في زيارته لليونان... أردوغان يريد أن يغيّر «التاريخ»



قال تسيبراس إن اليونان وتركيا اتفقتا على بدء إجراءاتٍ لبناء الثقة (أ ف ب)

اختار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل وصوله إلى اليونان أمس، أن يثير مسألة معاهدة لوزان التي أسهمت في إنشاء حدود تركيا الحديثة، مكرراً الدعوة إلى «تحديث» المعاهدة أيضاً خلال لقائه نظيره اليوناني بروكوبيس بافلوبولوس، فيما أشار أيضاً إلى اتفاق المهاجرين ومسألة الجنود الأتراك الهاربين إلى اليونان

عشيّة وصوله إلى أثينا في زيارةٍ وصفت بأنها «تاريخية»، عمد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إثارة أكثر المواضيع حساسيةً في العلاقة بين البلدين، وهي تلك المتعلقة بالحدود المشتركة بينهما، والمنصوص عليها في معاهدة لوزان الموقّعة عام 1923، فيما كان عنوان الزيارة النيّة المعلنة من الطرفين بضرورة تحسين العلاقات.

غير أن تلك النقطة ليست البند الحساس الوحيد على جدول الزيارة الأولى لرئيسٍ تركيّ منذ 65 عاماً، إذ هناك مواضيع عدّة ستُطرح خلال اليومين المقبلين، أبرزها قضية الجنود الأتراك الذين لجأوا إلى اليونان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، وقضية اتفاق المهاجرين الموقّع مع الاتحاد الأوروبي عام 2016، مع العلم بأن العلاقات التركية – اليونانية عرفت، تاريخياً، تقلبات عدة، غير أنها كانت سيئةً بشكلٍ عام.
وبلغت ذروة توترها عام 1996، فقد كاد الخلاف يؤدي إلى مواجهة. لم تتغيّر العلاقات حتى عام 1999، حينما دعمت اليونان تركيا بالمساعدات بعدما عانت من زلزال مدمّر. ومنذ وصوله إلى السلطة كرئيسٍ للوزراء، زار أردوغان اليونان في عامي 2004 و2010. وفيما تحسنت العلاقات الاقتصادية والسياحية بين البلدين نظراً إلى تداخلهما الجغرافي، غير أن الماضي لا يزال يهمين حتى اليوم على بعض مناحي العلاقة، ومنها المسائل المتعلقة بالإرث البيزنطي في تركيا ووضع الأقليّة المسلمة في شمال اليونان والحدود في بحر إيجه، وهي كلّها مسائل أثارها أردوغان.


ومنذ ركوبه الطائرة، عبّر أردوغان عن شكاوى مختلفة لم ترُقْ اليونانيين؛ فقد أمضى جزءاً من لقائه مع نظيره اليوناني، بروكوبيس بافلوبولوس، معبّراً عن استيائه. وكرّر اتهام الاتحاد الأوروبي بعدم الوفاء بوعوده في إطار اتفاق الهجرة مع أنقرة المتعلّق بالمهاجرين غير الشرعيين والمُبرم في آذار 2016، قائلاً إن «وعود الاتحاد الأوروبي لم تتحقق على مستوى المساعدة الاقتصادية... فيما نحن ننفّذ تعهداتنا» بموجب اتفاق المهاجرين.
وبعدما أثار المسألة، مساء أول من أمس، كرّر المطالبة بـ«تحديثٍ» لمعاهدة لوزان التي وقّعها عدد من الدول في 1923 وترسم حدوداً في أوروبا والشرق الأوسط، وشكّلت وثيقةً مرجعيةً في العلاقات التركية ــ اليونانية. ورأى أن «في المعاهدة مسائل عالقة وأموراً غير مفهومة. وقّعتها 11 دولة قبل 94 عاماً، وليس فقط اليونان وتركيا، ولذلك تتطلب تحديثاً».
وردّ عليه بافلوبولوس، أحد أهمّ الخبراء القانونيين اليونانيين والأستاذ السابق في كلية الحقوق في أثينا، رافضاً بلباقة لكن بحزم أيّ تعديل، قائلاً إن «المعاهدة ليست قابلة للتفاوض، ولا تحتاج إلى مراجعة ولا إلى تحديث». وشدّد على أن المعاهدات قابلة «للتفسير وليس للمراجعة بحسب القانون». وفي هذا الإطار، أثار الرئيس التركي مسألة «عدم انتخاب مفتٍ عام لمسلمي غربي تراقيا»، وهي منطقة يونانية فيها أقليّة تركيا، وهو بندٌ تنص عليه اتفاقية لوزان. ورأى أن هناك تمييزاً حاصلاً بين اليونانيين والأتراك الموجودين في تراقيا، إذ لا يتمّ «تقديم الدعم اللازم لشعب تراقيا» في ما يتعلق بالاستثمارات. ومن المقرّر أن يزور أردوغان تراقيا، اليوم.
وكان الرئيس التركي قد انتقد في مقابلته التي بثتها قناة «سكاي» التلفزيونية اليونانية، أول من أمس، الحدود البحرية ومعاهدة لوزان، داعياً إلى إجراء «تحسينات» على صعيد تحديد المجالات الجوية والمياه الإقليمية في بحر إيجه، وضرورة «مراجعة» معاهدة لوزان بما «يعود بفائدة متبادلة» على البلدين. وردّ المتحدّث باسم الحكومة اليونانية، ديمتريس تزاناكوبولوس، في بيان ليل أول من أمس، بأن «مقابلة أردوغان تثير قلقاً شديداً وتساؤلات». وأضاف أن «الحكومة اليونانية ورئيس الوزراء يأملان أن تشكّل الزيارة فرصة لبناء جسور لا جدران. احترام معاهدة لوزان هو الحجر الأساس غير القابل للتفاوض الذي يمكن أن يستند إليه التعاون الصادق بين البلدين».
وتلك ليست المرّة الأولى التي يعبّر فيها أردوغان عن عدم اقتناعه باتفاقية لوزان. ففي المرحلة اللاحقة لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تموز 2016، طرح أردوغان نقاشاً تاريخياً داخل البلاد حول اتفاقيتي لوزان وسيفر ومرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار السلطنة العثمانية. وخلال حديثه مع مخاتير بعض المناطق، الصيف الماضي، شكّك أردوغان في الرواية الرسمية التي قدمت اتفاقية لوزان على أنها انتصار بالمقارنة مع اتفاقية سيفر التي كانت ستزيد من تقسيم تركيا الحالية. وقد أراد أردوغان من التركيز على ذلك النقاش حينها أن يرفع من مستوى الدعم الاجتماعي له بعد محاولة الانقلاب، وذلك عبر التركيز على تعبئة القوميين أيضاً بخصوص سياساته الداخلية والخارجية.
من جهةٍ ثانية، تطالب تركيا بتسليم ثمانية عسكريين لجأوا إلى اليونان بعد محاولة الانقلاب في 15 تموز 2016، وكان القضاء اليوناني قد رفض ذلك في كانون الثاني، ما أثار غضب أنقرة. ومنذ الانقلاب الفاشل، طلب مئات الأشخاص اللجوء إلى اليونان، وتعترض الشرطة التركية بانتظام أشخاصاً يحاولون عبور الحدود بين البلدين. وأكد أردوغان في المقابلة أن رئيس الوزراء اليوناني وعده بترحيل العسكريين الثمانية «في غضون 15 يوماً»، لكنه استدرك قائلاً إنه «بما أن مثل هذا القرار في يد القضاء، فلن يتم التوصل إلى أيّ حل». وبعيد لقاء أردوغان رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس، قال الأخير إن اليونان وتركيا اتفقتا على بدء «إجراءات لبناء الثقة»، تتناول «الإجراءات الأمنية»، بالإضافة إلى «محادثات استثنائية بشأن الرصيف القاري». وتابع المسؤول اليوناني أنه حاول وأردوغان «حلّ سوء التفاهم وتفهّم ما يقصده الآخر... ومن جانبي أكدت أن الانتهاكات التركية في المجال الجوي لبحر إيجه يجب أن تنتهي».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)

دوليات
العدد ٣٣٤٣ الجمعة ٨ كانون الأول ٢٠١٧

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]