لطالما كان الأردن الأكثر تأثّراً بواقع الأحداث في فلسطين المحتلة، فهو صاحب الحدود الأكبر معها، وتقطنه النسبة الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين وتحمل جنسيّته، أضف إلى ذلك العلاقة القوية بين العائلات والعشائر على ضفتي النهر، والعادات والتقاليد المشتركة مجتمعياً. وإبّان موجات ومواسم المواجهة مع المشروع الصهيوني منذ بداياته، كان الأردن حاضراً في ميدان المواجهة الفعلي مع المحتل، وبعد توقيع الدولة لاتفاق «وادي عربة» التطبيعي، باتت عملية البحث عن مساحة الممكن في سياق دعم الحالة الشعبية المقاومة في فلسطين سؤالاً شعبياً ملحاً، يتصدّر المشهد الشعبي الأردني، بين الفينة والأخرى. ومن الوسائل والأدوات، الحاضرة في هذا السياق، الدواوينُ والجمعيّات العائلية.


نشأة الظاهرة
عقب نكبة فلسطين عام 1948، ونكسة حزيران 1967، وما بينهما، توافدت مئات العائلات الفلسطينية للإقامة في الأردن، معظمها أتى لاجئاً، وقليل منها أتى لغرض الإقامة. ونظراً لطبيعة المجتمع العشائري في بعض أنحاء فلسطين، كما هي الحال في الأردن، فقد حرصت العائلات الفلسطينية على كل ما يضمن استمرار الترابط بينها، وقد ترجمَت ذلك عبر عدة أنماط من السلوك الاجتماعي. في مراحل زمنية بعد النكبة، حرصت العائلات الفلسطينية اللاجئة من القرية نفسها أو المدينة على إقامة أحياء لها في العاصمة عمّان وغيرها، داخل المخيمات أو خارجها. في منطقة جبل التاج، شرق عمّان، على سبيل المثال، وجدت أحياء المحاسرة والعكارمة والعمواسية التي سكنها اللاجئون من قرى: بيت محسير وعين كارم وعمواس، المقدسية المهجرة، وفي منطقة جبل النصر. وبعد نكسة حزيران، أقام النازحون من مدينة الخليل، حي الخلايلة، وفي الوقت ذاته، بدأ العديد من الفلسطينيين بتأسيس الجمعيات التي تضم عائلات تلك القرى والمدن كافة، فأسست العائلات الخليلية جمعية «خليل الرحمن» في العام 1967، وتلاها أهل نابلس، فأسسوا جمعية «نابلس» في العام 1969.
كان الهدف في البداية الحفاظ على شيء من الكيانية الفلسطينية، والترابط بين العائلات، وذلك عبر عقد اللقاءات والمعايدات في المناسبات المختلفة، كالأعراس والمآتم، وتطور الدور الاجتماعي لها وزاد عددها، لكنها في معظم الأحيان لم تتجاوز الأدوار الاجتماعية، ما سمح لها بالاستمرار وعدم الاصطدام بالدولة، وتشكيل ظاهرة اجتماعية حظيت باحترام مكونات المجتمع الأردني كافة.

دعم المقاومة والجمعيات العائلية
في السنوات اللاحقة للنكسة، ومن ثم أحداث أيلول الأسود بين 1970 و1971، حافظت الجمعيات والدواوين على أدوارها الاجتماعية، ومع عودة العلاقات بين منظمة التحرير والدولة الأردنية في منتصف الثمانينيات، دخلت المنظمة على وتر تلك الجمعيات. ويورد صلاح خلف (أبو إياد) في أحد محاضر الاجتماعات التي حضرها عام 1984، موقفه من تأسيس ديوان عائلة القواسمي الخليلية، إذ أشاد بذلك ودعا لدعمها. ومع سنوات الانتفاضة الفلسطينية الثانية، برزت أدوار الجمعيات والدواوين في جمع التبرعات للفلسطينيين المتضررين من المدينة ذاتها، أو العائلة، في شكل من الدعم المالي للمقاومة، والذي تمنحه العلاقات العائلية نوعاً من الشرعية والحصانة المجتمعية.
ومن الأمثلة على حملات الدعم للصامدين في فلسطين عن طريق الجمعيات، ما قام به أبناء عائلة الجعبري في الأردن، عندما جمعوا المال من أبناء العائلة لترميم وإعادة بناء بيوت أبناء العائلة المتضررة من حربي عام 2012 و2014 على قطاع غزة، والتي نجحت بترميم وبناء أكثر من 15 منزلاً في حي الشجاعية. وعقب استشهاد نائب القائد العام لـ«كتائب القسام»، أحمد الجعبري، توجّه وفدٌ من العائلة للمشاركة في تأبين الشهيد خلال حفل انطلاقة حركة «حماس» في غزة.

من علاء أبو دهيم إلى «هبة السكاكين»
أنتج الواقع الفلسطيني من بعد العام 2007 أشكالاً جديدة من المقاومة، فبرزت العمليات النوعية الفردية، والهبات، وغيرها، وفي فترةٍ ارتفع خلالها التعطش الشعبي في الأردن وفلسطين تجاه عودة تفجّر المواجهة مع الاحتلال على غرار انتفاضة الأقصى، ومع استمرار موجات العدوان على غزة، جاءت عملية الشهيد علاء أبو دهيم، من بلدة جبل المكبر، جنوب القدس، بتاريخ 6/3/2008، والتي استهدفت مدرسة «هراف» التلمودية غرب القدس، فقتل وجرح خلالها نحو 19 صهيونياً. تفاعل أبناء عائلة أبو دهيم، وعدد من عائلات جبل المكبر القاطنة في منطقة صويلح، شمال غربي عمّان، لعقد بيت تعزية بالشهيد، تحت عنوان «عرس الشهيد علاء أبو دهيم»، وبادرت السلطات الأردنية إلى منع إقامة بيت العزاء، وسط استهجان من القوى الحزبية والشعبية. وقد تكرّر الأمر العام 2017، حينما منعت إقامة بيت عزاء للشهيد مازن فقهاء، الأسير المحرر والقائد في «القسام»، حيث أقام ذووه بيت العزاء ليوم واحد فقط في مدينة إربد، شمال عمّان.
وعقب تفجر انتفاضة «هبة السكاكين» وتصاعد الفعاليات الشعبية الداعمة لصمود الشعب الفلسطيني، بادرت بعض الجمعيات لإعادة إحياء سنّة أعراس الشهداء، فأقامت جمعية «خليل الرحمن»، على سبيل المثال، عرساً للشهيد محمد فارس الجعبري، الذي نفذ عملية إطلاق نار فدائية في محيط مستوطنة «كريات أربع» بتاريخ 9/10/2015، ونظم ديوان عائلة أبو سنينة عرساً للشهيد مصباح أبو صبيح، بطل عملية الشيخ جراح الفدائية، بتاريخ 11/10/2016.

عودة أعراس الشهداء
شكلت معركة «سيف القدس» عنواناً لمرحلة جديدة من الصراع، على قواعد اشتباك جديدة، ولعل أبرز شهداء المعركة، جمعة عبدالله الطحلة، الأردني الجنسية، الرملاوي الأصل، الذي استشهد بتاريخ 12/5/2021، شكّل استشهاده مفتاحاً لعودة ظاهرة أعراس الشهداء في الشارع الأردني. بعد الإعلان عن استشهاده، ظهر ذلك اليوم، توجه المئات من الأردنيين إلى منزل عائلته في منطقة ربوة عبدون، جنوب غربي عمّان، وهتفوا الهتافات الممجدة للشهيد وتم توزيع الكنافة على الموجودين. وبعد معركة «وحدة الساحات» التي خاضتها حركة «الجهاد الإسلامي» في فلسطين، واستشهاد القائد في «سرايا القدس»، تيسير الجعبري، أقامت عائلة الجعبري في عمّان عرساً للشهيد في جمعية «خليل الرحمن»، وحضر ممثلو الأحزاب والقوى السياسية، ووزراء سابقون، والسفير الإيراني في الأردن، هذا العرس.
ولكن المميّز في ما نعايشه اليوم، من عودة أعراس الشهداء، التي تصاحبت مع حالة شبه الانتفاضة التي تشهدها الضفة والقدس، كعرس الشهيد عدي التميمي، في ديوان آل التميمي، وعرس الشهيد تامر الكيلاني، في ديوان آل الكيلاني، وعرس الشهيد محمد كامل الجعبري، في جمعية «خليل الرحمن»، هو حجم المشاركة الشعبية، وحالة التفاعل الشعبي القوي معها، والتي ترجمها عددٌ من النشطاء بالوقفات الشعبية والهتافات المعبرة عن حالة الرمزية العالية والتأثر بالشهداء الحاليين. بل وصلت الحال ببعض الجمعيات، كجمعية «عيبال» التي تضم عدداً من العائلات النابلسية، لإقامة مهرجان للشهداء. وهنا يبقى السؤال حاضراً، حول إمكانيات استغلال مساحات أعراس الشهداء، والبناء عليها لدعم الحالة الشعبية التي لا يصح وصفها بالمتضامنة مع القضية الفلسطينية، فعلاقة أهل الأردن بفلسطين تتجاوز حدود التضامن.