في مثل هذا اليوم من العام 1956، بالتزامن مع بدء العدوان الثلاثي على مصر، شهدت قرية كفر قاسم استشهاد نحو 49 فلسطينياً، التهمة لهم كانت محضرة/مبيتة: مخالفة إجراءات فرض منع التجول على القرى المحاذية للأردن.

كان بعض أهالي القرية في أعمالهم المختلفة داخل أراضيهم، ولم يكن أحد منهم يعلم بهذا القرار. إذ إنه صدر في تمام الساعة الرابعة والنصف من اليوم ذاته، وقام رقيب من حرس الحدود الإسرائيلي بإبلاغ مختار قرية كفر قاسم به، أي قبل نصف ساعة من بدء سريان القرار. كان هذا ما حصل، وكانت الأوامر لدى جنود الاحتلال بأن «عليهم إطلاق النار بنية القتل على كل إنسان يُشاهَد بعد الساعة 17 خارج البيت، من دون تفريق بين رجال ونساء وأولاد وعائدين من خارج القرية».

الفنانة سامية حلبي

بعد الخامسة، عاد بعض الأهالي إلى بيوتهم، أوقفهم جنود حرس الحدود، وخلال ساعة واحدة، قتلوا من قتلوا. انتشرت أخبار المجزرة بحق رجال ونساء وأطفال. وجرت محاكمة صورية ضد 11 عنصراً من القتلة. وقبل أشهر قليلة، تحديداً في 29 تموز من العام الجاري، رفع القضاء العسكري الإسرائيلي السرية عن جزء من محاضر محاكمة 1957 بخصوص مجزرة كفر قاسم، بعد استئناف قدّمه المؤرخ الإسرائيلي أدام راز من أجل نشر الوثائق المحظورة المتعلقة بمجزرة كفر قاسم.
ظلت هذه المجزرة مدفونة في ركام الأرشيف الصهيوني، ليس معروفاً عنها إلا القليل القليل، حتى نشر الصحافي والكاتب الإسرائيلي روبيك روزينطال كتابه «كفر قاسم: الأحداث والخرافة» تحدّث فيه عن خطة لتفريغ القرى العربية الحدودية في منطقة المثلث من السكان، ووضعهم في معسكرات اعتقال إذا نشبت الحرب مع الأردن. اكتملت المعلومات حول هذه الخطة التي ألغيت فعلياً لعدم نشوب حرب مع الأردن، إلا أن ما حصل على الأرض كان تنفيذ هذه الخطة، ومع الكشف عن 350 صفحة حول مجزرة كفر قاسم تناولت إفادات وشهادات ضباط وجنود ميدانيين، تم توثيقها خلال مداولات لجنة التحقيق السرية في أحداث المجزرة والمحكمة العسكرية، بدأت تكتمل صورة ما حدث في مساء ذلك اليوم قبل 66 عاماً.
تعيد الوثائق والشهادات الحديث عن مصطلح «خلد»، وهو اسم الخطة التي أشار إليها روزينطال. إذ يقول قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال آنذاك «في حال نشوب حرب مع الأردن ستنظر إسرائيل بعين الرضى إلى المواطنين العرب وهم يتخطون الحدود». وكتنفيذ للخطة على ما يبدو، قرر قائد حرس الحدود حينها يسخار شيدمي، تعديل وقت منع التجول من التاسعة مساء إلى الخامسة مساء، من دون الإعلان عن ذلك رسمياً، بالتالي أجازت تلك القوة العسكرية قتل كل من يخالف قرار منع التجول، فكانوا الضحايا الذين قتلوا رمياً بالرصاص العشوائي بحسب شهادة أحد الناجين.
انطلقت الرصاصة الأولى من سلاح الضابط شالوم بن بوردو، فكانت أمراً لبقية الجنود بإطلاق النار على الفلسطينيين، ويقول بن بوردو «أطلقنا النار صوب نساء من البلدة أردن تعبئة الجرار من بئر المياه» كذلك تم استهداف رجل وفتى، وهما في طريق العودة إلى المنزل.
برّر بعض الجنود والضباط، بحسب شهاداتهم المنشورة حديثاً، أن أسباب إطلاقهم النار، هي محاولة الأهالي الفرار والهرب بعد سريان منع التجول. إلا أن بعض الشهادات الأخرى، أوضحت أن إطلاق النار لم يكن بسبب الفرار والهرب، كما أن هناك بعض الفلسطينيين لم يعرفوا البتة بقرار منع التجول، فأطلقت النار صوبهم مباشرة.
ويؤكد أحد الناجين من المجزرة، وهو محمود فريج الذي كان موجوداً مع شبان بالجهة الغربية لكفر قاسم، قبيل بدء منع التجوال بنحو ربع ساعة، أنه تعرض للإصابة وتمكن من التخفي مع ماشيته، وعاد إلى البلدة من غير صاحبه الذي قتله الجنود، ويبين فريج في شهادته، بأن الجنود أطلقوا النار باتجاه الفلسطينيين بشكل عشوائي.
يذكر الدكتور عادل مناع حول المجزرة التالي: «تجدر الإشارة إلى أن موشيه دايان، قائد أركان الجيش الإسرائيلي، أعطى أوامره بتصعيد العمليات الانتقامية في الضفة الغربية وقطاع غزة، آملاً بأن يجر الأردن أو مصر إلى حرب ثانية هم غير مستعدين لها. وقد تسارعت بالفعل وتيرة العمليات الإسرائيلية في الضفة الغربية خلال الأسابيع القليلة التي سبقت أحداث مجزرة كفر قاسم. لقد شن الجيش الإسرائيلي عمليات ضد الجيش الأردني، راح ضحيتها عشرات الجنود والمتطوعين المحليين لحماية القرى الفلسطينية. ففي قرية حوسان القريبة من بيت لحم، على سبيل المثال، قام الجيش الإسرائيلي في 26/9/1956 بالهجوم على الأهالي، فقتل 39 شخصاً، وجرح 12 آخرين. وفي قلقيلية القريبة من كفر قاسم نفذ الجيش الإسرائيلي عملية كبيرة أخرى كانت نتيجتها مقتل 18 إسرائيلياً وجرح 88، وفي الطرف الفلسطيني مقتل 88 شخصاً وجرح 14 آخرين. في تلك الفترة، وضعت الخطط تحسباً لإمكانية نشوب حرب قريبة على الجبهة الأردنية، كما وضع مخطط «نقل» أهالي كفر قاسم والقرى العربية المجاورة إلى معسكرات اعتقال داخل إسرائيل» (ص79 الفلسطينيون في إسرائيل: قراءات في التاريخ، والسياسة، والمجتمع/ عادل مناع - أريج صبّاغ-خوري/«مدى الكرمل»).
وعلى مبدأ شر سلف لشر خلف، جربت حكومة الاحتلال في حينها التعتيم على المجزرة، كما تفعل الحكومات المتعاقبة، للتعتيم على مجازرها وجرائمها اليومية، فحاولت حكومة بن غوريون منع تسرب الأخبار للرأي العام المحلي والعالمي، لكنها لم تنجح، واضطرت إلى تشكيل لجنة تحقيق، وتقديم المتهمين بارتكاب المجزرة إلى محكمة عسكرية. يقول مناع عنها: «عملت بكل الوسائل لتخفيف الأحكام مرة بعد أخرى. وما إن جاء عام 1960، حتى كان آخر المحكومين قد غادر السجن، وبذلك دفن هذا الحدث. كمـا أن بن غوريون وغيره من القيادات العسكرية والسياسية حاولوا "تعويض" بعض المشاركين في المجزرة بالوظائف المهمة، بدلاً من نبذهم عن المجتمع. دلت هذه المعاملة تجاه من نفذ تلك الجريمة بحق عشرات المواطنين العزل على الموقف الحقيقي للقيادات الإسرائيلية من مسألة حياة العرب في إسرائيل. وكانت قمة ذلك الموقف الحكم الذي صدر على المسؤول الأعلى رتبة عن أوامر حظر التجول وإطلاق النار، يسسـخار شدمي، وهو عبارة عن توبيخ ودفع قرش واحد كغرامة. وقد أصبح هذا العقاب، في ما بعد، مثالاً للاستهتار الإسرائيلي بحياة العرب، والرغبة بالتستر على فظاعة الجريمة» (ص80).
49 شهيداً، بينهم 15 امرأة و11 طفلاً ويافعاً، تتراوح أعمارهم بين ثمانية و15 عاماً، ارتقوا في ساعة واحدة، وعدد من الجرحى تشير التقارير والأبحاث المتعلقة بالمجزرة أن أعدادهم كانت قليلة، بسبب أن القتل فقط كان القرار والهدف. وبعد عام من المجزرة، جرب الاحتلال إكمال الاستهتار بالفلسطينيين الذين لم يقدر على تهجيرهم من أرضهم -160 ألفاً بعد النكبة- ففرض على أهالي كفر قاسم «صلحة»، كذلك قدمت بعض التعويضات الهزيلة لأهالي الضحايا.
لم ينجح الكيان في اقتلاع كل الفلسطينيين من أرضهم، وعلى الرغم من محاولاته الدؤوبة حتى اليوم، لإحداث نكبة جديدة في فلسطين، إلا أنه يفشل، ليس لعدم قدرته فقط، إنما لأن الشعب الذي تهجر سنة 1948، ويذوق الذل في أرضه تحت الاحتلال، وفي بلدان الشتات، ليس أمامه حلّ سوى طرد المحتلين، والعودة إلى الديار، وإقامة الوطن الحر.