«فَأَخَذْتُ إِبْرَاهِيمَ أَبَاكُمْ مِنْ عَبْرِ النَّهْرِ وَسِرْتُ بِهِ فِي كُلِّ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَكْثَرْتُ نَسْلَهُ وَأَعْطَيْتُهُ إِسْحَاقَ»

(سفر يشوع 3:24)


متشابهات هنّ حد التطابق بابتسامتهن وعبسة وجوههن. متشابهون هم بثقل خطواتهم وتحياتهم العسكرية وشارات النصر المرفوعة. كيف سكن الصبر نفوسهم وحلت الطمأنينة الغاضبة بدل البكاء الصارخ؟ هنا نصدق أمهات الشهداء وآباءهم، أم نستمع لمحمود درويش في «حالة حصار»:
«الشهيد يحذرني: لا تُصدّق زغاريدهنَّ
وصدّق أبي حينَ ينظر في صورتي باكياً:
كيف بدَّلنا أدوارنا، يا بنيّ، وسرت أمامي؟ أنا أولاً.. أنا أولاً»
■ ■ ■

مقاتلون. فدائيون. متشابهون أكثر في تربيتهم وفعلهم وزيهم الأسود وتسريحات شعرهم ولحاهم غير المكتملة. ضحكاتهم طفولية عفوية. كلماتهم تتكامل مثل أحجية في كلمات متقاطعة. سجائرهم مثل أعمارهم: قصيرة ومشتعلة دائماً. وشمهم يختزن طموحهم. عيونهم عميقة لامعة ترى ما لا يراه أحد. جنازاتهم جرارة بقدر فعلهم ومحبتهم. بنادقهم حزينة كجواد فقد فارسه. شباب ضحوا كي لا يترك أحد البارودة كما أوصى إبراهيم النابلسي، أو بهدف أن «مئات من الشباب ليحملوا البندقية من بعدي» كما كتب عدي التميمي. هذا العدي فيلسوف، فيضيف: «عمليتي كانت نقطة في بحر النضال الهادر». لم يجتزئ نفسه عن مشوار طويل ووجع مستمر. أراد أن يكون نقطة في بحر، ما هذا التوصيف؟ فبدل التفخيم وإصدار الأوامر، ويحق له ذلك، اختار أن يكون نقطة وفقط. هذه هي النقطة المضيئة في ذاك النفق.
■ ■ ■

محمود بنا، كان فرداً في مجموعة تمثّل آمال شعب. اختار الانسحاب أو الاستراحة لأيام. أراد حماية نفسه وهذا حق، فالجميع يريد شبابنا أحياء ونحبهم أحياء يتابعون مباريات «كأس العالم» مثل جميع شباب الأرض. لكنك يا «حودة» أنت أمل لجيل. تريد أن تكون ملك نفسك، وألا تدمع والدتك وتصبح ثكلى تحمل صورتك. خضعت للضغوط النفسية والأمنية، وأي إنسان إذا دخل في تسويات على المستوى النفسي سيبحث عن مبررات. أنت لا تحتاج لتبرير كي تعود للقطيع المستكين. لكنك ستفقد توقّد ذهنك حين ترى صورة صديقك الشهيد. سيأتيك في المنام وديع، استقبله بالبكاء وأجب عن أسئلة كثيرة أنت تعرفها وربما لم تجد إجاباتها حتى الآن.
■ ■ ■

يا «حودة»..
ربما مرّ معك في يوم «لغز النهر». هذا كان يُطرح للعصف الذهني في المرحلة المدرسية الابتدائية.
يريد فلاح نقل ثعلب، وإوزّة وكيس من الحبوب من ضفة نهر إلى أخرى في زورق. لا يوجد به متّسع إلا لكائن آخر معه. يواجه الفلاح بذلك ثلاثة قيود هي: حمولة القارب. لا يستطيع الفلاح ترك الثعلب مع الإوزّة. لا يستطيع الفلاح ترك الإوزّة مع كيس الحبوب.
ما هو الحل؟ حين كنّا صغاراً كانت الإجابة العفوية: ليذهب الفلاح مع الإوزّة ويترك الثعلب المكّار. وماذا يستفيد الفلاح من الحبوب أو الثعلب؟ ليأكل الإوزّة وينهي القصة.
كان دائماً الرد أن هذه اللعبة أو اللغز هي مفهوم الحياة، ولا يمكن حل اللغز إلا بالالتزام بالقواعد والقوانين. فكسر القاعدة يعني عدم وجود لغز.
أمّا الحل فكان دائماً يأتي على شكل متسلسل. يأخذ الفلاح الإوزّة وينقلها إلى الطرف الآخر ويعود خالياً. يأخذ الثعلب للطرف الآخر ويأخذ الإوزّة في العودة (يكون بذلك الثعلب في جهة وكيس الحبوب في جهة والإوزّة في القارب). يترك الفلاح الإوزّة على الجانب الآخر ويأخذ كيس الحبوب (يكون بذلك الثعلب كما هو في جانب، الإوزّة في جانب آخر وحقيبة الحبوب معه على القارب). يترك الفلاح الحبوب في الجهة الأخرى مع الثعلب ويعود خالياً (بذلك يكون كلاً من الثعلب وحقيبة الحبوب في جهة، الإوزة في الجهة المقابلة ولا أحد معه في القارب). يأخذ الفلاح الإوزة وينقلها للطرف الآخر وبالتالي يكون قد أتمّ المهمة.
صحيح يا «حودة»، أن لغزاً فيما حصل يحتاج إلى حل. فأنت لا تستطيع أن تكون الإوزة لتواجه الثعلب وكذلك لا تريد أن تكون الإوزة وتأكل الحبوب. فما رأيك أن تكون الفلاح فتشبه أرضنا. ولكي تعبر النهر لا تكسر القارب بك وبنا وبمن نادى لك وعليك. وتأكد أنه كما يقول المثل الصيني: «مثلما يعود النهر إلى البحر هكذا يعود عطاء الإنسان إليه».