قدّم المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، نصيحة لأفريقيا أمس، بتشاؤم واضح وتحذير بالغ الأهمية: «الاستعداد للأسوأ. والاستعداد منذ الآن». هل يدقّ غيبرييسوس ناقوس التخويف للحكومات والشعوب، أم أنّه يملك معلومات طبية لتفاقم الوضع لدى «فقراء أفريقيا»؟

عرفت القارة السمراء أوبئة عديدة على مدى عقود مضت: الملاريا، الإيدز، الكوليرا، والإيبولا التي خلّفت وراءها عشرات آلاف الوفيات. حالياً، مع انتشار فيروس «كورونا» في جميع أنحاء العالم، لم يعد تفشّيه مجرد «تهديد» لدول أفريقيا ما تحت الصحراء، بل أصبح واقعاً، وذلك بعد توالي تأكيد الإصابات في عددٍ من هذه البلدان.

خارطة انتشار الفيروس
في البداية، راج خبر أنّ أفريقيا ستكون بعيدة عن الفيروس، بحكم طبيعة أجوائها. لكن لاحقاً، اتضح أن ذلك ليس دقيقاً، إذ سُجّلت حتى اليوم نحو 700 إصابة، موزّعة على 36 دولة (حتى مساء الخميس 19 آذار). جنوبي الصحراء الكبرى، كانت معظم أعداد الحالات المسجلة كانت متدنية، باستثناء السنغال التي وصل فيها عدد الإصابات إلى 34، وجنوب أفريقيا 150 حالة، وبوركينا فاسو 26.
في شمال القارة، ناهزت الإصابات المئة في الدول المغربية. وتُعتبر ليبيا، حتى الساعة، الاستثناء الوحيد في المنطقة بعدم تسجيل إصابات بسبب الحرب فيها التي أدّت إلى إقفال المعابر والمطارات. في غرب أفريقيا، كانت نيجيريا أول دولة تسجل فيها إصابة، وهي لمواطن إيطالي، ليرتفع العدد اليوم إلى 12 إصابة. لاحقاً، بدأت خارطة الفيروس تتوسع، فسجلت إصابات في كل من السنغال، التوغو، غانا، غينيا، كوت ديفوار، ليبيريا، الغابون، وبوركينافاسو. وفي الساحل الأفريقي، سُجّلت حالات في كلٍ من بوركينافاسو وموريتانيا. وتُعتبر السنغال في صدارة دول المنطقة.
«كورونا» بات منتشراً في مختلف أرجاء القارة الأفريقية، إذ سُجّلت حالات جديدة أيضاً في كينيا، السودان، الكاميرون، أفريقيا الوسطى، غينيا الاستوائية، إثيوبيا، رواندا، وغيرها. في هذا السياق، يعلّق الصحافي والباحث في الشؤون الأفريقية، محفوظ السالك، بأنّ «كورونا انتشر في بلدان تُعاني من أمراض أخرى، وهذا قد يؤدي إلى أزمة مضاعفة»، مضيفاً أنه «ينطبق ذلك مثلاً على جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تتجه نحو إعلان خلوّها من داء «إيبولا»، بعدما قتل وأصاب الآلاف من سكانها، على مدار أكثر من عام». ويلفت السالك في حديثٍ إلى «الأخبار» إلى أن «الكونغو تعاني من داء الحصبة أيضاً، الذي قتل أكثر من ستة آلاف من سكّانها، وانتشار كورونا فيه الآن سيزيد من تدهور الوضع الصحي بشكل عام، لكون عدد من المناطق الشرقية في البلاد غير مستقر، وتعاني من تدهور في الأوضاع الأمنية».
الإجراءات التي اتخذتها الدول الأفريقية لمكافحة «كورونا»، تبدو تقريباً متشابهة، حيث إن معظم الدول التي ظهرت فيها حالات إصابة أقدمت على تعليق الدراسة، إما مؤقتاً أو إلى إشعار آخر. كذلك أغلق بعض الدول المطارات إمّا كلّياً أو شبه كلّي مع الدول الأوروبية، باعتبارها تمثل بؤرة جديدة للفيروس. هذا الإجراء يُطبّق أساساً في دول شمال القارة. بعض دول غرب القارة أقدم على تعليق الرحلات مع «بعض» الدول الأوروبية، مثل السنغال، فأُعلن توقيف الرحلات مع فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال، وبلجيكا، لمدة شهر، مع استثناء رحلات الإجلاء الطبي التي أعلنت حكومة داكار أنّها يُمكن أن تستمر، وكذلك رحلات الشحن، شرط أن تظل الأطقم على متن الطائرة، ويتم تقليل وقت التوقّف إلى الحدّ الأدنى.

أوروبا تُعدي أفريقيا
ثمة ملاحظة أساسية، وهي أنّ أفريقيا لم تتناقل العدوى بين دولها، رغم حركة السلع والبضائع في ما بينها. فلم يظهر الفيروس من الداخل، بل جاء من الخارج، وتحديداً من أوروبا، وفق تقرير نشرته وكالة «رويترز» أمس.
استعمر الأوروبيون أفريقيا منذ بداية القرن السادس عشر، فنهبوا البلاد واستعبدوا العباد. وحالياً لا تزال الشركات الغربية تسطو على ما تبقى من خيرات البلاد، والسفارات الغربية تتحكم في القرار السياسي. الآن، هناك من يعتبر في أفريقيا أنّ الأوروبيين حملوا «كورونا» إلى الشعوب الفقيرة.
في الكاميرون، قال مسؤولو الصحة إنّه عندما تبيّن ارتفاع درجة حرارة راكب قادم من بروكسل، نُقل بسرعة إلى المستشفى، وبعد أربع ساعات جرى تشخيص إصابته بالفيروس، ليصبح بذلك رابع حالة إصابة في البلاد. وأضاف مدير وحدة الاستجابة في وزارة الصحة الكاميرونية، جورج ألن إيتوندي مبالا: «لدينا حالات لم تُشخّص في فرنسا وإيطاليا، واكتُشفت هنا»، واصفاً عملية الفحص بـ«شبكة التجسس».

هناك من يعتبر أنّ الأوروبيين حملوا «كورونا» إلى الشعوب الفقيرة


من جهتها، وفي معرض ردّها على التقارير التي تتحدّث عن أنّ الأوروبيين «صدّروا كورونا» إلى أفريقيا، نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية تقريراً قالت فيه إن «فرنسا إحدى أكبر الدول الاستعمارية في أفريقيا، فوجئت نهاية هذا الأسبوع (الماضي) بقرار المغرب إغلاق خطوطها معها»، مضيفةً أنّ وزارة الخارجية الفرنسية أصدرت بياناً قدّمت فيه عدداً من النصائح إلى جميع الفرنسيين بشأن إقفال المطار، فطُلب من المواطنين الفرنسيين الذين يعيشون في الخارج «تجنّب السفر الدولي قدر الإمكان، والحدّ من تحركاتهم خلال الثلاثين يوماً المقبلة». ووفق الأرقام الرسمية، فإن ما يقرب من 200 ألف فرنسي مغترب في القارة الأفريقية، يعيش أكثر من 86% منهم في البلدان الناطقة بالفرنسية، خصوصاً السنغال ومدغشقر وساحل العاج، وهي أيضاً البلدان التي قيّدت حركة التجارة والنقل مع باريس.

الخبرة والحرارة
على الرغم من تعدّد ظهور حالات الإصابة بـ«كورونا» على المستوى العالمي، إلا أنّ الوضع في أفريقيا يبدو «هادئاً نسبياً» حتى الآن. ووفق الخبراء، فإنّ ذلك يعود إلى أسباب عديدة، منها أن النظم الصحية الأفريقية، على قلّة مواردها، اعتادت التعامل مع الأمراض المعدية التي تعدد ظهورها في أفريقيا، بحيث لم يعد الأمر «مصدر قلق». وفي هذا الإطار، أرجعت صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية انخفاض الإصابات في أفريقيا «إلى خبرة التعامل مع الأوبئة». فعلى سبيل المثال، عام 2014، انهار رجل ليبيري مصاب بفيروس «إيبولا» في صالة الوصول بمطار لاغوس، فقامت السلطات النيجيرية بتعقّب الأشخاص الذين اتصل بهم ووضعوهم في الحجر الصحي، مُتفادين انتشار المرض. وفي شباط الماضي، اكتشفت السلطات في نيجيريا إصابة رجل أعمال إيطالي بفيروس «كورونا»، وكانت تلك أول حالة في البلاد. على الفور، بدأت السلطات بمتابعة المرض، ولم تسجّل فيها سوى ثلاث حالات حتى اليوم. أحد التفسيرات المحتملة أيضاً هو الحرارة المرتفعة والطقس الحار، على الرغم من غياب أدلة علمية قوية تدعم هذا الاحتمال.
على رغم العوامل «الإيجابية»، يبقى الهاجس الكبير أمام فقراء أفريقيا هو ماذا يفعلون في حال تفشّى «كورونا»، بوجود عدد محدود من المستشفيات وضآلة الإمكانيات؟