التلامذة الموهوبون: إلى القمة أو منها؟



يتوقع المجتمع من الموهوب أن يكون مبدعاً في كل شيء (مروان بو حيدر)

من هو التلميذ الموهوب: هل هو «الذكي» أم «المتفوق أكاديمياً» أم «المبدع» أم «المتميز في الرسم والموسيقى»؟ الأخطاء الشائعة المحاطة بهذا التلميذ كثيرة، لكن الثابت أنه ينتمي إلى فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، ويتطلب خطة فردية لمواكبة أدائه المختلف عن أقرانه

سماح رمضان

كثر الحديث، أخيراً، عن فئة «الموهوبين» في النظام التعليمي اللبناني. فبعد التركيز على فئة التلامذة ذوي الصعوبات التعلمية، ها نحن أمام تحد جديد يبقى في إطار قضية ذوي الاحتياجات الخاصة والدمج التربوي.
يمكن تشخيص «الموهوب»، إبتداء من عمر الـ 4 سنوات، ولو أنّه يفضل الإنتظار حتى سن السادسة، مع عدم إهمال الأهل والمعلمين أي مؤشر يدل على تميّز الطفل، وبالتالي اللجوء إلى المعنيين للمتابعة، إذ ثمة اختبارات عالمية معدة للغاية أشهرها
stanford - binet وwoodock - jhonson، واختبار wisc المنتشر تطبيقه في لبنان.

اختبار الذكاء معدلاً

الموهبة، بحسب ميرا علم الدين، منسقة برامج الموهوبين في مدرسة LWIS CIS، مسألة فطرية يمكن تطويرها، ولكن لا يمكن اكتسابها إذا لم تكن لدى الطفل استعدادات داخلية ذهنية ونفسية.
وبما أن «اختبار الذكاء» (IQ) المتعارف عليه يقيس الأداء الأكاديمي للتلميذ في الرياضيات واللغات فحسب، ظهر IQ معدّل يطال الإبداع، والالتزام ومهارات القيادة، وغيرها. هذا الاختبار ينسجم مع نظرية تعدد الذكاءات لعالم النفس التربوي الأميركي هوارد غاردنر، والتي تشير إلى أنّ الذكاءات عند الأشخاص متنوعة، من ذكاء منطقي، وطبيعي، واجتماعي، ولغوي، وموسيقي، وذاتي، ومكاني وغيرها.

من هم «الموهوبون»؟

إلاّ أن التلميذ «الموهوب» في مدارسنا لا يزال يحاط بكثير من الأخطاء الشائعة حول مفهوم الموهبة نفسه. إذ يتوقع المجتمع منه أن يكون مبدعاً في كل شيء، وأن تحصيله الدراسي هو حتماً أعلى من أقرانه. لكن الحقيقة مغايرة لذلك، إذ بحسب أدبيات الكشف عن هؤلاء التلامذة، قد نجد بعضهم يعانون من صعوبات تعلمية في أماكن أخرى. فالموهوب في الحساب مثلاً، قد يكون لديه صعوبة في الكتابة، أي أن الطفل «الموهوب» ليس بالضرورة موهوباً في كل الظروف ولو في المادة أو المهارة ذاتها.
أما العائق الثاني فهو المنهج. فالمناهج اللبنانية لا تراعي قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة، وبالتالي يأتي الإمتحان الرسمي عائقاً ثالثاً بسبب عدم فهم الطفل الموهوب الأسئلة المطروحة، أو أن يُظلم في التصحيح فلا يحاسب إلا وفق أسس تصحيح موضوعة مسبقًاً. وبدل تطويع المناهج والإمتحانات بحسب قدرات الأطفال ومهاراتهم وحاجاتهم، نطوّع تلامذتنا بحسب المناهج، مع تأكيد أهمية الإمتحان لما يضع الطفل في حالة مشكلة (situation probleme) مع حدث ما ويتدرب على كيفية التعاطي مع مواقف مشابهة.

الانعزال والانطوائية


هكذا، يجد الكثير من الموهوبين أنفسهم أمام مشاكل اجتماعية. فيلجأ جزء كبير منهم إلى الإنعزال، أو يرتبكون عند مواجهة الآخرين، ويعود ذلك، بحسب مارتا تابت المنسّقة السابقة لمشروع إعداد الخطة الوطنية التربوية لدمج ذوي الإحتياجات الخاصة في المركز التربوي، إلى أنّ الطفل الموهوب يشعر بأن الآخرين لا يفهمونه. فمثلاً يتسم الطفل الموهوب إجمالاً بالصدق في مختلف المواقف، وهذا ما قد يزعج الأقران، كما أنّ تحصيله العالي قد يكون أيضاً مشكلة أمام زملائه، فيجدون أنه طفل لا يحب اللعب بل تلميذ غارق بين الكتب. هذه الفكرة تعزز الشعور بالإنطوائية لدى جزء كبير من الموهوبين، ويأتي هنا الدور الكبير الذي يلعبه الأهل والمعلمون في تأمين الدمج الإجتماعي لهؤلاء الأطفال.
هنا يظهر عائق آخر وهو غياب التحفيز للطفل الموهوب، فيجد نفسه مجبراً على البقاء في صف لا يتناسب مع قدراته الذهنية ومهاراته العالية فيجتاحه الملل، أو تبدأ موهبته بالتلاشي بشكل تدريجي.
ورغم وجود تجارب عالمية في استحداث مدارس خاصة بالأطفال الموهوبين. إلا أنّ تابت تعد ذلك خطأ تربوياً لا يمكن قبوله، فالموهوب يجب أن يتفاعل مع جميع المحيطين في المدرسة التي هي تجربة مختصرة عن المجتمع.

التسريع أم فتح المسارات؟

وفي الحلول المقترحة، تطرح علم الدين أهمية تفعيل فكرة التسريع (ترفيع إلى الصف المناسب للقدرات) والمطوّقة من وزارة التربية بسبب وجود قانون يمنع التقديم للشهادة المتوسطة لمن هم دون 13 عاماً، والثانوية العامة لمن هم دون 16 عاماً. أما تابت فتعارض هذا المبدأ وتقول: «يجب العمل على فتح المسار التربوي، بمعنى أن يرفّع التلميذ إلى صف أعلى في المادة التي هو موهوب فيها فقط، على أن يتابع مع زملائه في الصف باقي المواد، إذ إنّ التسريع يضر الطفل الموهوب نظراً لإمكانية خسارته الكثير من الأهداف والكفايات والمهارات في مواد ليس موهوباً فيها».
ومن الاقتراحات ضرورة وجود فريق متكامل في المدرسة للعمل مع الموهوبين يقوم أساساً على المعلم، ومسؤول قسم الدمج التربوي، والمرشد التربوي ـــــ الإجتماعي، فضلاً عن أهمية تحضير بنية المدرسة لجهة وجود غرفة أو مركز مصادر تربوية تحتوي على ألعاب ذهنية وغيرها.
في العادة، تقوم المدارس التي تتبنى برامج للموهوبين بإعداد المعلم على أمور أساسية هي كيفية رصد هؤلاء الأطفال داخل قاعة الصف، وكيفية إعداد خطط فردية لمتابعتهم، وكيفية التعاطي معهم، وهذه الأمور هي الحد الأدنى قبل الشروع بتطبيق برنامج خاص بالموهوبين في أي مؤسسة تربوية.
تابت تدعو وحدة القياس والتطوير في المركز التربوي إلى توحيد الروائز المعتمدة (وسيلة اختبارية في علم النفس والتربية يميز بها بين أفراد جماعة ما بالنسبة إلى مقياس معين مثل الذكاء أو الملاحظة وغيرها)، أو على الأقل التعاقد مع باحثين تربويين ونفسيين للتحقق من صدقها وثباتها ومدى تناسبها مع البيئة اللبنانية، فتحد بذلك من الفوضى في مجال التشخيص التربوي.
برأيها، إن غياب الرقابة الرسمية في هذا المجال يفسح الطريق أمام بعض التجار، بإسم التربية، أن يبيعوا ويدرّبوا على «اختبارات قدرات» غير محكّمة من مركز بحوث، أو جامعة أو أي مرجع تربوي موثوق.

تعليم
العدد ٣٣٣٤ الاثنين ٢٧ تشرين الثاني ٢٠١٧

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]r.com