انقلابات الهواة


عبدالله السناوي

كأي انقلاب استراتيجي يطلب تعديل موازين القوى وحسابات المصالح، فإن مصيره الفشل الذريع إذا لم تسنده الحقائق على الأرض. الصدام الخشن مع الحقائق مجازفة كبرى، والاندفاع بالتهور من أعمال الهواة. هكذا فشل في وقت قياسي ما طلبته السعودية من أهداف بالضغط على رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري للاستقالة المفاجئة من عاصمتها الرياض.

تأزيم الوضع اللبناني الهشّ تصادم ــ أولاً ــ مع تفاهمات دولية وإقليمية، مباشرة وغير مباشرة، على إبعاد ذلك البلد العربي ــ الصغير بحجمه والمؤثر بموقعه ــ عن براكين النار لحين النظر في ترتيبات الإقليم وتوزيع النفوذ والقوة عند الانتهاء من الحرب على «داعش».
لم يكن صحيحاً بأي قدر أن التسوية التي جرى بمقتضاها إنهاء أزمة الشغور الرئاسي لبنانية محضة ــ كما شاع على الألسنة. كان هناك إدراك لبناني لمغبة مثل هذا الشغور على أمنه وسلامه الداخلي، لكنه كان مستحيلاً التوصل إلى تسوية من دون تفاهمات دولية وإقليمية، أغلبها في الكواليس وبعضها بهز الرؤوس علامة الموافقة.

الولايات المتحدة مع نهاية ولاية باراك أوباما تحرّكت، والاتحاد الأوروبي وافقها على ما ذهبت إليه، والفاتيكان دخل على الخط، وإيران اعتبرته إنجازاً، فيما لم تمانع فيه تحت الضغط السعودية نفسها.
مثل هذه التفاهمات الواسعة يكاد أن يكون مستحيلاً خرقها على نحو كامل، أو أن يصادف الانقلاب عليها أي نجاح محتمل. وتأزيم الوضع اللبناني الهشّ تصادم ــ ثانياً ــ بسوء تقدير فادح من الذين فكروا وخططوا ونفذوا لمدى قوة السعودية ونفوذها في لبنان. باليقين، فقد تصاعد دورها في معادلاته وتوازناته الداخلية بقوة مواردها المالية أكثر من أي شيء آخر. لم يكن لديها ما توفر للدور المصري في خمسينيات القرن الماضي وستينياته من قدرة على إلهام فكرة الوحدة العربية وطلب استقلال القرار الوطني. كما لا تحوز العمق الاستراتيجي والتاريخي والتداخل السكاني الذي توفر للدور السوري في أوقات تالية.
عندما تراجع الدوران المصري والسوري، تقدمت السعودية لملء الفراغ باعتبارها راعية لسنّة لبنان، ونشأت طبقة سياسية جديدة على حساب زعامات تقليدية من الطائفة نفسها. تلك أوضاع ترتهن بظروف وقتها، وليست كلمة أخيرة في موازين القوة المتحركة. وتأزيم الوضع اللبناني الهش تصادم ــ ثالثاً ــ مع الإرادة العامة للبنانيين، وهذا عامل حاسم في فشل الانقلاب. لم يكن هناك من هو مستعد لأن يقامر على سلامة البلد بالانجرار إلى التصعيد السياسي على خلفية استقالة الحريري خشية الوقوع مجدداً في شرك الحرب الأهلية التي استنزفت أعصابه وموارده ومستقبله لسنوات طويلة تتابعت منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين.
تحسب للحيوية اللبنانية، شاملة أطياف الحياة السياسية على اختلافاتها الحادة، أنها استطاعت أن تضبط الأعصاب والتصرفات بما يضمن السلامة العامة. لم تخرج تظاهرة واحدة، ولا أبدى أحد ميلاً لصدام داخلي.
ما هو معتاد من مناكفات سياسية تحوّل إلى شيء من التوحد المعنوي وراء قضية واحدة عنوانها «عودة الحريري» بأسرع وقت إلى بلده لشرح أسبابه في الاستقالة الملتبسة حتى يستطيع رئيس الجمهورية بتّها.
بتواتر المعلومات عن احتجاز رئيس الحكومة اللبنانية، بدا أن ما طلبته الاستقالة الإجبارية من أهداف في سبيلها إلى أن ترتد على أصحابها. بأغلب التصريحات والتعليقات، لم يعد يوصف الحريري برئيس الحكومة السابق، أو المستقيل، فالاحتجاز إهانة لبلد مستقل يتمتع بعضوية الأمم المتحدة، كما لنظرة البلد إلى نفسه.
تحت الضغط الدولي، فرنسا بالذات، والاتحاد الأوروبي معها، لم يعد ممكناً الإبقاء على الحريري محتجزاً، وإلا فإن التوجه إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار ملزم ضد السعودية، وفق القوانين الدولية، مسألة وقت. وقد كان الموقف المصري الرافض لجر لبنان إلى الفوضى مؤشراً قوياً على هشاشة الانقلاب، وداعياً إضافياً إلى التراجع.
لم يكن مقبولاً الربط ما بين الاستقالة المفاجئة وتوقيف عشرات الأمراء والوزراء ورجال الأعمال الكبار في المملكة بيوم واحد، كأنه اتهام للحريري بالفساد كمواطن سعودي. ولم يكن معقولاً الحديث عن تعيينه مستشاراً بالديوان الملكي، أو خلافة شقيقه الأكبر له، فتلك عجرفة يصعب تقبّلها داخل تياره وأسرته وعند كل لبناني يستشعر كرامة بلده. كما ليس من الطبيعي الإصرار عند مغادرته العاصمة السعودية على إبقاء أفراد أسرته الموجودين فيها ــ كأنهم رهائن يضمنون بها عدم خروجه عن الخط المرسوم.
بمثل هذه التصرفات العشوائية، كانت الهزيمة سريعة وحاسمة. ربما هناك من نصح بإغلاق الملف بأقل قدر من الخسائر، وعودة الحريري عن استقالته حتى تحفظ السعودية شيئاً من حضورها اللبناني، لكن «الفأس جاءت في الرأس» ــ كما يقول المصريون في مثل هذه الأحوال.
كلام الحريري ــ الأقل حدة والأكثر انفتاحاً على فكرة العودة عن استقالته، في الحوار الذي بثته قناة «المستقبل» اللبنانية ــ يومئ بتوقعات أخرى أميل إلى المصالحة من الصدام، على عكس ما طلبت السعودية تماماً.
أحد الافتراضات الرئيسية في احتجاز الحريري أنه لم يتبع خطاً متشدداً مع حزب الله وانفتح بشيء من الحميمية على الحوارات مع الإيرانيين ــ وآخرهم مستشار المرشد علي أكبر ولايتي. أسوأ ما أصاب الرياض من ضرر ما هو منسوب إليها من تحريض على عدوان عسكري إسرائيلي جديد يستهدف حزب الله.
ما لم يفهمه حكامها الجدد أن إسرائيل تتحرك وفق حساباتها ومصالحها وتقديراتها للفرص المتاحة، لا بطلبات من مثل هذا النوع. التدخل العسكري الإسرائيلي يربك الحسابات الدولية ويؤثر ــ بالسلب ــ على الموقف العام للولايات المتحدة في لحظة تقسيم الجوائز بعد الحرب على «داعش». كما يعرّض الدولة العبرية لهزيمة محتملة، أو ضربات صاروخية مؤلمة.
بأي تقدير موضوعي لحقائق الموقف الإقليمي، فإن إسرائيل تحوز ــ بالهرولة العربية للتطبيع المجاني معها ــ جوائز لا تستحقها، والتدخل بالسلاح في لبنان يحرمها من جني جوائز جديدة تتوقعها بعد انتهاء الحرب في سوريا.
يرادف الانقلاب الاستراتيجي الفاشل في لبنان فشلاً آخر تدفع السعودية ثمنه باهظاً في الحرب باليمن. لم تحقق العمليات أهدافها بعد أكثر من ثلاث سنوات، ولا نجحت في إضفاء هيبة سلاح على دبلوماسيتها. بدت حرب اليمن مستنقعاً بلا قرار، وما تخلف عنها من عشرات آلاف القتلى والضحايا وانتشار وباء الكوليرا ووقوف البلد كله على شفا أخطر مجاعة في العالم أساء بفداحة لصورة السعودية ــ وفق تقارير الأمم المتحدة.
كان من أسباب تلك الحرب رفع منسوب فرص تولي ولي العهد، الشاب، محمد بن سلمان، السلطة بعد والده باعتباره وزير الدفاع، الذي خطط ونفذ وحافظ على الأمن السعودي المهدد عند خاصرتها الجنوبية.
بالقدر ذاته، فإن من أسباب الضغط على الحريري للاستقالة هو تأزم الموقف السعودي في كل الملفات الإقليمية من سوريا إلى اليمن سعياً لإعادة شيء من الاعتبار للرجل القابض على السلطة في المملكة. كانت إطاحة القوة الضاربة لمنافسيه على السلطة بذريعة الفساد انقلاباً استباقياً خشية إطاحته هو نفسه.
ذلك انقلاب ناقص يصعب استقراره، فإنهاء الشرعية القديمة، رغم عيوبها التكوينية، من دون تأسيس شرعية جديدة، مقامرة بالحكم كله ومستقبل الدولة.
بكلام آخر، فلا فرصة لولي العهد في الإمساك بالسلطة إلا بالتحول إلى ملكية دستورية، بالنظر إلى اتساع الطبقة الوسطى المتعلمة وإطلالها على العالم وطلبها الشراكة السياسية. إذا لم تتأسس مثل هذه الشرعية التي تتسق مع العصر واحتياج المجتمع، فإن الانقلاب العائلي سوف يستحيل قريباً إلى قبض ريح.
* كاتب وصحافي مصري

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]