التيّار المدخلي في الجزائر: «سلفنة» مجتمع.. من تحت



لهذا التيار جمهور واسع في الجزائر (عن الويب)

منذ سنوات، يعرف تيار ديني صعوداً كبيراً في عدد من الدول العربية، بالأخص دول المغرب، ليبيا ومصر. يتصف هذا التيار السلفي بعدائه للإسلام السياسي في صيغته الكلاسيكية من جهة، ولكنّه يتواطأ مع السلطات المحلية من جهة أخرى، التي تجد فيه حليفاً مهماً

لينا كنوش

عقب تعيين القيِّم على التيار المدخلي الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، ثلاثة دعاة كممثلين عن الدعوة السلفية في الجزائر، في الثامن من كانون الثاني/ يناير، ارتفعت أصوات في الصحافة الجزائرية تنديداً بـ«الموقف السلبي» أو «المتواطئ» للسلطات السياسيّة المحلية. وفي مقالة نشرتها الصحيفة الفرنكوفونيّة «ألجيري باتريوتيك»، بعنوان «الرسالة التي تُثبت أنّ السلفيّين الجزائريين يُطيعون آل سعود»، يُشير الكاتب إلى أنّ «هذا التعيين بمثابة إعادة تأهيل رسمي لداعية (أي أحد الثلاثة)، هو في غاية النشاط ومفيد جداً لجهة نشر أفكار هذا التيار المنبثق من الوهابية، والقائم على ما يُسمى السلفية العلميّة (غير الجهاديّة)».

جدير بالذكر أنّ نجاح هذا التيار في الانتشار والتمدد يعود إلى سياق سعوديّ: القمع الذي مارسه النظام السعودي في بداية التسعينيات ضدّ أي نزعة تحمل طابعاً انشقاقياً، خاصة ضمن مجموعة الشخصيّات الرئيسة للصحوة، مثل سلمان العودة أو ناصر العمر، أدى أساساً إلى عودة الأحادية الأيديولوجيّة وصعود هذا التيار المعادي لـ«العصاة». وظلّ قادة التيار المدخلي مخلصين للنظام، وتحوّل ابن باز وابن العثيمين إلى مرجعَين للسلفية العلميّة، وبرحيلهما، ظهر ربيع المدخلي بوصفه مدافعاً عن «السلفية التقليديّة» في وجه «التيارات المنحرفة». وبصفته زعيماً للمدافعين عن التزمّت، فقد بات يختار «الدعاة الصالحين» للشباب السلفي في الدول العربية، وتحوّل إلى رأس حربة في مواجهة مجمل الحركات الإسلامية ذات الأهداف السياسية، موصياً أتباعه بعدم الاكتراث إلى السياسة.
في الجزائر، بعد مرور نحو ثلاثين عاماً على التجربة التعدديّة المجهضة، والمشهد الدموي الذي شهدته «العشرية السوداء» التي فكّكت النسيج الاجتماعي بنحو عميق، شهدت البلاد تحوّلاً مهماً للمسألة الدينيّة وصعوداً للتيار المدخلي الراسخ مجتمعياً: إنّ سياقاً يسعى نحو «إعادة الأسلمة» عبر مساءلة موروثات الماضي ــ التي جمّدها الاستعمار ــ والتوجّه نحو مستقبل اجتماعي وأخلاقي، ووجِه عبر استبدال منهج جديد به لتنظيم الشأن الديني، يُختصر في المستوى المجتمعي، ويُفرِّغ الدين من حُمولاته على صعيد التحرر الاجتماعي.
ووفق استراتيجية تهدف إلى التجذر محلياً، دون الاشتباك مع الإسلام الشعبي القائم تقليدياً على المذهب المالكي، يسعى التيار المدخلي إلى التوافق على المستويين العقدي والفقهي غير المتحزّب، مع «مذهب مالك». وبرغم ذلك، فضمن مقاربته الصارمة والمتشددة للإسلام، التي تتجاهل التأويلات والتطورات، يتبنى هذا التيار قراءةً حَرفيّة للقرآن والسنّة النّبوية.
ويرتبط تمدد هذا التيار وشعبيّته بالسياق الأيديولوجي للصحوة الإسلاميّة وبالاضطرابات التي شهدتها الساحة السياسيّة الجزائرية، إذ أدى فشل «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» والمصير المأساوي لبلد دخل في حرب أهلية، إلى تقوية القاعدة الشعبيّة للتيار المدخلي. وكانت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، التي تأسست عام 1989، قد كافحت في سبيل تطبيق الشريعة، لكن رغبتها في افتكاك السلطة وشروعها في العمل الجهادي إثر انقلاب الجيش عام 1992، أديا إلى شجبها من قبل التيار السلفي ووضعها في مرتبة «الخوارج».

في حينه، تمايز الشيخ عبد المالك رمضاني عن «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» التي اختارت العمل السياسي الذي يتناقض مع «روح السلفيّة» ومع المبدأ الذي أوصى به أحد أعلامها، محمد ناصر الدين الألباني (وهو مرجع لا يُشقُّ له غبار في علم الحديث لدى السلفيّين). وعشية الانتخابات، وفي الوقت الذي انقسمت فيه إدارة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» بشأن مشروعية المشاركة السياسية، اعتبر رمضاني أن هذا التوجه يتعارض ومبادئ الإسلام. وهذا التأويل السلفي الذي استُخدم لوصف السلوك السياسي والعسكري لـ«الجبهة» بغير الشرعي، قاد نحو طمأنة شريحة واسعة من الشعب بشأن سلامة العقيدة السنيّة التقليديّة التي بُرِّئت من كونها القادح الأصليّ للعنف، ودحضت بالتالي فرضيّة انزلاقها نحو الإسلامويّة.
ويُعارض التيار المدخلي (المواظب على دحض الأطروحات التي يعتبرها انحرافاً)، الدخول في المسارات السياسيّة، وهو يعتقد في أنّ بناء الدولة الإسلاميّة يكون من خلال القاعدة حصراً، حيث يجب نشر الممارسات الدينيّة السليمة التي يفترض أن تقود نحو حكومة رشيدة وتقيّة تكون نتيجة لتحقيق التوحيد، بدل أن تكون هدفاً في حدّ ذاتها. على هذا الصعيد، يُعدُّ التيار المدخلي عدواً مُعلناً للإخوان المسلمين والتكفيريّين، فيما ينعكس جوهر تبنيه للسلفية «غير الجهادية» عبر انتقاداته لتعاليم سيّد قطب. ومن بين التيارات الراجعة إلى العقيدة التي ترى في العودة إلى الأصول شرطاً أساسياً لإعادة تأهيل العقل، نجد التيار المدخلي المستورد من العربية السعودية (وفقاً لرغبة نشر السلفيّة «غير الجهاديّة» التي تعارض كلاً من جماعة الإخوان المسلمين، والسلفيّة الجهاديّة، والدعوة الشيعيّة).
من ناحية أخرى، نجد أنّ التيار المدخلي، من خلال الدعوة إلى ضرورة التزام الطاعة تجاه وليّ الأمر والتحصن ضد أي شكل من أشكال منازعة السلطة (التي تؤدي وفقاً لهم إلى تقسيم المجتمع)، قد ازدهر انتشاره بفضل سياسة «استعادة الليبرالية» التي نادى بها النظام. وفي حقيقة الأمر، بدا انحصار خطاب التيار المدخلي في حدود المسائل الاجتماعيّة وسيلة للتعويض عن الخضوع لليبرالية الاقتصادية. وإنّ أهداف هذا التيار التي يُزعَم أنّها غير سياسية (لكنها تهدف إلى الربح)، أكسبته عطف السلطات العامة التي يبدو أنّها تغضّ الطرف عن تحركات القادة الحاليين لـ«السلفية العلمية». وقد ساهم التسامح النسبي في الجزائر في ظهور بعض الشخصيّات وارتفاع شعبيّتها، على غرار الشيخين علي فركوس وعبد المالك رمضاني. وبالرغم من أنّ الأخير قاد صار موصوماً إثر خصومة حول شخصيّة الشيخ علي حسن الحلبي، ولم يعُد بالتالي من «الدعاة الصالحين»، فإنّ أكثر ممثلي التيار شعبيةً في الجزائر لا يعانون من أي إزعاج في سياق نشاطهم المفتوح.


برغم عدم منع هذا التيّار واستفادة السلطات من حضوره في فترات معينة، ففي منتصف الشهر الماضي، دعا وزير الشؤون الدينية الجزائري محمد عيسى (الصورة)، «الأئمة إلى أن يكون ولاؤهم للوطن ولولاة أمرهم»، مشيراً بذلك إلى رسالة الشيخ السعودي المدخلي. وقال عيسى إنّ «هذا الشيخ ملتزم سياسة بلاده ويبحث عن طرق يبرر فيها مواقف ولاة أمره، ويهاجم غيرهم ويدافع عن سياسة حكومته».
في المدة نفسها، دعا عدة فلاحي، وهو المستشار الإعلامي السابق لوزير الشؤون الدينية والأوقاف أبو عبد الله غلام الله، إلى «ضرورة التصدي للفكر السلفي الوهابي، ووضع حد لمحاولات الشيخ ربيع المدخلي في اختراق المرجعية الدينية الوطنية»، معتبراً أنّ ذلك قد يحمل معه في قادم الأيام «تهديداً لأمن الجزائر القومي».


التيار الديني... بأبعاده الخليجية

إبّان تفجر الأزمة الخليجية في شهر حزيران/جوان الماضي، أعدّت قناة «الجزيرة» القطرية تقريراً تناول مسألة التيار المدخلي، متهمةً إياه بأنّه من بين التيارات التي يتماهى خطابها مع الأنظمة السياسية، وتعيد تكييف نفسها وفق ما تمليه القرارات الحكومية.
وقال التقرير: «يعتقد مراقبون للحالة الدينية في السعودية أن هذه الفتاوى والآراء التي تتكئ على نصوص شرعية أحياناً وعلى اجتهادات فقهية أحياناً أخرى، دمجت بين تيارات كانت إلى وقت قريب تحرص على التمايز، وأممت الساحة الفقهية في أحيان كثيرة لمصلحة الفكر الجامي المدخلي». وأشار إلى أنّ المدخلية نشأت إبان حرب الخليج الثانية، «وكانت في صميمها ردّ فعل على رفض مكونات التيار الإسلامي فكرة الاستعانة بالولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت... وهي الولادة التي عبّر عنها ربيع المدخلي بكتابه: صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين».
وإذا كان هذا التقرير يستهدف مباشرة السعودية، فإنّ الجزائر من بين الدول التي يستهدفها هذا التيار، لكن في سياقات أخرى، خاصة أنّ العلاقة بين السلطات وبينه غير عضوية كما هي في السعودية.
(الأخبار)

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]