد مبني على الشراكة. لكنها لم تُخفِ بأن الهدف من الشراكة هو الهيمنة. لتكون الاستراتيجية الجديدة والتي قدمت توجهات جديدة، عبارة عن محاولة لإيجاد تغيير جدي في السياسات التكتيكية لواشنطن من أجل تحقيق الهيمنة!

الاستراتيجية الجديدة وعلامات التحول في التوجهات الأميركية

خرجت الاستراتيجية إلى العلن بعد فوز دونالد ترامب بشهر واحد. لا يبدو واضحاً من خلال الأهداف الاستراتيجية للدراسة وجود أي تغيُّر. وهو ما يعني أن الاستراتيجية تطرح رؤية جديدة لتوجهات جديدة يمكن ترجمتها الى واقع يُرسِّخ مصالح واشنطن من دون الخروج عن الأهداف المُعتادة لأميركا.

في حين بدا التحوَّل ظاهراً في الأهداف المرحلية التنفيذية، والتي دعت للعمل على توجهات جديدة وإلغاء توجهات قديمة. فالتوجهات الجديدة التي دعت اليها الاستراتيجية الأميركية تنطلق من مبدأ أن منطقة الشرق الأوسط تعيش أزمات ترتبط بشكل مباشر بالمصالح الغربية وبالتالي الأميركية. وهو ما يدعو لتغيير النهج السائد عبر تبني نظرة مُختلفة للاعبين في الشرق الأوسط، خصوصاً إيران وروسيا، حيث دعت الاستراتيجية إلى اعتبار روسيا شريك في المصالح الأمر الذي يتطلب مراعاة مصالح موسكو والعمل على التوصل لصيغة شراكة تضمن مصالح أميركا. في حين خرجت الاستراتيجية بضرورة الحد من تعاظم النفوذ الإيراني عبر إيجاد تناقض مصالح بين إيران وروسيا من جهة وبين إيران وأطراف محور المقاومة من جهة أخرى. فيما يخص الإرهاب، خرجت التوصيات لتؤكد ضرورة العمل الجدي من أجل إنهاء الخطر الإرهابي لا سيما تنظيم «داعش».
لكن الأهم من هذه التوصيات، كانت الدعوة لإلغاء توجهات قديمة، كالتراجع عن دعم ثورات التغيير في المنطقة، والعمل على تعزيز الأنظمة الموجودة شرط إدخالها في إطار المصالح الأميركية. في حين اعترف التقرير بالأزمات التي أوجدها اتفاق «سايكس بيكو» التقسيمي. ودعا الى إعادة النظر في سياسة الإملاءات تجاه الدول، والعمل على استبدالها بسياسات شراكة لا سيما عبر إدخال النخب وفعاليات المجتمع المدني.

تحقيق المصلحة الأميركية بأساليب مختلفة

فيما يلي عرضٌ لما تبتغيه واشنطن من خلال توجهاتها وهو ما تسعى لتحقيقه بطرق مختلفة من خلال نهجها الجديد.
أولاً، أدركت أميركا أهمية الانخراط الفعلي في مواجهة الإرهاب وليس العمل على استغلال هذا العنوان في السياسة الدولية فقط. وهو ما نتج عن الخطر الذي شكله تفشي الإرهاب في الغرب. ما دفع واشنطن للاقتناع بضرورة محاربة الإرهاب من مصادره.
ثانياً، لا يغيب الهم الاقتصادي عن الاستراتيجية الأميركية. لكن هذا الهم يهدف لحمایة الاقتصاد الأمیركي تحديداً. حیث تُمثِّل منطقة الشرق الأوسط واحدة من أھم الأسواق المستھلكة للمنتجات الأمیركیة، وتُفيد إحصاءات عام 2015 أن المنطقة استوردت ما قيمته 90 ملیار دولار من البضائع والسلع الأمیركیة.
ثالثاً، تشعر أميركا أن الوضع غير المستقر للمنطقة ساهم في رفع منسوب التوتر في العالم.
حتى أن هذا التوتر انتقل إلى أوروبا بشكل غير مباشر لا سيما بسبب الهجرة إليها وعمليات النزوح الجماعي التي حصلت من الشرق الأوسط وما أحدثه ذلك من أزمات جديدة داخل هذه الدول. وهو ما ساهم بالنتيجة بالوصول إلى حالة من اللااستقرار الاجتماعي والاقتصادي أثرت على الأوضاع السياسية في العالم بأسره ومنه أوروبا. الأمر الذي تعتبره أميركا مُهدداً لمصالحها بشكل مباشر، لما للاتحاد الأوروبي من دور في دعم السياسة الأميركية الدولية وما يتطلبه ذلك من تماسك.
رابعاً، يُمثل الموقع الاستراتيجي للشرق الأوسط بين ثلاث قارات أهمية بالنسبة للمصالح الأميركية. وهو الأمر الذي اعتبرت الاستراتيجية الجديدة أنه تم التعامل معه بشكل خاطئ خلال ولاية أوباما. ما أفسح المجال لأعداء أميركا (روسيا وإيران) في تفعيل دورهم على حساب الفراغ الأميركي وتقليص القدرة العسكرية الأميركية.
إذاً، شكل النهج الأميركي الجديد، محاولة لإعادة بوصلة المصالح الأميركية من خلال الاستفادة من نتائج الحروب في المنطقة وإغراق الأطراف ضمن المصالح الأميركية تحت ذريعة بناء الشراكة.
مهمة قد تكون صعبة على واشنطن، لكن مواجهتها قد تكون صعبة أيضاً على أعدائها. في ظل منطقةٍ باتت أرضيتها مؤهلة لتفتيتها ومن دون حروب. فهل جاء زمن الاستفادة من نتائج الحرب الناعمة؟!
* باحث لبناني

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]