ياسين رفاعية: الكاتب الذي عاش في ظل الغياب

بدت القصص الأولى التي كتبها ياسين رفاعية (1934 ــ 2016)، كما لو أنها خارجة من بيت النار في الفرن الذي كان يعمل فيه. الصبي الذي ولد في حي العقيبة الدمشقي طحنته الحياة باكراً، فاكتشف قسوة العيش وجهاً لوجه.

العدد ٢٨٩٣

لدى سماعي نبأ موت الأديب ياسين رفاعية، ما كان لي سوى استعادته في البال من خلال المقابلة الأخيرة (الأخبار 5/8/2015) التي أجريتها معه. أظن أنّ رفاعية تظاهر يومها، بتمام صحته، رغبة منه في حصر اهتمامي وأسئلتي في كتابه «ياسمين» (دار جداول) الصادر حديثاً عن ابنته المتوفاة (موضوع مقابلتنا)، كفعل تطهّر أخير منه، يدلي فيه الكاتب باعترافات تؤرقه.

العدد ٢٨٩٣

إلى جانب دمشق، حضرت بيروت ووقائع الحرب الأهلية في القصص المحكية لياسين رفاعية، كما شكلت خلفية عدد كبير من كتبه التي تجاوزت العشرين. تسرب ثقل الحرب اللبنانية إلى أحداث «الممر» (1978) أولى الروايات التي صنفت ضمن أعمال الحرب الأهلية.

العدد ٢٨٩٣

(مروان طحطح)

مات ياسين رفاعية. بعض الموت مربك أحياناً حين يتعلق بكاتب ظل حضوره متداولاً داخل ما يمكن أن نسمّيه كتّاب الصف الثاني. لم يكن الكاتب السوري الذي أقام في بيروت منذ الستينات على الهامش تماماً ولم يكن في المتن تماماً أيضاً.
كان هذا التأرجح متاحاً، ولا يزال متاحاً في بيروت وفي صحافتها وفي مقاهيها، وفي فقاعتها الفريدة التي لا تزال تحتوي على هواء مختلف وأكثر حيوية من العواصم العربية الأخرى.
جاء رفاعية إلى بيروت في رحلة قطعها، قبله وبعده، سوريون وعراقيون وفلسطينيون ومصريون وسواهم من الكتاب والشعراء العرب. كانت بيروت مكاناً لصناعة الأسماء أو صقلها أو منحها اعترافاً ومساحات مفتوحة أكثر. كان صاحب «الحزن في كل مكان» (1960)، باكورته القصصية التي نشرها في دمشق مستدرجاً إلى هذا المناخ الفائر بكل النبرات والطموحات.

العدد ٢٨٩٣

بموت ياسين رفاعية، ينفرط عقد زمن جميل كنا عشناه معاً. كنا متجاورين في الزمن ومتجاورين في السكن ومتجاورين في تبادل أسرارنا وحفظها حتى أوان اللحظة المناسبة.
فما بيني وبين ياسين وبيني وبين أمل جراح، وما كان بين أولادنا، أمر روائي بحق.

العدد ٢٨٩٣

كم هو شاق على المرء أن يكتب عن الموت «الطازج» لأحد أقرب الأصدقاء إلى قلبه، كما هو الحال مع ياسين رفاعية. وكم هو صعب ومدعاة للحرج والمرارة أن تدعى إلى رثاء شخص عزيز ولصيق بحياتك، فيما جثمانه لم يوار التراب بعد، وفيما أنت منشغل بترتيبات موته وإخراجه من المستشفى ونشر نبأ رحيله حيث يجب أن ينشر.

العدد ٢٨٩٣

اسمها مكتوب على باب البيت في آخر شارع الحمرا. «منزل أمل جراح»، هناك، في الطبقة السادسة حيث صار ياسين يسكن وحيداً بعد وفاة زوجته الشاعرة والروائية السورية (1945 ـ 2004).

العدد ٢٨٩٣
لَقِّم المحتوى