أيام قليلة مضت، أعادت فيها نابلس أمجاد فلسطين، ورسمت معالم مرحلة جديدة في تاريخ الصراع مع الاحتلال؛ ليس غريباً عليها هذا الفعل، فهي التي كانت دوماً مرتعاً خصباً للنضال والمقاومة. من هذا الإرث العظيم، اكتسبت لقبها «جبل النار»، قاتلت نابليون وأحرقت جنده، قاومت واستشهد من أولادها، هي لا تبخل بالدم، حين يسمو الهدف ويعلو، أمام من أراد حرف البوصلة.

تدفع نابلس ثمناً من دماء أبنائها، فتجود بخيرة شبابها، على مذبح الحرية المستباحة منذ عقود.


وعرين أسودها، ليسوا بضع عشرات من المقاتلين، كما يزعم الاحتلال وأعوانه من بني جلدتنا، فالعدد ليس هو المهم في هذا النزال المر والصعب والمؤلم، مع احتلال تجرد من القيم، وألقى بقوّته وآلته العمياء، على مدينة عزلاء، ليطبق الحصار عليها منذ أكثر من أسبوعين. يهاجمها ليلاً، وينكل بأبنائها على الحواجز نهاراً، محاولاً وقف عجلة التاريخ. يخشى من نابلس ومن جندها، أن تسطر ويسطرون، النموذج الحي والمبتكر، الفاعل والمستمر، للخروج من أسر «أوسلو» وتوابعه وخياراته. كما يخشى أن تتحول نابلس إلى أيقونة، يتردد صداها في بقية المدن الفلسطينية. يسابق الزمن، ينفذ الخطط، يريد أن يستكمل ما بدأه، منذ اللحظة الأولى من عمر هذا الكيان، «كي الوعي الفلسطيني»، حتى لو ارتكب المجازر المتواصلة، بحق المدينة وأهلها. يخشاها لأنها تقول له، بعد كل موجة دموية، إنها هي الباقية والشاهدة، الأمينة على رحلة الدم التي خاضها شعبنا منذ عقود. عدونا ليس في جعبته غير السلاح، والقتل والدم، لا يملك سوى لحظة المباهاة، بأنه الأقوى والقادر على الفعل، أكثر من نصف قرن، وهم يركضون، في أزقة المدن والقرى والمخيمات، يقتلون ويعتقلون ويهدمون البيوت، يحاصرون خوفهم من أهل البلاد، لهذا يسابقون الوقت من لحظة الحقيقة. فبعد أن كانت عصابة بثوب دولة، أصبحت عصابة عارية، تكشّر عن أنيابها، وليس غريباً عليها، أن يصبح بن غفير، أحد أهم رموزها اليوم، وهو المحامي المفصول من نقابته بتهم جنائية. إذاً فهذه الدولة التي ولدت من رحم العصابات، تعود إلى نشأتها، تعود إلى قاتلة، بعد زمن من ادعاءات كثيرة أمام العالم، لم تستطع أن تبقى عليها، لأنها جريمة، ولأن الجريمة هويتها الوحيدة.

«عرين الأسود» نواة جيشنا
أهم ما أفصحت عنه تجربة «عرين الأسود»، أنها نواة لجيشنا الموحّد، بعد أن أسقطت كل الرايات، لمصلحة راية واحدة، وأسقطت كل الأيديولوجيات، لمصلحة رؤية موحدة، فمعظم من في «العرين» أعضاء سابقون في الفصائل الفلسطينية، اختاروا العمل الموحد، وحددوا الهدف، وعينوا العدو، فكانت لهم هذه الحظوة في وجدان شعبهم، وكانت لهم أيضاً حاضنة شعبية في عموم البلاد، وفي المنافي والشتات. لهذا يخشى الاحتلال هذه التجربة، يريد من الفلسطيني أن يعيش على دوامة الانقسام. تخشاها السلطة أيضاً، لأنها البديل الفعلي، عن حلقات الفساد التي عششت في ثنايا مؤسساتنا، وأنتجت نخبة مترفة تعيش على حساب بقية الشعب، نخبة أدمنت الخنوع والاستسلام لعدوها، وما بين الخشيتين تقف فلسطين في لحظة الولادة المتجددة. فشبابها اليوم يخرجون من تحت ركام الاستبداد، وهم الشهود على عفونة المرحلة السابقة، رسالتهم واحدة، يقول الشهيد إبراهيم النابلسي قبل لحظات من استشهاده: «لا تتركوا السلاح»، ويقول عدي التميمي في وصيته: «هدفي أن يحمل بعدي الشباب السلاح». كل وصايا الشهداء مليئة بالحب واليقين والأمل، وخير دليل فعلهم الذي لامس قلوب الفلسطينيين وأنصارهم في كل مكان، فيما ما زال البعض فينا يسوق لبضاعته الفاسدة، «لا قدرة لنا على هذا الحمل، الصبر والانتظار، لعل عدونا يعقل، ويجلس معنا على مائدة واحدة». يعتقل مصعب اشتيه، والتهمة «سلاح غير شرعي»، فيما نصف جيش الاحتلال، كما ورد على لسان وزير حربهم غانتس، يجوبون الضفة الغربية طولاً وعرضاً، يستبيحون، غفوتنا وكبوتنا، وبيوتنا، يقتلون، ويدمرون، وهذا الكهل القابع في لغته العرجاء، ما زال يريد بيعنا السراب، بعد أن وجّه خارجيته لدعوة مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة للاجتماع، يريد فضح الاحتلال.
كل وصايا الشهداء مليئة بالحب واليقين والأمل، وخير دليل فعلهم الذي لامس قلوب الفلسطينيين وأنصارهم في كل مكان


أم الشهداء وعاصمة المقاومة
قد يستمر حصار نابلس ويطول، وربما الاحتلال سيوسع من دائرة عنفه، ويزيد من فعله الدموي بحق نابلس وشبابها، لكن نابلس قالت كلمتها النهائية، وهي لن تحيد. هي عاصمة المقاومة اليوم، ولا تقاتل وحدها، تستكمل ما بدأته جنين، وتزيد عليه نكهتها الخاصة. تحرض المدن، وتنتظر الخليل، وترى بعينها الالتفاف حولها. بالأمس خرجت الناصرة، وحيفا، وأم الفحم، لتداوي جراحها، خرجت جنين ورام الله والبيرة، طولكرم، قلقيلية، وأريحا. هذا الخروج العظيم يقينها، أن رسالتها وصلت، وهي القادرة، بخيارها المقاوم، على توحيد الشعب، وفي معارك الاستقلال لا تقاس الخسائر بين الطرفين، طالما أن الثمن معروف، ونابلس بدم أبنائها قدمت إجابتها. التسمية مطلب إعلامي فقط، سواء كانت ثورة، انتفاضة كبرى أو صغرى، هبة، احتجاج، كل تلك التسميات لا تعني شيئاً، طالما أن الحدث يمضي، ويتشكل في أزقة القصبة داخل البلدة القديمة في نابلس، وينطلق مخترقاً حصارها، ليصل إلى كل المدن والعواصم. نابلس قالت كلمتها، هي بضع كلمات، الحرية والاحتلال لا يتعايشان مطلقاً.

كيف يقرأ الاحتلال ما يجري
الاحتلال، من جهته، يدرك أن جيلاً فلسطينياً جديداً قد أوجد لنفسه محط قدم في الصراع، وأن هذا الجيل هو جيل الانتفاضة الثالثة كما يسميه. فمعظم المقاربات التي قدمتها الصحافة ووسائل الإعلام الصهيونية حول تلك الظاهرة الجديدة، تتلخص بأن عصر الاستحقاقات ودفع الثمن قد حل، في ظل غياب أي مقاربة سياسية تتعلق بحل الصراع. البعض منهم تحدّث أن حكومة الاحتلال وأجهزتها، أصبحت أسيرة عصابات المستوطنين، التي فرضت أجندتها على الأرض، وكذلك في السياسة، فالجميع أصبح خاضعاً لتلك العصابة.
الأمر المهم في هذا، أن النظام السياسي الصهيوني يعيش منذ أربع سنوات أخطر أزماته منذ نشأته، النخبة السياسية فيه منقسمة ومنشطرة إلى أبعد مدى، كل التشكيلات الطائفية والعرقية والأيديولوجية والمكونات المجتمعية في لحظة سباق سريع لتظهير هوياتها الفرعية، على حساب الهوية الجامعة، سواء كانت حقيقية أو مفترضة. النظام المتكئ على العنصرية ضد العرب، أصبح هو الآخر يسيل على الجانب الآخر اليهودي، هذا السيل عبّر عن نفسه بانسداد سياسي، فبعد أيام قليلة يذهبون إلى انتخابات خامسة، كل نتائجها لن تخرج عمّا سبق. والسؤال المطروح اليوم في الأروقة الصهيونية، كيف الخروج من هذا المأزق. باتت دولة الاحتلال في غرفة الإنعاش الأميركي، فيما المستوطنون يتمشون على أرض الضفة الغربية معتقدين أن لحظة انتصارهم قد حانت، ونابلس بعرينها، جواب عملي أن الشعب الفلسطيني كطائر العنقاء، كلما احترق ينهض من بين الرماد من جديد.